اقتصاد ومال

نحو اقتصاد رقمي عربي موحّد (2/2)من الفجوة إلى الفرصة!

في ظلّ التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي يشهدها العالم العربي، يبرز الاقتصاد الرّقمي كأحد أبرز القوى المحرّكة لمستقبل المنطقة. مع تزايد اعتماد الأفراد والشركات على الحلول الرّقمية في التجارة، والخدمات المالية، والتعليم، والصحة، والترفيه، دخلت دول عربية مرحلةً جديدةً من النموّ الاقتصادي المستنِد إلى التكنولوجيا والابتكار. هذه المرحلة تدفعها استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية، وسياسات حكومية طموحة، وطاقات شبابية تمتلك مهارات تكنولوجية عالية. إلّا أنّ هذا المشهد الواعد يخفي في طيّاته تحدّيات هيكليّة، على رأسها الفجوة الرقمية المتّسعة بين الدول التي تمتلك أُسُسًا متينةً للبنية التحتية، وتلك التي لا تزال تعاني ضعفًا في الخدمات الأساسية، ما يهدّد بخلق فجوة اقتصادية واجتماعية جديدة داخل المنطقة نفسها.

نحو اقتصاد رقمي عربي موحّد (2/2)
من الفجوة إلى الفرصة!

إذا كانت الطفرة الرقمية التي تشهدها بعض الدول العربية تعكس إمكانيات اقتصادات المنطقة، فالفجوة بين الدول ذات البنية التحتيّة المتطوّرة وتلك التي تفتقر إليها، تُمثّل التحدّي الأكبر أمام بناء اقتصادٍ رقميّ عربيّ مُتكامل. ولتحويل هذه الفجوة إلى فرصة، لا بدّ من تبنّي خريطة طريق شاملة ترتكز إلى ثلاثة محاور: تطوير البنية التحتيّة الرقمية، وإصلاح الإطار التشريعي، وتعزيز التعاون الإقليمي.

الاقتصاد الرقمي بحاجة إلى بيئة قانونية وتنظيمية تواكب سرعته

لا يمكن لأي اقتصاد رقمي أن يزدهر من دون أسُسٍ تقنيةٍ متينة. تُشير تقديرات "الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول" (GSMA) إلى أنّ حركة البيانات في المنطقة ستتضاعف ثلاث مرات خلال السنوات الخمس المقبلة، ما يستدعي استثماراتٍ ضخمةً في شبكات الجيل الخامس (5G) والجيل الخامس المتقدّم (5G Advanced)، إضافةً إلى توسيع شبكات الألياف الضوئية.

في التجربة السنغافورية، مثلًا، تمكّنت الدولة من ضمان وصول الإنترنت الفائق السرعة إلى 100 في المئة من السكان بحلول عام 2018، ما ساهم في جذب شركاتٍ تكنولوجيةٍ عالميةٍ وتحويل البلاد إلى مركزٍ إقليميّ للابتكار. وبالمثل، يمكن للدول العربية المتأخّرة في هذا المجال أن تتبنّى شراكات بين القطاعَيْن العام والخاص لتمويل البنية التحتية، كما فعلت مملكة البحرين في سياستها "السحابة أولًا"، والتي جعلت استضافة البيانات والخدمات السحابية خيارًا استراتيجيًا منذ عام 2017.

والاقتصاد الرقمي بحاجةٍ إلى بيئةٍ قانونيةٍ وتنظيميةٍ تواكب سرعته. وهذا يشمل سَنَّ قوانين لحماية البيانات، وتشجيع الاستثمار في التكنولوجيات الناشئة، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات الرقمية. ففي كوريا الجنوبية، ساعدت الإصلاحات التشريعية التي شملت إنشاء "منطقة تنظيمية خاصة للتكنولوجيا" في تسريع اختبار وتطبيق ابتكارات في الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، من دون قيود بيروقراطية تقليدية.

لا يمكن لدولة عربية بمفردها أن تُحقّق الاستفادة الكاملة من الثورة الرقمية في ظلّ محدوديّة حجم أسواقها

في العالم العربي، خطت دولة الإمارات العربية المتحدة خطواتٍ مهمةً بإطلاق استراتيجيّات وطنية للذكاء الاصطناعي وإنشاء مجالس مُتخصّصة، لكنّ بقية الدول بحاجةٍ إلى تسريع هذا المسار. مثلًا، يمكن لتوحيد التشريعات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية على المستوى العربي، أن يخلق سوقًا رقميةً موحّدةً شبيهةً بالسوق الأوروبية الموحّدة، ما يُسهّل حركة السلع والخدمات الرقمية بين الدول.

كذلك، لا يمكن لدولةٍ عربيةٍ بمفردها أن تُحقّق الاستفادة الكاملة من الثورة الرقمية، في ظلّ محدوديّة حجم أسواقها مقارنةً بالأسواق الكبرى. لذلك، فإنّ التعاون الإقليمي هو السبيل لتعزيز العوائد، سواء عبر ربط مراكز البيانات، أو توحيد معايير الأمن السيبراني، أو تطوير منصّات مشتركة للتعليم والعمل عن بُعْد.

يقدّم الاتحاد الأوروبي نموذجًا واضحًا في هذا الصدد، إذ سمحت سياسته الموحّدة في مجال حماية البيانات ("النظام الأوروبي العام لحماية البيانات" أو General Data Protection Regulation) بخلق بيئةٍ تنافسيةٍ مُتكاملة. ويمكن للعالم العربي، من خلال جامعة الدول العربية أو بقيادة مجلس التعاون الخليجي، إطلاق "استراتيجيةٍ عربيةٍ للتحوّل الرقميّ" تُحدّد أهدافًا مشتركةً حتّى عام 2030، تشمل نسب انتشار الإنترنت، وعدد الشركات الناشئة المُموّلة، وحجم الاستثمارات في البنية التحتية.

الاقتصاد الرقمي العربي بحاجة إلى منظومة متكاملة لرعاية الابتكار

وليست الفجوة الرقمية مجرّد فجوة في الأجهزة والشبكات، بل هي أيضًا فجوة في الكفاءات. وتُشير أرقام الموقع المُتخصّص "داتا ريبورتال" (Datareportal) إلى أنّ نسبة انتشار الهواتف المحمولة في المملكة العربية السعودية تجاوزت 134 في المئة من عدد السكان (أي أكثر من هاتف للفرد) عام 2024، بينما تظلّ نسب المهارات الرقمية المتقدّمة أقلّ بكثير من مثيلاتها في الاقتصادات الرائدة.

يمكن الاستفادة من نماذج مثل برنامج "مهارات من غوغل" (Google Skillshop) أو برنامج "كورسيرا للحكومة" (Coursera for Government) وهي نماذج مُخصَّصة لتأهيل الشباب في مجالات البرمجة وتحليل البيانات والتسويق الرقمي. على المستوى العربي، يمكن إنشاء منصّة تدريبية موحّدة بدعمٍ حكومي وخاص، تُوفّر برامج مجانية أو منخفضة التكلفة في المهارات الرقمية الأساسية والمتقدّمة، مع ربطها بفرص العمل الإقليمية.

سدّ الفجوة الرقمية في العالم العربي مشروع تنموي شامل لبناء اقتصاد رقمي عربي موحّد قادر على المنافسة

لا شكّ في أنّ الاقتصاد الرقمي العربي بحاجةٍ إلى منظومةٍ متكاملةٍ لرعاية الابتكار، تبدأ من التمويل المُبكّر للشركات الناشئة، مرورًا بحاضنات الأعمال، وصولًا إلى فرص الإدراج في البورصات. وتُشير بيانات إلى أنّ هناك أكثر من 25 شركة عربية رقمية جاهزة للطرح العام، لكنّ رأس المال الاستثماري (Venture Capital) في المنطقة لا يزال يقلّ عن واحدٍ في المئة من النّاتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بثلاثة في المئة في الولايات المتحدة. ومن شأن إطلاق صناديق استثمار إقليمية مشتركة، وربطها ببرامج تحفيزية للشركات الناشئة في القطاعات ذات الأولوية (كالذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والتجارة الإلكترونية)، أن يعزّز فرص نجاحها ويخلق شركاتٍ عربيةً قادرةً على المنافسة عالميّا.

ليس سدّ الفجوة الرقمية في العالم العربي مهمّة تقنية فحسب، بل مشروع تنموي شامل يمسّ الاقتصاد، والتعليم، والوظائف، والمساواة الاجتماعية. والاستثمار في البنية التحتية، وتحديث القوانين، وتوحيد الجهود الإقليمية، كلّها خطوات لا غنى عنها لتحويل الفجوة الحالية إلى فرصة، وبناء اقتصاد رقمي عربي موحّد قادر على المنافسة في الساحة العالمية.


لقراءة الجزء الأول

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن