مع أنّ مبارزة بور كانت ضمن حدود الأخلاق في ذلك الوقت، خلافًا لهاميلتون الذي بدا فيما بعد أنّه تلاعب بسلاح المبارزة للقضاء على خصمه، إلا أنّ طموحات بور السياسيّة تحطمت في أعقاب المبارزة، بعدما أصبح منبوذًا في المشهد السياسي، بينما تمّ التكتم على السلوك اللاأخلاقي لهاميلتون، ومُنع وصول هذه المعلومة للعامّة، ليموت بطلًا مثاليًّا، وقد تمّ الحفاظ على صورته في الوعي الجمْعي للأميركيين ولم يُسمح أبدًا بتآكل محتواها أو انهيارها، إذ عاش طويلًا في أذهان الأميركيين وقلوبهم كسياسي فذّ وأحد الآباء المؤسّسين للدولة.
إنّ دينامية تآكل المحتوى هذه عنصر أساسي في قانون الفراغ، القانون الذي يرافقه الخراب ثم الانهيار، بينما إعمار الدول هو ملؤها بالمحتوى الثقافي والديني والاجتماعي الحضاري، حسب الباحث كمال القصير، إذ يتحوّل الفراغ تدريجيًّا إلى معولِ هدم، يأتي على كل ما تمّ بناؤه من أسُسٍ وأركانٍ صلدةٍ لأيّ حضارة، حدث ذلك في أعقاب انهيار الحضارة اليونانية بصرْحها الفكري والفلسفي ولو على نحوٍ بطيء، إذ تآكل محتوى الآباء المؤسّسين وعلى رأسهم سقراط، حين تمّ اتهامه بإفساد عقول الشباب وإعدامه، كما واصلت مدرسة الشكاك مهمة تآكل المحتوى الفكري والفلسفي الذي أقامه عمالقة الفكر الفلسفي اليوناني، وأفقد مقوّمات الحضارة اليونانية قدرتها على الاستمرار والمقاومة.
تآكل في المحتوى الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي يمتدّ ليطال الجغرافيا العربية كاملة
وفي السياق ذاتِه، حاول إدوارد غيبون في كتابه "تاريخ الإمبراطورية الرومانية من ذروة قوتها إلى سقوطها"، وضع الفراغ الذي أحدثه اختفاء القادة الحكماء مع مرور الوقت، وتآكل المحتوى والقيَم التي وضعها هؤلاء من السّجل الجمْعي للمواطنين كالاهتمام بالواجبات السياسية والاجتماعية، ضمن الأسباب الخفيّة التي كانت وراء انهيار الرومان وحضارتهم العظيمة.
وعن الحضارة العربية الإسلامية اليوم، يمكن أن نتساءل أيضًا، ما الذي تغيّر فيها منذ حكْم الخلفاء الرّاشدين إلى اليوم؟ ألم نكن إزاء ديناميّة هدم وإفراغ المحتوى لا تنفكّ تنقضي حتّى تبدأ من جديد؟ ألم نكن إزاء منظومات متباينة ومتصارعة تعمل وفق ديناميّة إفراغ المحتوى عنيفة منذ البداية؟.
إلى أين نتجّه مع إفراغ المحتوى العربي الإسلامي من حضور الآباء المؤسّسين، وإفراغ صورتهم المثالية من السّجل الجمْعي للناس؟ ألا يواصل إعلام اليوم هدم صور الآباء المؤسّسين، فيما يُقدَّم مثلًا على القنوات العربية من سيرٍ ذاتيةٍ لهم، والإمعان في كشف أو تلفيق زلّات وأخطاء لهم، انتهاءً إلى قتلهم المادي أو الرمزي أو نفيهم أو تشريدهم وإحراق مكتباتهم، سواء كانوا خلفاء راشدين، أو صحابة أو فقهاء أو دعاة أو مفكرين وفلاسفة، أو سياسيين؟.
ما نشهده في العالم العربي يؤكد أنّنا نحيا في فراغ يُـمهّد لقيام شيء جديد مستقبلًا
ألا نكون اليوم إزاء أعظم فراغ وتآكل في المحتوى الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي يمتدّ ليطال الجغرافيا العربية كاملة، مع انهيار السرديّات الكبرى مثل القومية واليسارية والإسلامية القديمة، ومحاولة أشكال جديدة من التنظيمات والإيديولوجيات إفراغ وتشطيب النموذج القديم كليةً لإحلال نموذجٍ جديدٍ ثقافيًا وبشريًا وسياسيّا؟.
إنّه فراغٌ رهيب، غير أنّ الطبيعة، ومنذ أرسطو، ما زالت تخشى الفراغ. وعليه، فما نشهده في العالم العربي منذ بضعة عقود خلت يؤكد أنّنا، حقيقةً، نحيا في فراغ؛ لكنه فراغٌ يُـمهّد لقيام شيء جديد مستقبلًا. ولمَ لا يكون ذلك عروبةً بنموذج جديد، وفلسفة جديدة، وآليات سياسية واقتصادية وبشرية جديدة؟.
(خاص "عروبة 22")