تتعرّض هذه النّظرية لمقارباتٍ نقدية في مؤلّفات باحثين وأكاديميين في المنطقة العربية (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، التي كانت ساحةً من ساحات الصراع على النّفوذ والسيطرة من جانب القوى العظمى خلال الحرب الباردة، ودخلت في سلسلة حروب مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وفي المواجهات العسكرية الداخلية والخلافات الحدودية، إلى الثورات العربية.
تنعكس النظرية الواقعية الجديدة على الحالة "الوستفالية" المستقرّة، تفسيرًا عامًا للوضع في العالم العربي، وتكمُن الإشكالية في وعي قضايا الأمن والمشكلات الٳبستيمولوجية والأنطولوجية، ومقارنتها النّقدية خارج المركز والصندوق العربي، لجهة الفوضى في المنظور الواقعي كمحرّكٍ في النظام الدولي، وحين يجري تجاهُل عوامل داخلية مثل الصدامات الإثنية والسياسية والفشل الاقتصادي والتغييرات الاجتماعية في تحليل سلوك الدول.
المؤسّسات العربية بحاجة إلى تعديل في سلوكها على قاعدة الوحدة وتخفيف مسارات التنافسيّة
تدخل الدولة العربية في صراع تعايُش مع المجتمعات الإنسانية في ظلّ حجمٍ كبيرٍ من التغييرات والتحوّلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمُناخية، ويغيب في النظرية دور الفاعلين من غير الدول وتأثيرهم في السياسة الدولية ضمن موضوعات السياسات "الدنيا" في اهتمامات البحث عن مُمكنات التجديد في العقد الاجتماعي، وترتيب سلّم الأولويات، ومستقبل القضايا على الحدود القومية للدول، ومتابعة مسارات النظام الدولي الجديد.
تؤكّد نظريات المقاربة الواقعية التي تشير إلى أنّ الولايات المتحدة الأميركية تعتبر المنطقة العربية والمتوسطة جزءًا من نفوذها العالمي، وتسعى للحفاظ على سيطرتها فيها، وأنّ الاتحاد الأوروبي ينسجم مع هذه الرؤية في خطوطها العامة وأهدافها من دون أن تحصل أوروبا على دور فاعل ونفوذ خاص كدور خارجي مستقل. في المقابل، تُركّز السياسة الصينية على المصالح الواقعية والتنافسية مع الولايات المتحدة لتعزيز تأثيرها، ولكنّها لا تزال تعتمد اعتمادًا رئيسيًّا على النهج التعديلي بدلًا من النهج الثوري. وتطرح تحدّيات جديدة على السياسة العربية في مدركات التهديد، مع وجود احتمالية لمواجهة عسكرية تتفاعل بعوامل طارئة.
المصير المشترك في "ضمير الغائب" مع غياب النقاشات حول التصديّ لأسلوب جديد من الإمبريالية
تبحث الفرضيّات الواقعية في دور دول الخليج العربي بإقامة نظام أمني إقليمي، واستخدام عناصر يتم توظيفها توظيفًا ذكيًّا ومغايرًا لتحقيق الأمن والمصالح الوطنية بكفاءة، بخلاف تأثيرات غياب السلطة المركزية وسلوكها الفوضوي في أمكنة أخرى. لكنها فرضيّات لا تكفي لشرح تطوّر المؤسّسات العربية وحاجتها إلى تعديل في سلوكها على نحوٍ أكثر تفاعلية وإيجابية، وعلى قاعدة الوحدة وتخفيف مسارات التنافسيّة، وضرورة تقريب وجهات النظر بشأن القضايا المصيرية، وتخفيف آثار معضلة الاضطرابات الأمنية على المديَيْن المتوسط والبعيد.
يتعلّق الأمر بتفاعل العديد من العوامل، بما في ذلك الوضعان الإقليمي والدولي والتطوّرات الداخلية، على نحوٍ شاملٍ ومتعدّدِ الأبعاد، مع استخدام مختلف النظريات والمقاربات لفهم التحدّيات الراهنة والمستقبلية التي تواجه السياسة الخارجية العربية في مواجهة المركزيّة الغربيّة في حقل العلاقات الدولية، والتي تروي قصصًا متعدّدةً، لم يعد فيها للدولة دورٌ فاعلٌ رئيسيّ وحدويّ، حيث السلام والحرب يصنعهما الفاعلون الكبار.
تضعف قدرة الواقعية على تفسير واقع العالم العربي، لذلك يبقى المصير المشترك في "ضمير الغائب" مع غياب النقاشات المعاصرة حول الاستعمار واستمراره في الحياة السياسية والأمنية، والتصديّ لأسلوب جديد من الإمبريالية المستمرّة في أشكالٍ جديدةٍ من السيطرة، وفي ذلك التناقض الصارخ والمستمرّ والتوتّرات الاعتيادية بين الحرّية والأمن على حساب رفاهية المجتمعات العربية، بعد تنامي حضورها الاقتصادي. وقد أصبحت دول عربية تُفاوض في المنتديات الدولية، وتشارك دول الشمال الغنيّة في مهمّات دوليّة مثل وقف الحروب وحفظ السلام العالمي.
غياب سلطة مركزية في النظام الدولي مع غياب مشروع واستراتيجيا عربيَيْن جماعيَيْن للنهوض الذاتي
من المهمّ تنامي الدراسات حول العالم العربي، وتجاوز "المرحلة المعرفيّة"، إلى قضايا الانشغال العالمي والتأقلم مع متغيّرات الساحة السياسية والمعرفيّة في آن.
لقد استخدم مُنظّرو الواقعية المعنى الأول للواقعية السياسية، في حين أسقطوا المعنى الثاني. فأصبحت "الفوضى الهوبزيّة" تعني غياب سلطة مركزية في النظام الدولي والتوازن الجمْعي، وتطابق هذا المفهوم مع غياب مشروع واستراتيجيا عربيَيْن جماعيَيْن للنهوض الذاتي في واقعية سياسية أخلاقية، فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، وما يمسّ نواتها الصلبة من فوضى دوليّة.
(خاص "عروبة 22")