يرى الكثير من الخبراء أنّ "مدينة الخيام" التي اعتمدت دولة الكِيان نحو 15 مليار شيكل ـ ما يوازي 5 مليارات دولار ـ من أجل إنشائها، تُعدّ واحدةً من أبرز تجلّيات ظاهرة "تفخيخ اللاجئين"، التي تستخدم فيها موجات النزوح كسلاحٍ غير تقليديّ لاختراق المجتمعات، وتفكيك بنيتها الأمنية والاجتماعية، إلى جانب إرباك الدول من الداخل، عبر زرع عناصر استخباراتية داخل تلك الموجات، على نحو ما جرى في إيران، قبيل الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وهو ما لا يجعل من تلك القضية مجرّد ظاهرة طارئة، بقدر ما هي أداة مُمنهجة من أدوات الصراع الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط.
قبل أسابيع، وبالتزامن مع بدء الحديث في أوساط إعلامية إسرائيلية، حول اعتماد حكومة نتنياهو لنحو 15 مليار شيكل، لإنشاء "مدينة الخيام" الجديدة، على أنقاض مدينة رفح، والتي تستهدف نقل نحو 600 ألف فلسطيني إليها في مرحلةٍ أولى، بعد خضوعهم لفحصٍ أمنيّ صارم، أطلق اللواء محمد رشاد، وكيل جهاز المخابرات المصرية الأسبق والخبير في مكافحة الصهيونية، صرخة تحذيرٍ قويةٍ داعيًا السلطات المصرية إلى التعامل مع هذا الملف "بوعي استراتيجيّ شامل"، ومُحذرًا من تصريحاتٍ سابقةٍ كان قد أطلقها وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، قال خلالها إنّ هؤلاء الغزّيين الذين سوف ينقلون إلى المدينة "لن يُسمح لهم لاحقًا بمغادرتها". وهو ما أصبح يعني بوضوح أنّ مخطّط التهجير القسري بات أمرًا واقعًا يجري العمل به على قدمٍ وساق، ما بات يفرض على دولتَي الجوار مصر والأردن، التعامل بالوعي المطلوب لمواجهة هذا المخطط، استنادًا إلى تجارب دولية سابقة في التعامل مع مثل تلك التهديدات الخفيّة.
ويقول اللواء رشاد: "علّمتنا التجارب السابقة في العديد من بلدان العالم، كيف يمكن استخدام موجات اللجوء كغطاءٍ لإدخال عناصر مخابراتية أو إرهابية أو متطرّفة داخل المجتمعات، في ظلّ اختراقات استخباراتية عالميّة، كان أبرزها اختراق الموساد للداخل الإيراني، وهو ما يعكس خطورة ما يمكن أن تُواجهه الدول عبر شبكات اللاجئين غير المنضبطين، خصوصًا وقد أدّى تفكّك الدولة في السودان وليبيا، ومن بعدهما قطاع غزّة، إلى خلق فراغاتٍ أمنيةٍ، وموجات نزوحٍ ضخمةٍ باتجاه دول الجوار، وعلى رأسها مصر".
لا يخفي الكثير من المراقبين في مصر مخاوفهم من توظيف بعض القوى الإقليمية لملف اللاجئين، كورقة ضغطٍ سياسيّ ضدّ القاهرة، خصوصًا إذا ما جرى هذا التوظيف في ملفاتٍ استراتيجية، مثل ملف "سدّ النهضة" أو التطبيع. والأمر ينصرف أيضًا، حسبما يرى الدكتور مختار غباشي، الخبير الاستراتيجي ونائب رئيس "المركز العربي للدراسات السياسية"، إلى ما يجري في غزّة حاليًا، ما يشير بوضوح إلى أنّ إسرائيل تتحرّك وفق خطةٍ مدروسةٍ، تقوم على التهجير القسري للفلسطينيين، وتطرح بدائل تندرج تحت هذا الهدف، بالتوازي مع سعيها لتهويد المسجد الأقصى ومحيطه، واقتطاع مساحات كبيرة من الضفّة الغربية، إلى جانب إنشاء تلك المدينة، ما بين محورَي "فيلادلفيا" و"موراج" جنوب القطاع، بالقرب من الحدود المصرية، وهو أمر من شأنه أن يخلق أزمةً عنيفةً مع مصر.
تبدو مصر في مواجهة ارتفاع وتيرة مخطّط التهجير القسري للفلسطينيين من سكان قطاع غزّة، أمام سيناريواتٍ عدّة، ربّما كان من أخطرها حسبما يرى الدكتور عمر أحمد علي، أستاذ الجغرافيا ونظم المعلومات في كلية الآداب في جامعة حلوان، سيناريو الانفلات الحدودي أو الاختراق القسري الذي يمكن أن يتمّ بمحاذاة الحدود المصرية، والذي يقوم على حدوث تدافع جماهيري بفعل القصف/المجاعة نحو الأسلاك، أو محاولة استغلال الفوضى لفرض أمرٍ واقعٍ عبر معبرٍ غير نظاميّ، بعد تزايد الحشود قرب الشريط الحدودي، وانهيار الخدمات المُتعمّد فيما سوف تُطلِق عليه إسرائيل "المنطقة الآمنة"، بالتزامن مع تصاعد حملات رقمية تلمّح إلى حتمية "النجاة خارج غزّة".
ويقول عمر إنّ السيناريو المتوقّع لمواجهة ذلك، لا بدّ أن يتمّ عن طريق ضبط الحدود بالقوة غير القاتلة، عبر إنشاء ممرّات إغاثية داخل القطاع، بالتوازي مع تعبئةٍ قانونيةٍ وإعلاميةٍ دولية، تُظهر أنّ سدّ سيناء هو جزء من حماية القانون الدولي لا نقيضه، عبر عمليات توثيقٍ منهجيّ لاستخدام المُسيّرات الهجومية والروبوتات في الإخلاء القسري وهدم ما تبقّى من منازل القطاع المنكوب، ورفد ملفات الولاية القضائية الدولية بالأدلة الرقمية للانتهاكات الإسرائيلية كافّة، وربط أي ترتيبات للتهدئة في غزّة، بوقف هذا المخطط الجهنمي وغيره من خطط الضمّ الزاحف التي تُنهي تواصل الضفّة، واعتبار ذلك شرطًا بنيويًا لأي مسارٍ سياسيّ لاحقٍ، على خلفية "حلّ الدولتَيْن".
يبدو إصرار نتنياهو على بناء ما يُسمّى "المدينة الإنسانية" جنوب قطاع غزّة، أقرب ما يكون إلى تأطيرٍ إيديولوجيّ يستهدف من خلاله رئيس الوزراء الإسرائيلي، منح شرعيةٍ رمزيةٍ لمشروعه التوسّعي الذي يعجز الواقع السياسي والعسكري والاقتصادي الإسرائيلي عن تحمّل تبعاته.
ويقول الدكتور عمر إنّ الردّ الأجدى عربيًا ومصريًا على وجه الخصوص يجب أن يستند إلى ردعٍ مُرَكَّب، يجمع القانوني والاقتصادي والأمني والإعلامي، مع تحصين الحدود وترسيخ سرديّة الشرعية الدولية، وثوابت الأمن القومي المصري، التي تنظر إلى سيناء وقناة السويس والحدود الشرقية، باعتبارها خطوطًا حمراء قاطعة، لا تقبل التفريط أو المساومة، أو مجرّد التفكير في الاقتراب من خطّ الحدود المصري.
(خاص "عروبة 22")