تعيش اسرائيل "فائض قوة" مع غياب أي اجراءات رادعة أو محاسبة لافعالها وممارساتها الوحشية اليومية سواء في قطاع غزة الذي بات على شفا مجاعة حادة أو في لبنان من خلال الانتهاكات اليومية لاتفاق وقف اطلاق النار ومحاولتها الابقاء على احتلالها للتلال التي فرضت سيطرتها عليها بعد الحرب في اطار ما تسميه ضمان أمن مستوطناتها. فيما تشهد سوريا منذ سقوط نظام بشار الاسد على تصاعد وتيرة الهجمات الجوية على مواقع عسكرية وأمنية كما توسيع نطاق المنطقة العازلة والتوغل البري الذي خلّف مؤخرًا شهداء في ريف درعا، وتحديدًا في بلدة كويا السورية.
هذه المعطيات وغيرها تتزامن مع التصعيد الاميركي المستمر في اليمن وتعهد الرئيس دونالد ترامب بالقضاء على الحوثيين وقياداتهم، فيما التهديدات مستمرة بشن ضربة عسكرية "غير مسبوقة" على ايران التي تعيش تحت وطأة "الضغوط القصوى" والعقوبات الاميركية، ما انعكس سلبًا على ظروفها الاقتصادية والاجتماعية الداخلية. دون أن ننسى أن طهران اليوم تواجه ظروفًا صعبة وانتكاسات متتالية لنفوذها الاقليمي بعد الضربات الاسرائيلية لأذرعها في المنطقة ولاسيما "حزب الله" في لبنان والحوثيين في اليمن ناهيك عن مقتل ابرز قيادات "حماس" وسقوط النظام السوري، حليف ايران الاستراتيجي، والذي عزز دورها في السنوات السابقة أما في العراق فالحياد سيد الموقف رغم النفوذ الايراني الواسع هناك.
وعليه، ففي حال توجيه ضربة عسكرية ستواجه ايران "وحدها" بعدما اعتادت ان تكون الأذرع التي خلقتها في الوطن العربي في صدارة المواجهات وقد بدا ذلك واضحاً من خلال ما اسمته "وحدة الساحات" و"جبهات الاسناد" والتي ساهمت بشنّ اسرائيل عمليات عسكرية أرست قواعد اشتباك جديدة وتغيير في موازين القوى. وعليه تبدو الايام المقبلة مليئة بالأحداث والتوترات بانتظار الرد الاميركي على الجواب الذي أرسلته طهران عبر القناة العُمانية الى ترامب بشأن التفاوض حول اتفاق نووي جديد رغم ان المعطيات تشير الى ان القنوات غير المباشرة بين البلدين تتواصل دون أن يرشح عنها أي جديد.
وتحبس المنطقة أنفاسها بانتظار ما ستؤول اليه الامور، خاصة بعد قرار وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) نشر طائرات حربية إضافية لتعزيز الأصول البحرية في الشرق الأوسط. وفي حين لم يشر البيان المقتضب الصادر عن وزارة الدفاع إلى طائرات محددة، قال مسؤولون أميركيون - طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم- إن أربع قاذفات من طراز "بي-2" على الأقل نُقلت إلى قاعدة عسكرية أميركية بريطانية في جزيرة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي. ووفق الخبراء المطلعين، فإن هذه المسافة قريبة بما يكفي للوصول إلى اليمن أو إيران.
هذه الاوضاع المتشنجة دفعت الصين الى مطالبة واشنطن "بالعودة إلى طاولة المفاوضات وإظهار النوايا الحسنة"، حيث ذكرت وكالة "شينخوا" أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، قوه جيا كون، شدّد على أن "سياسة العقوبات والتهديدات العسكرية لن تؤدي إلى حل"، داعياً جميع الأطراف إلى تبني موقف بنّاء يعزز جهود الدبلوماسية ويسهم في استئناف المحادثات. هذا وكانت "قناة 14" الإسرائيلية أشارت الى أن "تهديدات ترامب والتدريبات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى هجوم محتمل على إيران قريباً"، متوقعة أن تتلقى "إيران ضربةً غير مسبوقة، قد تدمر مشروعها النووي وتقوِّض "الحرس الثوري"، وربما تؤدي إلى تغيير النظام".
في سياق متصل، أعلن الحوثيون، فجر اليوم، عن استهداف جديد لحاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس هاري ترومان" في البحر الأحمر وقطع بحرية "معادية" بعدّد من الصواريخ والطائرات المسيرة، وفق ما جاء على لسان المتحدث باسم الجماعة يحيى سريع الذي تعهد مجددًا باستمرار العمليات "بوتيرة متصاعدة ضد العدو الأميركي باستهداف قطعه الحربية في منطقة العمليات المعلن عنها". يُذكر أن الادارة الاميركية تحدثت عن استهدافات طالت قيادات وشخصيات رفيعة المستوى لدى الحوثيين، في حين تتحفظ فيه الجماعة عن ذكر خسائرها وتلتزم الصمت ازاء الاضرار التي تلحق بها محاولة الايحاء بانها لا تزال قادرة على خوض المعركة ضد الولايات المتحدة واسرائيل حتى "إيقاف الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني" بحسب ما تعلن عنه.
أما لبنانيًا، فقد شكّلت الغارة الاسرائيلية الثانية على الضاحية الجنوبية لبيروت في أقل من أسبوع صدمة لانها أتت دون سابق انذار كما أكدت وجود نوايا اسرائيلية مبيتة بقصف أي مكان وفي أي وقت ما ادى الى تفعيل قنوات الاتصال السياسية التي سارع اليها لبنان الرسمي مع الجهات الضامنة لاتفاق وقف اطلاق النار حيث دعا الرئيس جوزاف عون أصدقاء لبنان في العالم الى دعم "حقنا في سيادة كاملة على أرضنا، ومنع أي انتهاك لها من الخارج"، فيما اعتبر رئيس الحكومة نواف سلام أن الاعتداء يُشكّل انتهاكًا صارخًا للقرار 1701. ونفذت إسرائيل فجر أمس، غارة استهدفت معاون مسؤول الملف الفلسطيني في "حزب الله" حسن بدير، ما أدى إلى مقتله ونجله ومدنيَين أخرين وإصابة 7 أشخاص بجروح.
وفي الشأن الفلسطيني، تتزامن التطورات الميدانية وتوسيع أوامر الاخلاء مع الاوضاع الانسانية الكارثية ووصول القطاع الى مراحل متقدمة من الجوع بعد مرور ما يقارب الشهر على تشديد اسرائيل الحصار ومنع دخول المساعدات الغذائية والصحية رغم كل المطالب والمناشدات بتخفيف القيود المفروضة. وأمس، أعلنت "جمعية أصحاب المخابز" في القطاع التوقف عن العمل بشكل كامل في مناطق وسط القطاع وجنوبه لعدم توفر الوقود والغاز، وكذلك الدقيق (الطحين). بينما أكد برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة أن هناك حاجة إلى أكثر من 306 آلاف كيلوغرام من دقيق القمح يومياً لتشغيل المخابز. وتستخدم تل أبيب التجويع كسلاح أساسي في حربها ضد "حماس" خاصة أنها تتهم الحركة بالاستيلاء على المساعدات وتربط تسهيل دخول قوافل الاغاثة بالاستجابة لمقترحها الجديد الآيل لاطلاق سراح نصف الرهائن المحتجزين في القطاع.
وبحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن أحد أبرز الخلافات المطروحة على طاولة المفاوضات أن إسرائيل تصر على أن أي اتفاق الآن يجب أن يرّكز فقط على وقف مؤقت لإطلاق النار مقابل إطلاق سراح الرهائن، في المقابل تسعى "حماس" إلى إجراء مفاوضات لإنهاء الحرب بشكل كامل. وهذا ما أكدته الحركة، بدورها، عبر عضو مكتبها السياسي، سهيل الهندي، الذي شدّد على أن إطلاق سراح الأسرى "لن يتم إلا عبر صفقة تبادل عادلة وشاملة"، كما أوضح أن "الحركة لن ترفع الراية البيضاء". ميدانيًا، وسَّعت إسرائيل من خرائط الإخلاء، وأمرت صباح الثلاثاء، بإخلاء مناطق بيت حانون وبيت لاهيا وأجزاء من تل الزعتر شرق جباليا، بدعوى إطلاق صواريخ من هناك، الأمر الذي فرض على آلاف السكان النزوح مجددًا إلى مناطق أخرى.
وجاء ذلك مع تكثيف إسرائيل عملياتها العسكرية خلال عيد الفطر، ما خلّف عدداً كبيراً من الشهداء في الأيام الثلاثة الأولى من العيد، جلّهم من الأطفال والنساء، اذ كشفت "اليونيسف" عن أرقام صادمة تشير الى ان الاحتلال قتل في غضون 10 أيام 322 طفلًا وجرح 609 أخرين، معظمهم ممن كانوا يعيشون في خيام مؤقتة او منازل مدمّرة. ولا تختلف الاوضاع في القطاع المنكوب عن تطورات الضفة الغربية التي تشهد على حملة ممنهجة من التهجير والتدمير ناهيك عن الاعتقالات اليومية وتضييق الخناق من قبل المستوطنين على العائلات الفلسطينية والاستيلاء على ممتلكاتها وأراضيها بتسهيل من القوات الاسرائيلية. وضمن أخر المعطيات، قالت وسائل إعلام فلسطينية محلية إن نحو 300 مستوطن هاجموا قرية دوما الفلسطينية وأضرموا النار في المزارع والاراضي وألحقوا أضرارًا فادحة بالمركبات.
وعلى صعيد متصل، كشفت "هيئة البث الإسرائيلية" عن قلق في تل أبيب تجاه الرئيس السوري أحمد الشرع بزعم تشدده وعمله على تقويض أمن إسرائيل. ونقلت الهيئة عن مصدر أمني إسرائيلي -لم تسمه- قوله: "الشرع إسلامي يرتدي ربطة عنق، وهو عدو ومتشدد وليس شريكًا بالحوار". ومنذ سقوط النظام السابق، تحاول اسرائيل زيادة تعدياتها على سوريا كما تحاول استمالة الاقليات لزرع بذور الفتنة وادخال البلاد في اتون جديد من الصراعات. تزامنًا، أشاع الاتصال بين الرئيس الشرع ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني اجواءً ايجابية وكسر القطيعة بين البلدين، خاصة أنه ركز على تعزيز العلاقات وزيادة مستويات التعاون، وذلك بحسب ما أورده بيان الرئاسة السورية.
وعكست الجولة الصباحية على الصحف العربية الصادرة اليوم اهتمامها بالملفات الحيوية الساخنة التي تمتد من لبنان الى سوريا فغزة وصولاً الى العراق. ونورد هنا أبرز ما جاء في افتتاحياتها وعناوينها الرئيسية:
أشارت صحيفة "الوطن" القطرية الى أن "النوايا الإسرائيلية سيئة، وهي تريد إبقاء لبنان في حالة من الفوضى ما لم يتدخل المجتمع الدولي، وخصوصا الولايات المتحدة التي لعبت دورًا رئيسيًا في التوصل لاتفاق من أجل وقف الخروقات"، منبهة من "الإبقاء على حالة من الاضطراب في هذا البلد العربي تمنعه من العودة إلى استقرار طال انتظاره، من أجل التفرغ لمعالجة العديد من الملفات المحلية والإقليمية الهامة، ومن ذلك ترسيم الحدود اللبنانية- السورية، من أجل منع أي تداعيات سلبية لاحقًا".
من جهتها، تناولت صحيفة "الجريدة" الكويتية زيارة رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام الى السعودية والتي وضعتها في اطار "اختيار السعودية العودة إلى لبنان من الباب العريض، مع اهتمام واضح به وبسوريا أيضاً انطلاقًا من الرؤية الاستراتيجية السعودية". وقالت: "حملت الزيارة مؤشرات كثيرة أبرزها أن السعودية لديها اهتمام خاص بلبنان من خلال سلام كرئيس للحكومة، لا سيما أن التركيز كان على ضرورة وضع مسار عمل لمرحلة ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة، وهذه إشارة لا بد من قراءتها على مستويات متعددة في لبنان".
واعتبرت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "مهمة الحكومة السورية الجديدة ستكون في غاية الصعوبة نظرًا لضخامة التحديات التي تنتظرها، وفي مقدمتها التحدي الأمني فضلًا عن التحدي السياسي المتمثل في توحيد مكونات الشعب السوري وتحقيق حالة من الوحدة الوطنية"، ولكنها شددت على أن تشكيل الحكومة "يمثّل خطوة إلى الأمام في الاتجاه الصحيح، ويجب منحها الفرصة للعمل وتحقيق ما تعد به، على أمل أن تكون بالفعل بداية لمسار جديد يعيد لسوريا وحدتها وأمنها واستقرارها، ويضعها على طريق التعافي الشامل".
الموضوع عينه تطرقت إليه صحيفة "الخليج" الاماراتية التي لفتت الى أن "سوريا اليوم تواجه ما واجهته من قبل كلٌّ من ليبيا واليمن والسودان، بعد سقوط أنظمتها، لجهة بناء نظام سياسي يرضي القسم الأكبر من المكونات والفاعلين الأساسيين في البلاد ويمنع ذهابها نحو التقسيم، أو استعصاء الخروج من "الدولة الفاشلة"، التي آلت إليها بعد سقوط النظام السابق وانهيار العديد من المؤسسات الرئيسية ووجود حالات انقسام مجتمعية أوجدتها سنوات الحرب".
وتحت عنوان "هل تتدحرج كرة النار إلى إيران"، كتبت صحيفة "البلاد" البحرينية "أصبح النظام الإيراني حاليًّا في وضع لا يُحسد عليه بعد أن فقد أهم الأذرع التي كان يستند عليها أثناء مد نفوذه في المنطقة"، مشيرة الى أن "كل المعطيات تدل وبلا شك على حرب إقليمية قادمة، ويبدو أن أميركا عازمة على الإطاحة بالنظام الإيراني الحالي كما حدث في سوريا بسقوط بشار الاسد، إلا إذا حدثت ظروف معينة ومفاجئة تمنع ذلك.. وإن غدًا لناظره قريب"، على حدّ قولها.
في السياق، أوردت صحيفة "النهار" اللبنانية أن "ترامب لا يغض الطرف فقط عما يفعله نتنياهو في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، وإنما لا يحرك ساكناً في ما يتعلق بالحملة التي يخوضها نتنياهو في الداخل الإسرائيلي لتطويع القضاء ومنعه من التدخل في القرارات السياسية للحكومة". واضافت: "وهكذا لا تغير حروب نتنياهو وجه الشرق الأوسط فحسب، بل إسرائيل أيضاً. وهذا يشبه إلى حد كبير الطريقة التي يغير بها ترامب الولايات المتحدة من الداخل".
(رصد "عروبة 22")