صحافة

التوازن بين إسرائيل وتركيا على الأراضي السورية

خالد عكاشة

المشاركة
التوازن بين إسرائيل وتركيا على الأراضي السورية

الإجابة تبدو صعبة كثيرا؛ حينما يكون السؤال متعلقا بالمدى الذي يمكن للولايات المتحدة أن تسمح به لإسرائيل، في تعاطيها مع المشروع التركي على الأراضى السورية، الصعوبة تكمن في أن هذا المشروع التركي في حده الأدنى حظي مبكرا بسماح أمريكي، وفي حده الأبعد تعد واشنطن شريكا بحصة حاكمة في التجربة التركية التي تقوم أنقرة بتنفيذها في سوريا.

ما بين الحدين في حال كانت هناك رغبة لقياسات دقيقة، لن تكون الاختلافات سوى في بعض النسب هنا أو هناك، لكن تبقى المعضلة فعليا أن المشهد يضم شركاء ثلاثة، وفي تلك المرحلة التأسيسية هو معرض لهزات خطيرة قد تتسبب في ارباك حسابات الشركاء، فضلا عن انفلات متوقع لأحد الأطراف ـ إسرائيل ـ مما قد يضع الشركاء الآخرين أمام أسئلة مركبة تبدو أكثر صعوبة.

هاكان فيدان وزير الخارجية، مهندس التجربة التركية في سوريا اعتبر الغارات الواسعة التي شنتها إسرائيل مؤخرا على سوريا، تهديدا لأمن المنطقة واعتبرها تمس السلامة الإقليمية والوحدة الوطنية لدولها في إشارة لسوريا ولبنان. وطرح من جانبه تساؤلا استنكاريا عن سبب انزعاج إسرائيل من تطورات سوريا ولبنان التي تحمل آمالا كبيرة للاستقرار، على إسرائيل التوقف عن تقويض الجهود الرامية إلى إرساء الاستقرار في سوريا، معتبرا أن غارات إسرائيل الأخيرة على مواقع سوريا لا يمكن فهمها بعيدا عن نهجها الذي يتغذى على الصراع.

هذا الحديث وتلك التصريحات من فيدان في جانب منها موجه إلى الولايات المتحدة، بصيغة "ليس هذا ما جرى الاتفاق عليه" من وجهة نظره بالطبع. لأن هناك وجهة نظر إسرائيلية مقابلة كشفها وزير الدفاع يسرائيل كاتس؛ في خطاب موجه إلى الرئيس الشرع يحذره فيه من تجاوز الخطوط الحمراء، كان لافتا ودالا بالتأكيد استخدام وزير الدفاع الإسرائيلي للاسم السابق للرئيس السوري "الجولاني"، وهو يؤكد له أن سوريا ستدفع ثمنا باهظا في حال سمحت لـ"القوات المعادية" التي تهدد مصالح أمن إسرائيل، بالدخول إلى سوريا واستخدام أراضيها بأي صورة !

لاشك في أن حديث الرجلين وكلماتهما المختارة بعناية، يعبران بوضوح عن موقف بلديهما وحدود قبولهما مساحات التمدد أو الأدوار المتفق عليها في المشروع المشار إليه. فهناك اتفاق بين دمشق وأنقرة؛ تسرب مؤخرا إلى إسرائيل يمنح تركيا نفوذا وقواعد عسكرية في سوريا، يرى الجيش أنه يحد من عمليات إسرائيل وحركتها في الأجواء السورية، لذلك بادر بشن غارات جوية على قاعدتين جويتين ومواقع للبنية التحتية العسكرية في مدن دمشق وحماة وحمص السورية، وهنا يبدو الأمر موجها إلى قلب الدولة بشكل مباشر وليس تمددا في الأطراف هنا أو هناك.

تفاصيل الاستهداف الإسرائيلى وحصيلة الخسائر السورية، ثقيلة ومباغتة، فضلا عن ملمح استراتيجي صادم أوردته وكالة الأنباء الرسمية "سانا"، بأن "مطار حماة" العسكري وسط البلاد تعرض لأكثر من 17 غارة جوية مما أدى إلى تدمير معظم أجزائه، يشمل ذلك مدارج الطائرات وبرج المراقبة ومستودعات الأسلحة وحظائر الطائرات. بعد معاينة الأضرار، تأكد أن إسرائيل دمرت قاعدة حماة الجوية بالكامل لضمان عدم استخدامها مستقبلا، كما تبين أن القصف الجوي طال محيط مبنى البحوث العلمية بحي مساكن برزة في دمشق، إضافة إلى غارة للطيران الإسرائيلي استهدفت على نحو مركز محيط مدينة حماة.

هذه المنطقة تمثل القلب الاستراتيجى للبنية العسكرية السورية، ويبدو أنها كانت موضع الاتفاق بين دمشق وأنقرة يقضي بموجبه استخدام الجيش التركي هذه القاعدة، كنقطة ارتكاز رئيسية تتيح لها السيطرة على محيط دمشق وريفها من جهة الشمال، وفي نفس الوقت توفر لها إطلالة فعالة على محافظات الشمال السوري الذي ترغب تركيا، أو بحسب اتفاقها مع الولايات المتحدة أن تقوم فيه بإخلاء و"تنظيف" هذا المحور، من الميليشيات والكيانات المسلحة القديمة التي ظلت تحظى بالرعاية التركية، واستبدالها بوجود عسكري صريح ومنظم يتبع لقيادة الجيش التركي.

هذا النموذج التركي يأتى على شاكلة "قاعدة الواطية" العسكرية في ليبيا، وكان هناك ترتيب تركي أن تتولى هذه القاعدة عمليا تأسيس الجيش السوري المستقبلى للدولة الجديدة. ربما إلى هذا الحد يمكن توقع أن هناك سماحا أمريكيا بهذه الترتيبات التركية، لكن يبدو أن إسرائيل قد توصلت إلى معلومات استخباراتية تفيد؛ بأن النموذج التركي يخطط لنشر منظومات دفاع جوي وأسراب طائرات مسيرة داخل هذه القاعدة، هذا، اعتبرته إسرائيل تجاوزا لاتفاقات كانت أقرب لصياغة توازن دقيق، بين الوجود التركي في الشمال والوسط من سوريا وآخر إسرائيلي يستخدم الجزء الجنوبي والجنوبي الشرقي، على ألا يختل هذا التوازن بميزة لأحد الطرفين مما يهدد أو يعيق تحركات الطرف الآخر.

وهذا يفسر الجزء الذي جاء بتعليق الوزير كاتس وأشار فيه إلى "اتفاق بين دمشق وأنقرة، يمنح تركيا نفوذا وقواعد عسكرية في سوريا قد يحد من عمليات إسرائيل، وحركتها في الأجواء السورية". ويفسر أيضا أن الهجمات الجوية الإسرائيلية جاء مصاحبا لها هجوم مفاجئ آخر تمدد بريا تجاه محافظة "درعا"، في مناطق تدخلها القوات الإسرائيلية للمرة الأولى. التحرك البري الإسرائيلي تجاه درعا، لا يقل خطورة عن الغارات الجوية التي استهدفت دمشق وحماة، فهو للمرة الأولى يدفع بوحدات من الجيش الإسرائيلي للتوغل في مناطق جديدة يستهدف ضمها إلى المساحات التي جرى السيطرة عليها خلال الأشهر الماضية.

القوة الإسرائيلية توغلت بريف درعا الغربي قبل الانسحاب منه إلى مواقع استحدثتها داخل سوريا، كما صاحبها تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع في سماء القنيطرة وريف درعا الغربي، هذا يعكس بوضوح أن عمليات "قضم الأراضي" من جانب إسرائيل تسير بشكل متسارع. ويبعث في الوقت ذاته للجانب التركي، أن عملياته في الجنوب السوري لم تكتمل، بعد وأن لديه مخططات قد يزعجها أو يشوش عليها على الأقل مثل تلك الخطوات التركية، التي ليست بالبعيدة عن هذا المحيط الجغرافي.

اختبار صعب ومركب؛ يتعرض له النظام السوري الجديد، وأعقد من أن يفكك مكوناته منفردا، لهذا يظل الرهان على الشريك الثالث الكبير لهذا المشروع ـ الولايات المتحدة ـ أن تتدخل، لضبط إيقاع التوازنات المعرضة للاختلال في أي لحظة.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن