لَقَدْ تَجَلَّى هَذا الواقِعُ الجَديدُ فِي الزِّيارَةِ الأَخيرَةِ لِوَلِيِّ العَهْدِ السَّعودِيِّ إلى واشِنْطُنَ، التي واكَبَتْها زِياراتٌ عِدَّةٌ مِنْ قادَةِ دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ، حَيْثُ لم تَكُنْ زِيارَةً ديبْلوماسِيَّةً تَقْليدِيَّةً، بَلْ إِعْلانًا عَمَلِيًّا عَنْ تَحالُفاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَمُذَكَّراتِ تَّفاهُمٍ، بَعْضُها يَتَجاوَزُ قِيمَتَهُ ثَلاثينَ مِلْيارَ دولارٍ، خاصَّةً فِي قِطاعاتِ الغازِ الطَّبيعيِّ المُسالِ والمَوادِّ المُتَقَدِّمَةِ والطّاقَة. وَما يُمَيِّزُ هَذِهِ الصَّفَقاتِ أَنَّها لم تَعُدْ مَحْضَ تَبادُلٍ تِجارِيٍّ، بَلِ امْتَدَّتْ لِتَشْمَلَ مَجالاتِ التِّكْنولوجْيا المُتَقَدِّمَةِ مِثْلَ أَشْباهِ الموصِّلاتِ والطّاقَةِ النَّوَوِيَّةِ (لِأَغْراضٍ سِلْمِيَّةٍ) والذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ، في تَحَوُّلٍ واضِحٍ مِنْ صَفَقاتٍ مُنْفَصِلَةٍ إلى بِناءِ نِظامٍ بِيئيٍّ اقْتِصاديٍّ مُتَكامِلٍ، قادِرٍ على وَضْعِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ فِي قَلْبِ سَلاسِلِ القيمَةِ العالَمِيَّة.
وَيَرْتَكِزُ هَذا التَّحَوُّلُ على ثَلاثَةِ مُحَرِّكاتٍ رَئيسِيَّةٍ؛ الأَوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِرَأْسِ المالِ الاسْتْراتيجيِّ، إِذْ تُوَجِّهُ صَناديقُ الثَّرْوَةِ السِّيادِيَّةِ العَرَبِيَّةِ اسْتِثْماراتٍ ضَخْمَةً نَحْوَ قِطاعاتِ التِّكْنولوجْيا والابْتِكارِ داخِلَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ، بِاعْتِبارِها رَكيزَةً لِلْقُوَّةِ الاقْتِصادِيَّةِ طَويلَةِ الأَجَلِ، بَيْنَما تَبْحَثُ الشَّرِكاتُ الأَميرْكيَّةُ عَنْ تَمْويلٍ خَليجيٍّ مُسْتَقِرٍّ، ما يَخْلُقُ دائِرَةً من الاعْتِمادِ المُتَبادَلِ تُؤَسِّسُ لِعَلاقَةٍ أَكْثَرَ تَوازُنًا واسْتِدامَة.
تمتلك الدول العربية مزايا نسبيّة فريدة تسمح لها بالمشاركة في إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية
أَمّا المُحَرِّكُ الثّاني فَهُوَ نَقْلُ التِّكْنولوجْيا والتَّحْديثُ الصِّناعيُّ، حَيْثُ تَسْعى الحُكوماتُ العَرَبِيَّةُ، مِنَ الخَليجِ إلى مِصْرَ والمَغْرِبِ، إلى دَمْجِ نَفْسِها فِي سَلاسِلِ القيمَةِ العالَمِيَّةِ عالِيَةِ الجَوْدَةِ، مُسْتَفيدَةً من خِبْراتِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وإطارِها التَّنْظيميِّ المُتَقَدِّمِ، خُصوصًا فِي مَجالاتِ المَعادِنِ الحَرِجَةِ والهيدْروجينِ الأَخْضَرِ وَتَصْنيعِ أَشْباهِ الموصِلاتِ، ما يَصْنَعُ فُرْصَةً حَقيقيَّةً لِتَطْويرِ القُدُراتِ الصِّناعِيَّةِ والتِّقْنِيَّةِ المَحَلِّيَّة.
المُحَرِّكُ الثَّالِثُ يَرْتَبِطُ بِالمُرُونَةِ الِاسْتْراتِيجِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ، إِذْ تَنْظُرُ واشِنْطُنُ إلى المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ كَشَرِيكٍ يُمْكِنُهُ تَقْلِيلُ المَخَاطِرِ والحَدُّ مِنَ الِاعْتِمادِ على الصِّينِ فِي الصِّناعاتِ الِاسْتْراتِيجِيَّةِ، مُسْتَفِيدَةً مِنَ الثَّرَواتِ المَعْدِنِيَّةِ والقُدُراتِ اللُّوجِيستِيَّةِ والتَّمْوِيلِيَّةِ وَمَشْرُوعاتِ الهِيدْرُوجِينِ الأَخْضَرِ فِي الخَلِيجِ، فِي تَناغُمٍ غَيْرِ مَسْبُوقٍ بَيْنَ مَصالِحِ الطَّرَفَيْنِ؛ إِذْ تَبْحَثُ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ عَنْ شُرَكاءَ ثِقاتٍ، بَيْنَما تَسْعَى الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ إلى تَرْسِيخِ مَكانَتِها فِي الاقْتِصادِ العالَمي عَبْرَ مَشْرُوعاتٍ مُسْتَقِرَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ طَوِيلَةِ الأَجَلِ.
تَمْتَلِكُ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ مَزايا نِسْبِيَّةً فَريدَةً تَسْمَحُ لَها بِالمُشارَكَةِ فِي إِعادَةِ تَشْكيلِ سَلاسِلِ التَّوْريدِ العالَمِيَّةِ، فَالدُّوَلُ الخَليجِيَّةُ، بِمَوارِدِها الطّاقِيَّةِ الضَّخْمَةِ وَبُنْيَتِها التَّحْتِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، تَسْتَطيعُ أَنْ تُقَدِّمَ مَصْدَرًا لِلطّاقَةِ والمَصادِرِ الحَيَوِيَّةِ لِلْقِطاعاتِ الاسْتْراتيجِيَّةِ، بَيْنَما تَتَمَتَّعُ دُوَلٌ مِثْلُ مِصْرَ والمَغْرِبِ بِقُوَّةٍ عامِلَةٍ كَبيرَةٍ وَتَكاليفِ إِنْتاجٍ تَنافُسِيَّةٍ، وَمَوْقِعٍ جُغْرافيٍّ يَرْبِطُ بَيْنَ آسيا وأوروبَا وأفْريقْيا. اسْتِثْمارُ هَذِهِ المَزايا لا يَقْتَصِرُ على التَّصْديرِ التَّقْليديِّ لِلْمَوارِدِ، بَلْ يَمْتَدُّ إلى تَطْويرِ القُدُراتِ والمَهاراتِ البَشَرِيَّةِ، والصِّناعاتِ التَّحْويلِيَّةِ والقِطاعاتِ التِّكْنولوجْيَةِ، وَرَبْطِها بِسَلاسِلِ القيمَةِ العالَمِيَّةِ، بِما يُعَزِّزُ قُدْرَةَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ على المُشارَكَةِ فِي إِنْتاجٍ عالِي القيمَةِ وَتَحْقيقِ مَوْطِئِ قَدَمٍ حَقيقيٍّ فِي الاقْتِصادِ العالَميِّ، مَعَ الحَدِّ مِنَ الاعْتِمادِ على الأَسْواقِ الخارِجِيَّةِ التَّقْليدِيَّة.
التكامل بين الموارد والإمكانات البشرية يُوفّر للدول العربية قدرة أكبر على وضع استراتيجيات اقتصادية بعيدة المدى
فِي هَذا السِّياقِ، يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ المَشْروعاتُ المُشْتَرَكَةُ فِي مَجالاتٍ مِثْلَ أَشْباهِ الموصِلاتِ والهيدْروجينِ الأَخْضَرِ والمَعادِنِ الحَرِجَةِ إلى أَدَواتٍ فَعّالَةٍ لاسْتِثْمارِ المَزايا النِّسْبِيَّةِ لِكُلِّ دَوْلَةٍ عَرَبِيَّة. فَالدُّوَلُ الغَنِيَّةُ بِالمَوارِدِ الطَّبيعِيَّةِ يُمْكِنُها أَنْ تُؤَمِّنَ الإِمْداداتِ الأَساسِيَّةَ لِلصِّناعاتِ الأَميرْكيَّةِ الحَيَوِيَّةِ، فِي حِينِ تَسْتَطيعُ الدُّوَلُ ذاتُ القُوَى العامِلَةِ والكَفاءاتِ الصِّناعِيَّةِ تَقْديمَ خَدَماتِ التَّصْنيعِ المُتَقَدِّمِ والهَنْدَسَةِ والبَحْثِ والتَّطْوير. هَذا التَّنْسيقُ والتَّكامُلُ بَيْنَ المَوارِدِ والإِمْكاناتِ البَشَرِيَّةِ يُوَفِّرُ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ قُدْرَةً أَكْبَرَ على وَضْعِ اسْتْراتيجيَّاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ بَعيدَةِ المَدَى، تُتيحُ لَها الِاسْتِفادَةَ مِنَ القيمَةِ المُضافَةِ لِلْمَوارِدِ المَحَلِّيَّةِ وَرَفْعِ حِصَّتِها فِي العَوائِدِ الاقْتِصادِيَّةِ العالَمِيَّةِ، مَعَ ضَمانِ خَلْقِ فُرَصِ عَمَلٍ مُسْتَدامَةٍ وَتَعْزيزِ التَّنْمِيَةِ المَحَلِّيَّة.
وَمَعَ كُلِّ تِلْكَ الفُرَصِ، فَإِنَّ الطَّريقَ لَيْسَ خالِيًا مِنَ المَخاطِرِ، إِذْ إِنَّ التَّقَلُّباتِ السِّياسِيَّةَ الأَميرْكيَّةَ تُمَثِّلُ تَهْديدًا دائِمًا، فسِياساتُ النُّكوصِ عَنِ العَوْلَمَةِ والحِمائِيَّةِ التِّجارِيَّةِ التي يَتَبَنّاها الرَّئيسُ دونالْد تْرامْب والتي بَاتَتْ تُشَكِّلُ تَيّارًا واسِعَ الشَّعْبِيَّةِ بَيْنَ الحِزْبَيْنِ، قَدْ تُعَرْقِلُ تَنْفيذَ المَشْروعاتِ، وَتُقَيِّدُ نَقْلَ التِّكْنولوجْيا والخِبْرَةِ الصِّناعِيَّةِ، خاصَّةً إِذا تَحَقَّقَتْ مَصالِحُ الجانِبِ العَرَبيِّ بِصُورَةٍ مُناسِبَةٍ، وَهُوَ ما يَفْرِضُ على الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ تَبَنِّيَ سِياساتٍ تَحْفَظُ مَصالِحَها فِي سِيناريُواتٍ مُتَعَدِّدَة. أَمّا المَخاطِرُ الدّاخِلِيَّةُ، فَتَتَمَثَّلُ فِي احْتِمالِ فَشَلِ تَرْجَمَةِ هَذِهِ الاتِّفاقيّاتِ إلى فَوائِدَ مَلْموسَةٍ لِلْمواطِنِ العَرَبِيِّ مِنْ وَظائِفَ أَوْ تَطْويرِ مَهاراتٍ، ما قَدْ يُثيرُ رُدودَ فِعْلٍ سَلْبِيَّةٍ تُؤَثِّرُ على اسْتِدامَةِ المَشْروعات. وَهُناكَ فَجَواتٌ فِي الحَوْكَمَةِ، إِذْ قَدْ يُعيقُ عَدَمُ تَوافُقِ الأُطُرِ التَّنْظيميةِ العَرَبِيَّةِ مَعَ المُتَطَلِّباتِ الأَمْنِيَّةِ والتِّقْنِيَّةِ الأَميرْكيَّةِ تَنْفيذَ الاتِّفاقاتِ وَمُذَكَّراتِ التَّفاهُمِ، فِي حينِ أَنَّ الاعْتِمادَ المالِيَّ على رَأْسِ المالِ الأَميرْكيِّ والدَّوْراتِ الاقْتِصادِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِالدّولارِ يُضيفُ بُعْدًا آخَرَ مِنَ التَّعْقِيد.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ مُطالَبَةٌ اليَوْمَ بِتَبَنّي اسْتْراتيجياتٍ مُتَكامِلَةٍ تَقومُ على التَّنْويعِ، بِحَيْثُ لا تَعْتَمِدُ على شَريكٍ واحِدٍ فَقَطْ، بَلْ على شَبَكَةٍ مِنَ العَلاقاتِ الاقْتِصادِيَّةِ المُتَعَدِّدَةِ لِتَقْليلِ المَخَاطِرِ المُحْتَمَلَة. كَما يَجِبُ تَعْزيزُ التَّكامُلِ الإِقْليمي عَبْرَ إِنْشاءِ مَمَرّاتٍ صِناعِيَّةٍ تَرْبِطُ الخَليجَ بِمِصْرَ وَلُبْنانَ والأُرْدُنِّ والمَغْرِبِ... وَتَشْجِيعُ الشَّرِكاتِ الصَّغيرَةِ والمُتَوَسِّطَةِ على الانْخِراطِ فِي سَلاسِلِ التَّوْريدِ مُتَعَدِّدَةِ الجِنْسِيّاتِ، ما يُعَزِّزُ القُدْرَةَ على اسْتيعابِ التِّكْنولوجْيا الحَديثَةِ وَتَطْويرِ القُدُراتِ الإِنْتاجِيَّةِ المَحَلِّيَّة. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، يَتَعَيَّنُ بِناءُ مُؤَسَّساتٍ قَوِيَّةٍ وأُطُرِ حَوْكَمَةٍ رَصينَةٍ لِإِدارَةِ الشَّراكاتِ فِي المَجالاتِ الحَسّاسَةِ مِثْلَ الطّاقَةِ النَّوَوِيَّةِ وَأَشْباهِ الموصِلاتِ والذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ، وَرَبْطُ الِاسْتِثْماراتِ بِحَوافِزِ التَّدْريبِ المَحَلّيِّ والبَحْثِ والتَّطْويرِ لِضَمانِ تَحْقيقِ عَوائِدَ اسْتْراتيجيَّةٍ طَويلَةِ الأَمَد. وَمِنَ الضَّروريِّ أَيْضًا صِياغَةُ سَرْدِيَّةٍ اسْتْراتيجيَّةٍ واضِحَةٍ تُظْهِرُ الفائِدَةَ المُتَبادَلَة: لِلْمواطِنِ العَرَبِيِّ وَظَائِفُ وَفُرَصُ تَنْميةٍ حَقيقيَّةٌ، وَلِلطَّرَفِ الأَميرْكيِّ سَلاسِلُ تَوْريدٍ آمِنَةٌ وَفُرَصُ تَصْديرٍ مُرْبِحَةٌ، وَهُوَ ما يُعَزِّزُ الاسْتِقْرارَ السِّياسيَّ والاقْتِصاديَّ وَيُحَوِّلُ التَّعاوُنَ إلى شَراكَةٍ مُسْتَدامَة.
لا يمكن لأحد أن ينجح من دون أن يستثمر في إصلاح المؤسسات المحلية ويُعزّز التنويع الصّناعيّ ويُفعّل التكامل الإقليمي
وَفي المُحَصِّلَةِ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ العَلاقاتِ الاقْتِصادِيَّةَ العَرَبِيَّةَ - الأَميرْكيَّةَ على أَعْتابِ مَرْحَلَةٍ تَاريخيَّةٍ، تَحْمِلُ مَعَها فُرَصًا كَبيرَةً، لَكِنَّها في الوَقْتِ ذاتِهِ مَحْفوفَةٌ بِالتَّحَدّياتِ، وَلا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْجَحَ فِيها مِنْ دونِ أَنْ يَسْتَثْمِرَ فِي إِصْلاحِ المُؤَسَّساتِ المَحَلِّيَّةِ، وَيُعَزِّزَ التَّنْويعَ الصِّناعِيَّ، وَيُفَعِّلَ التَّكامُلَ الإِقْليميَّ، بِحَيْثُ تَتَحَوَّلُ المُبادَراتُ الدّيبْلوماسِيَّةُ إلى شَراكاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ مَتينَةٍ وَمُسْتَدامَةٍ، قادِرَةٍ على الصُّمودِ أَمامَ تَقَلُّباتِ السِّياساتِ الأَميرْكيَّةِ والاضْطِراباتِ العالَمِيَّةِ، وَتَحْقيقِ مَكاسِبَ اسْتْراتيجيَّةٍ طَويلَةِ الأَجَلِ لِلطَّرَفَيْنِ، بِما يَجْعَلُ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّةَ لاعِبًا رَئِيسِيًّا لا يُمْكِنُ تَجاهُلُهُ فِي الاقْتِصادِ العالَميِّ الجَديد.
(خاص "عروبة 22")

