بصمات

عن ذهنية "الفلول" وتخريب العلاقة بالواقع!

الفلول هم كلّ فئةٍ تُهزَم ولا تعترف بالهزيمة، ثم تبقى تعانِد الحوادث التي تجري بأن تُصِرَّ على حضورِها الفاعل في الواقع، بتجاهُلٍ قَصْدِيٍّ لما أحدثته الهزيمة، فتُعظِّم جدوى فكرتها في تغيير مجرى التاريخ، وتحيل الخسارةَ نصرًا، وتقدِّسُ أشخاصَ المعركة، وتخلق سرديّاتٍ عابرةً للزمان، فتصبح مارقةً على الحضور الواقعي المكين للفاعلين الأحياء. والخطورة هنا تكمنُ في التصنيع الغافلِ للعقيدة المغلَقَة على حساب الانفتاح الواعي للقراءة الحرّة، أي تلك الإقامة النقديَّة المثمرة في بؤرة الحراك الاجتماعي والسياسي والثقافي الشامل، التي تتيح إنفاذَ القدرة الشُجاعة على مغادرة الهزيمة إلى لحظةٍ معيشةٍ جديدة، تسودها الممكنات.

عن ذهنية

تؤدي وضعية العيش الفَلِّيَّةِ المهزومة إلى تشكيل ذهنيةٍ تترسَّخ في أشخاصها تجعلهم دائمي النّفور من الآخر. نفورٌ يكثِّرُ الأعداءَ ويحاكمُ سلوكَهم اليومي استنادًا إلى لحظةٍ معيارية سابقة على تفاعلهم اليومي معهم، هذه اللحظة هي نفسُها تلك الواقعة التي هُزِموا فيها وصاروا فلولًا، فتصبح علاقتهم بالحياة علاقةَ الفاقِد للعصر الذهبي، والذي يرى أنّ العالم كلّه يجب أن يعيد حساباتِه ويسترجع ذاك المجد الغابر. فالفلول لديها تأصيل ذاتي للمظلومية، بحيث تبني تفكيرها المستقبلي خدمةً للحظةٍ سابقةٍ عالقةٍ في التصوّر العقدي الذي صار يعلو الحدث، وصار شرطًا قبليًّا لفهم كل الحوادث الذي تليه.

ما يغيب في هذه القراءة النكوصية القاتلة للممكنات هو إجراءُ الفهم العملي للواقع، أي تعلّم وسائل إدارة الأمور كما هي اليوم، بدل الإقدام على المشهد الرّاهن من خارجه، بأحكامٍ لا تنتمي إلى سياقِه في شيء. والأنكى هو التمسُّك بالأحكام على الرَّغم من تغيُّر الظروف في اليومِ عينه، كأن تخسَر هذه الفئة حربًا لا تملك فيها سلاحًا غيْر تصوُّرِها التاريخي عن العدو الأبدي مقابلَ انتصار هذا العدو عليها لأنّه يملك أحدث التقنيات العِلمية التي تسير وفق الذّكاء الاصطناعي. فنجد هذا التعنُّتَ في مبادرة العدو، لمجرَّد التسلح بعقيدةٍ تقتضي مواجهته، هو أسهل الطرق لإبادة الناس وإهلاكهم جزافًا.

لا يُعقَلُ ألّا نلتفت إلى مغادرة انفعالنا والمواجهات الخلَّبية ونبدأ التفكير بالإنسان الذي نريدُ أن نكوّنَه

إنّ العقائد المارِقة لا يمكنها أن تعيَ قيمة الحياة، بل إنّها تمجِّدُ الموتَ والاستشهاد وإراقة الدّماء في سبيل مشروعها الذي تؤمن به، أمّا الواقعية السياسية فتقتضي التفكير في نوعية الاجتماع البشري الرّاهن، وكيف يمكن للإنسان أن ينصرفَ كلِّيًّا إلى تحسين ظروف عيشه وتطوير قدرته على فهم الكون واستثمار موارده وتعلُّم آليات السُّكنى الهنيئة فيه.

لا بدّ من فلسفةٍ جديدة لقوانين الحرب والسلم في أذهاننا، خصوصًا أننا على تماسٍ مباشرٍ مع قوى الشرِّ والرّذيلة التي تجثم على أرض فلسطين. لا يُعقَلُ ألّا نلتفت إلى مغادرة انفعالنا بالسلاح والمواجهات الخلَّبية، ونبدأ التفكير بالإنسان الذي نريدُ أن نكوّنَه في يومنا. علينا أن نُصبِحَ حاجةً أخلاقية علميةً في هذا العالم، من شأننا أن نُعيقَ الأشرار من ممارسة شرِّهم. علينا أن نفصِحَ عن ذواتنا ونخلقَ للإنسانية مصالحَ معنا، ليغدوَ حضورنا ضروريًّا في العالم. إنَّ استيعاب الفوضى العارمة في بلادنا لا يتمّ بزيادة الدمار والهلاك وصولًا إلى لحظةٍ تنعدم فيها الرؤية من شدّة غبار المعارك، بل يكون بابتداء الخطو الوثيق نحو الأهداف البعيدة.

هل لدينا أهداف بعيدة المدى نسير صوبها ساهِمِي الوجوه، فلا تُعيقنا عثرات الزّمن إلّا هنَّات يجاوزها زخمُ المسير الحرِّ نحو غاياتٍ مُثلى؟ هل يُعقَل ألّا يدور في بالنا سوى هذا السؤال الانفعالي: لماذا تقدَّم الغرب وفشل المسلمون؟ إنّ هذا السؤال ليس سؤالًا تأسيسيًّا اليوم، ذلك أنّ ذهنية الفلول التي تحتويه تشكِّلُ في ذاتِها عائقًا إبستيمولوجيًّا يمنع كلَّ مَن يفكِّرُ فيه بهذه الصيغة من أن ينفتِح على إمكان الاشتراك الحرّ في الحضارة المعاصِرة.

إنَّ السّؤال الممكن اليوم هو: مَنِ الإنسانُ الذي نحنُ هو، والذي عليه أن يواجِه مشكلات مجتمعه المتخلّف لينهض؟ ومَا هو علمُنا الذي يؤهِّلنا للاشتراك في كيْنونة الإنسانِ الرّاهن؟ وما هو فهمُنا للعلاقات الدولية التي نحن جزءٌ منها؟ وكيف نفهمُ اقتصاد الحياة اليوم، وما أهمّية إعمار الأرض عندنا، حتّى نؤسّسَ لنظرية اقتصادية تُنسَجُ عليها قيمُ العدالة والمساوة؟.

تجويد التفكير في الإنسان يؤدي إلى تحسين وجوده المنتِج

لا يؤدي الإقدامَ على الفهم بذهنية الانهزام الفَلِّيَّةِ المقيَّدة إلى الانفتاح على ما يمكن أن نقوم به في سبيل تجديد خطونا نحو ذواتنا كما هي اليوم. النضال الحقيقي هو بناء مؤسّسات تخرجنا من غفلة المألوفِ المحبِط إلى سِعَة المأمول الممكن. لذا إنّ تقريرَ المصيرِ يكون بقرار المسير، والتنازل عن الثنائيات المارقة والاستقطابات الساذجة بين الـ "نحن" والـ"هم" أو "الحقّ" و"الباطل"، وغير ذلك من مشهديّات الاستعصاء الذهني على الواقعي. علينا مبادرة الوجود بمواقف جريئة في الفهم تلائم العيشَ الحرّ الكريم. فلا شيء أثمنُ من الحياة سعيًا وتفكيرًا وإقامةً في وجدان الإنسانية كلّها، ذلك أنّ تجويد التفكير في الإنسان يؤدي إلى تحسين وجودِه المنتِج.

إنّ التصافي بين المرء وذاتِه هو لحظة التحرّر الحقيقي من العيش الهامشي على ضفاف عقول الآخرين وتوهّم الانتماء إليها. لا شيء سوى سُكنى الذّات يؤدّي إلى العناية بها، ويعرِّفها إلى الذوات الأخرى ويقيَها من الوقوعِ ضحيّة الحروب العبثية، ذلك أن الشرَّ لا يأتي إلى الإنسان من إنسانٍ مثله، بل من ذاتٍ تنازلت عن إنسانيّتها!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن