ازدادت الصعوبة خلال شهر رمضان، لعدم قدرة العائلات على توفير المستلزمات الأساسية واعتمادها على الدعم الإغاثي والتبرّعات من المواطنين، لكنّ عيد الفطر كان الأكثر قساوةً عليهم وعلى أطفالهم، فهو الأوّل لهم خارج المخيّم منذ عام 1967.
الكثير من المنازل لم تَعُدْ قائمةً بسبب تدميرها من قبل الاحتلال، في مخيّمات جنين وطولكرم ونور شمس والفارعة، ولا بهجة تُرْتَسَمُ على وجه الأطفال.
رنا عبيد، محامية من مخيم طولكرم، نزحت مع عائلتها قسرًا إلى قرية شويكة في المحافظة نفسِها، تُعبّر عن حسرتها وألمها لأنها لم تعشْ أجواء رمضان والعيد ككل عام، وتقول لـ"عروبة 22": "كنّا وجميع الجارات في الحارة نجتمع قبل العيد، ونُعدّ كعك العيد في أجواء مليئة بالفرح والبهجة، وفي يوم العيد نتبادل الزيارات والتبريكات، لكن هذا كلّه لم يعد موجودًا اليوم بعد اقتحام الاحتلال لمخيّم طولكرم المستمرّ وتدمير المنازل وإجبار السكّان على النزوح وقتل بعض السكّان، فأصبحنا مشتّتين في مناطق مترامية الأطراف".
وتضيف رنا: "قبل العيد بأيام كنّا نذهب إلى السّوق التي لا تبعد سوى 5 دقائق عن المخيّم، ونشتري ما نحتاج للعيد، أما الآن فنحن بحاجة لمواصلات ووقت طويل للوصول إليها في ظل ظروف اقتصادية وأمنية صعبة، وقد كنا في كلّ عيد نزور المقبرة في ساعات الصباح لنعيّد على موتانا، أمّا هذا العيد فاضطررت للخروج في ساعات الفجر الأولى لأعيّد على أخي الشهيد أحمد في قبره الذي استشهد في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي ثم بدأت عملية النزوح، فأصبح الألم المتراكم نازحًا معنا، لكن على الرَّغم من ذلك قررنا إعداد كعك العيد وتوزيعه رحمةً عن روح أخي، وحتّى نتحدّى الألم الذي سبّبه الاحتلال لنا".
وتقول نهاية الجندي، رئيسة "جمعية نور شمس لتأهيل المعوّقين الخيرية"، إنّ أصعب اللحظات في النّزوح كانت خلال شهر رمضان، في ظلّ عدم وجود دخل ولا ممتلكات ولا منازل، والحرمان من العيش في أجواء وطقوس رمضانيّة اعتادت عليها العائلات في منازلها والمخيم. وتضيف أنّ اللاجئين اعتقدوا أنهم سيغادرون المخيّم لأيام ثم يعودون، لكن ما حلّ بهم أنّهم خرجوا منذ بدء العدوان ولم يعودوا حتّى اليوم، وأصبحوا مستأجِرين أو نازحين في مراكز إيواء ومشتّتين في مناطق بعيدة عن المخيم، ولم يتمكّنوا من التزود بالملابس والأغطية والمقتنيات المنزلية الكافية.
وتُبيّن الجندي أنّ الصعوبة كانت أكبر على الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السنّ الذين واجهوا صعوبةً كبيرةً في النزوح والخروج من المخيم ضمن مسار وضعه جيش الاحتلال في طرقٍ محفّرةٍ ومدمّرةٍ، ولم يتمكّنوا من أخذ الأدوات المساعدة لهم، لافتةً إلى أنّ عيد الفطر مرّ صعبًا للغاية، فلا قدرة للعائلات على شراء ملابس العيد للأطفال، أو منح أطفالهم "العيديات" كالمعتاد، ولا منازل تأويهم، وهناك صعوبة في التنقّل بسبب حواجز الاحتلال وتشتّت العائلات في مناطق بعيدة، علاوة على وجود عائلات كضيوف في منازل مواطنين آخرين.
أما هبة الحاج صالح، النّازحة من مخيم جنين، فتقول لـ"عروبة 22"، إنّ "العيد في النزوح والتشتّت صعب للغاية، صعب من حيث الحياة وصعب من حيث الشعور الداخلي وأثره النفسي علينا وعلى أطفالنا وعائلاتنا". وتضيف: "تعيش أسرتي في غرفة واحدة، نستعمل هذه الغرفة للنوم والطبخ والاستحمام ولكلّ شيء قد تحتاجه الأسرة".
وإذ تشدد على أنّ "شعور البُعد عن المخيم صعب جدًا، فقد حُرمنا من أجواء العيد وحُرم أطفالنا من كسوة العيد"، تشير إلى أنه على الرَّغم من كل الألم الذي سبّبه العدوان، فقد عمل النساء النّازحات في مركز الإيواء الذي تعيش فيه، على إعداد كعك العيد متحدّيات كلّ الظروف الصعبة، كما كان هناك بعض المبادرات لمنح الألعاب للأطفال ومحاولة رسم البسمة على وجوهم، لافتةً إلى أنّ المنزل الذي كانت تعيش فيه في المخيم كان يضمّ أسرتها وعائلة زوجها الممتدّة "لكن اليوم باتت كل أسرة مشتّتة في مناطق بعيدة وعمليات التنقّل لرؤية بعضنا البعض أصبحت صعبة بسبب اقتحامات الاحتلال، وكذلك بسبب التكلفة المادية العالية في ظلّ الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه العائلات".
(خاص "عروبة 22")