يُـمَثِّلُ اسْتِهْلاكُ اللُّحومِ مُؤَشِّرًا مُهِمًّا إلى دَرَجَةِ الرَّفاهِ الغِذائِيَّةِ وَقُدْرَةِ الدُّوَلِ على تَحْقيقِ الأَمْنِ الغِذائيِّ وَتَأْمينِ المَصادِرِ البْروتينِيَّةِ لِلسُّكّان. وَيَخْتَلِفُ نَصيبُ الفَرْدِ مِنَ اللُّحومِ بَيْنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ اخْتِلافًا كَبيرًا نَتيجَةَ التَّبايُنِ في القُوَّةِ الشِّرائِيَّةِ والإِنْتاجِ المَحَلّيِّ والقُدْرَةِ على الاسْتيرادِ وَالعاداتِ الغِذائِيَّة.
وَفي هَذا الصَّدَدِ، تُشيرُ الإِحْصاءاتُ إلى أَنَّ مُتَوَسِّطَ اسْتِهْلاكِ الفَرْدِ مِنَ اللُّحومِ يَتَراوَحُ ما بَيْنَ 54 وَ67 كِلْغ سَنَوِيًّا في بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الثَّرِيَّةِ مِثْلَ الكُوَيْتِ والإِماراتِ والسَّعودِيَّةِ بِما يَتَجاوَزُ مُتَوَسِّطَ الاسْتِهْلاكِ الإِقْليميِّ الذي يَصِلُ لِنَحْوِ 25 كِلْغ لِلْفَرْدِ سَنَوِيًّا، وَكَذَلِكَ يَتَفَوَّقُ على مُتَوَسِّطِ الاسْتِهْلاكِ العالَميِّ الذي يَصِلُ إلى 29 كِلْغ لِلْفَرْدِ نَتِيجَةً لارْتِفاعِ مُسْتَوى الدَّخْلِ وَقُدْرَةِ هَذِهِ الدُّوَلِ على دَعْمِ الوارِداتِ مِنَ اللُّحوم.
في المُقابِلِ، تُوجَدُ دُوَلٌ عَرَبِيَّةٌ يَقِلُّ نَصيبُ الفَرْدِ فيها مِنَ اللُّحومِ عَنْ مُتَوَسِّطِ المِنْطَقَةِ نَتِيجَةَ انْخِفاضِ القُدْرَةِ الشِّرائِيَّةِ وارْتِفاعِ الأَسْعارِ وَنَقْصِ الإِنْتاجِ المَحَليّ. وَيُقَدَّرُ حَجْمُ الثَّرْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ في العالَمٍ العَرَبيّ بِحَوالَيْ 95 مِلْيونَ رَأْسٍ مِنَ الأَغْنامِ وَ62 مِلْيونًا مِنَ الماعِزِ وَ41 مِلْيونًا مِنَ الأَبْقارِ وَ10 مَلايينَ مِنَ الجِمال.
للتَّوسّع في زراعة المحاصيل العلفيّة المقاومة للجفاف وندرة المياه والاهتمام بمشاريع تدوير المُخلّفات الزراعية
وَيُعَدُّ السّودانُ أَكْبَرَ دَوْلَةٍ عَرَبِيَّةٍ من حَيْثُ عَدَدِ الرُّؤُوسِ، إِذْ يَمْتَلِكُ نَحْوَ 54.3% مِنَ الأَبْقارِ في المِنْطَقَةِ، يَليهِ الصّومالُ بِـ11% ثُمَّ المَغْرِبُ والعِراقُ بِنَحْوِ 8.3% لِكُلٍّ منهُما. كَما يَمْتَلِكُ السّودانُ نَحْوَ 21% مِنَ الأَغْنامِ في العالَمِ العَرَبيِّ يَليهِ العِراقُ بِنِسْبَةِ 13%.
وَيُمْكِنُ تَلْخيصُ الأَسْبابِ الرَّئيسِيَّةِ لِأَزْمَةِ الثَّرْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ العَرَبِيَّةِ في نِقاطٍ عِدَّةٍ أَبْرَزُها إِشْكالِيّاتُ سِياساتِ تَنْمِيَةِ الثَّرْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ مَعَ مَحْدودِيَّةِ المَوارِدِ الطَّبيعِيَّةِ مِثْلَ المِياهِ والمَراعي الطَّبيعِيَّةِ في العَديدِ من دُوَلِ المِنْطَقَةِ التي تَتَّسِمُ أَغْلَبُها بِالطَّبيعَةِ الصَّحْراوِيَّةِ، وَيُؤَدّي ذَلِكَ لِزِيادَةِ الاعْتِمادِ على الأَعْلافِ المُسْتَوْرَدَةِ في ظِلِّ ارْتِفاعِ أَسْعارِها عالَمِيًّا مِمّا يَتَسَبَّبُ في ارْتِفاعِ تَكْلِفَةِ الإِنْتاجِ وانْخِفاضِ القُدْرَةِ التَّنافُسِيَّةِ لِلْإِنْتاجِ المَحَليّ.
وَمن أَهَمِّ الحُلولِ لِلتَّغَلُّبِ على النَّقْصِ في الأَعْلافِ هُوَ التَّوَسُّعُ في زِراعَةِ المَحاصيلِ العَلَفِيَّةِ المُقاوِمَةِ لِلْجَفافِ وَنُدْرَةِ المِياهِ مِثْلَ السّورْغُمِ والذُّرَةِ الرَّيانَةِ واللّوبِيا والدُّخْنِ مَعَ اسْتِغْلالِ المَراعي الواسِعَةِ في السّودانِ والصّومالِ وَموريتانِيا في زِراعَةِ الأَعْلافِ من خِلالِ مَشْروعاتٍ إِقْليمِيَّةٍ ضَخْمَةٍ تُساهِمُ فيها الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ التي يَصْعُبُ زِراعَةُ هَذِهِ المَحاصيلِ فيها.
وَيَجِبُ أَيْضًا الِاهْتِمامُ بِمَشاريعِ تَدْويرِ المُخَلَّفاتِ الزِّراعِية لِإِنْتاجِ الأَعْلافِ غَيْرِ التَّقْليدِيَّةِ التي تَتَمَيَّزُ بِقيمَةٍ غِذائِيَّةٍ عالِيَةٍ وانْخِفاضِ أَسْعارِها وَذَلِكَ اعْتِمادًا على التِّكْنولوجِيّاتِ الحَدِيثَة.
كَما أَنَّ أَحَدَ الخَياراتِ الحَديثَةِ والفَعّالَةِ لِزِيادَةِ إِنْتاجِيَّةِ الأَعْلافِ هُوَ الزِّراعَةُ المائِيَّةُ لِلْأَعْلافِ عَبْرَ اسْتِنْباتِها في أَحْواضٍ مائِيَّةٍ مِثْلَ مَزارِعِ الأَسْماكِ والتي تَسْمَحُ بِإِنْتاجِ أَعْلافٍ خَضْراءَ بِكَمِّياتٍ كَبيرَةٍ وَجَوْدَةٍ عالِيَةٍ مَعَ اسْتِهْلاكٍ مُنْخَفِضٍ لِلْمِياه.
وَيَجِبُ أَيْضًا الِاهْتِمامُ بِأَنْظِمَةِ التَّغْذِيَةِ الآلِيَّةِ التي تَمْزِجُ العَلَفَ تِلْقائِيًّا وِفْقًا لِاحْتِياجاتِ الحَيَوانِ مِمّا يُقَلِّلُ مِنَ الهَدْرِ وَيَرْفَعُ كَفاءَةَ التَّغْذِيَة.
لتطوير الخدمات البيطرية وإنشاء مختبرات متقدمة لمكافحة الأمراض واتباع أنظمة ذكية تُوفّر معلومات لحظية عن الحيوان
وَمِنَ الأَسْبابِ الجَوْهَرِيَّةِ لِانْخِفاضِ إِنْتاجِ اللُّحومِ والأَلْبانِ هُوَ ضَعْفُ سُلالاتِ الحَيَواناتِ المَحَلِّيَّةِ، فَعلى الرَّغْمِ من أَنَّها مُتَأَقْلِمَةٌ مَعَ ظُروفِ البيئَةِ في المِنْطَقَةِ إِلّا أَنَّ العَديدَ مِنْها تُعانِي من انْخِفاضِ مُعَدَّلاتِ التَّحَوُّلِ الغِذائيِّ (أَيْ ضَعْفُ نِسْبَةِ الغِذاءِ الذي يَتَلَقّاهُ الحَيَوانُ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلى لُحومٍ وأَلْبانٍ) مُقارَنَةً بِالسُّلالاتِ العالَمِيَّةِ، حَيْثُ تَصِلُ إِنْتاجِيَّةُ السُّلالاتِ الأَجْنَبِيَّةِ في تَسْمِينِ البَتْلو (الماشِيَةِ صَغِيرَةِ السِّنِّ) إلى ضِعْفِ مُعَدَّلِ السُّلالاتِ المَحَلِّيَّةِ، حَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ تَصِلَ الأَوْزانُ في السُّلالاتِ الأَجْنَبِيَّةِ إلى 400 كِلْغ في سِتَّةِ أَشْهُرٍ، بَيْنَما تَحْتاجُ السُّلالاتُ المَحَلِّيَّةُ إلى عامٍ لِلْوُصولِ إلى الوَزْنِ ذاتِه. وَمن هُنا يَجِبُ التَّوَجُّهُ نَحْوَ تَهْجينِ السُّلالاتِ المَحَلِّيَّةِ مَعَ سُلالاتٍ عالَمِيَّةٍ عالِيَةِ الإِنْتاجِ لِزِيادَةِ إِنْتاجِيَّتِها مِنَ اللُّحومِ والأَلْبانِ مَعَ الحِفاظِ على مُمَيِّزاتِ هَذِهِ السُّلالاتِ الأَصيلَةِ المُناسِبَةِ لِلظُّروفِ البيئِيَّةِ العَرَبِيَّةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ عَبْرَ إِنْشاءِ بُنوكٍ جينِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ لِتِلْكَ السُّلالات.
كَما تُمَثِّلُ الأَمْراضُ الحَيَوانِيَّةُ واحِدَةً من أَكْبَرِ التَّحَدِّياتِ التي تُواجِهُ الثَّرْوَةَ الحَيَوانِيَّةَ العَرَبِيَّةَ، الأَمْرُ الذي يَسْتَلْزِمُ تَطْويرَ الخَدَماتِ البَيْطَرِيَّةِ لِمُكافَحَةِ الأَمْراضِ وَذَلِكَ عَبْرَ تَوْفيرِ أَدْوِيَةٍ وَلِقاحاتٍ تَتَناسَبُ مَعَ طَبيعَةِ الأَوْبِئَةِ المَحَلِّيَّةِ مَعَ إِنْشاءِ مُخْتَبَراتٍ مُتَقَدِّمَةٍ لِمُكَافَحَتِها تَعْتَمِدُ على نُظُمِ تَتَبُّعٍ حديثةٍ لِلتَّشْخيصِ المُبَكِّرِ لِلْأَمْراضِ وَتَدْريبِ الأَطِبّاءِ البَيْطَريِّينَ والباحِثينَ وَمُقَدِّمي الخَدَماتِ البَيْطَرِيَّة.
وَهُناكَ أَيْضًا ضَعْفٌ في التِّقْنِيّاتِ الحَديثَةِ لِإِدارَةِ مَزارِعِ الإِنْتاجِ الحَيَوانيِّ في المِنْطَقَةِ حَيْثُ يَعْتَمِدُ المُنْتِجونَ على الطُّرُقِ التَّقْليدِيَّةِ في التَّرْبِيَةِ والتَّغْذِيَةِ، وَهَذا يَحْتاجُ إلى طَفْرَةٍ لِتَحْديثِ تِلْكَ الطُّرُقِ من خِلالِ اتِّباعِ الأَنْظِمَةِ الذَّكِيَّةِ التي تُوَفِّرُ مَعْلوماتٍ لَحْظِيَّةً عَنْ مُعَدَّلِ نُمُوِّ الحَيَوانِ وَتَغْذِيَتِهِ واسْتِهْلاكِهِ لِلْمِياهِ، وَمُسْتَوَياتِ نَشاطِهِ مِمّا يُسَهِّلُ لِلْمُرَبّينَ اتِّخَاذَ قَراراتٍ دَقيقَةٍ وَسَريعَةٍ لِتَحْسينِ الإِنْتاجِ عَبْرَ اسْتِخْدامِ شَرائِحَ إِلِكْتْرونِيَّةٍ لِتَتَبُّعِ الحَيَوانِ وَتَسْجيلِ بَياناتِهِ الغِذائِيَّةِ والصِّحِيَّةِ وَرَصْدِ إِنْتاجِيَّتِهِ، الأَمْرُ الذي يُساعِدُ في فَهْمِ أَنْماطِ الأَمْراضِ وَتَوَقُّعاتِ الإِنْتاجِ وَتَحْديدِ أَفْضَلِ مُمارَساتِ التَّغْذِيَةِ والرِّعايَةِ وَتَحْسينِ السُّلالاتِ والتَّهْجينِ الوِراثيّ.
لإنشاء سوق مُوَحَّدة للثروة الحيوانية من خلال إزالة العوائق الجمركية ووضع مواصفات مُوَحَّدة للحوم والألبان ومشتقاتها
وَلِتَطْبيقِ هَذِهِ الحُلولِ، يَجِبُ تَذْليلُ العَديدِ مِنَ العَقَباتِ، أَبْرَزُها ضَعْفُ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ الرَّقْمِيَّةِ وَنَقْصُ الكَوادِرِ المُدَرَّبَةِ وَمَحْدودِيَّةُ الدَّعْمِ الحُكوميّ.
وَمن هُنا يَأْتي أَهَمِّيَّةُ التَّكامُلِ العَرَبيِّ لِأَنَّهُ يُوَفِّرُ إِطارًا واسِعًا لِلتَّعاوُنِ بَيْنَ دُوَلِ المِنْطَقَةِ التي تَتَبايَنُ من حَيْثُ المَوارِدِ الطَّبيعِيَّةِ والإِمْكاناتِ الزِّراعِيَّةِ والخِبْراتِ الفَنِّيَّةِ، فَهُناكَ دُوَلٌ غَنِيَّةٌ بِالمَراعي الطَّبِيعِيَّةِ مِثْلَ السّودانِ والصّومالِ وَأُخْرى تَمْتَلِكُ قُدْراتٍ مالِيَّةً واسْتِثْمارِيَّةً كَبِيرَةً مِثْلَ دُوَلِ الخَليجِ، بَيْنَما هُناكَ دُوَلٌ لَدَيْها خِبْراتٌ عِلْمِيَّةٌ وَتِقْنِيَّةٌ مِثْلَ مِصْرَ، والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ العَناصِرِ يَخْلُقُ مَنْظومَةً قَوِيَّةً قادِرَةً على تَغْطِيَةِ جانِبٍ كَبِيرٍ من احْتِياجاتِ المِنْطَقَةِ مِنَ اللُّحومِ والأَلْبان.
وَمن أَهَمِّ أَدَواتِ التَّكامُلِ العَرَبيِّ إِنْشاءُ سوقٍ مُوَحَّدَةٍ لِلثَّرْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ من خِلالِ إِزالَةِ العَوائِقِ الجُمْرُكِيَّةِ وَوَضْعِ مُواصَفاتٍ مُوَحَّدَةٍ لِلُّحومِ والأَلْبانِ وَمُشْتَقّاتِها مَعَ دَعْمِ القِطاعِ الخاصِّ لِزِيادَةِ الِاسْتِثْماراتِ وَتَعْزيزِ دَوْرِ المُنَظَّماتِ العَرَبِيَّةِ مِثْلَ "المُنَظَّمَةِ العَرَبِيَّةِ لِلتَّنْمِيَةِ الزِّراعِيَّةِ" التابِعَةِ لِلْجامِعَةِ العَرَبِيَّةِ لِقِيادَةِ مَشاريعَ إِقْليمِيَّةٍ في مَجالِ الثَّرْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ تُؤَدّي لِزِيادَةِ الإِنْتاجِيَّةِ مِنَ اللُّحومِ والأَلْبانِ وَتَقْليصِ فاتورَةِ الاسْتيرادِ وُصولًا إلى الاكْتِفاءِ الذّاتيّ.
(خاص "عروبة 22")

