اقتصاد ومال

البُعْدُ الاقتصاديُّ في أزماتِ السّودان! (2/2)

لَجَأَ نظامُ البشيرِ الذي كانَ جيشُهُ وميليشياتُهُ الأصوليَّةُ مُنْهَكينَ من حربِ الجنوبِ الذي كانَ قَدِ انْفَصَلَ لِتَوِّهِ إلى تسليحِ القبائلِ العربيةِ، فيما عُرِفَ بميليشياتِ "الجَنْجَويدِ" التي اتَّهَمتْها "المحكمةُ الجنائيةُ الدوليةُ" في مطلعِ القرنِ الحادِي والعشرينَ بارتكابِ فَظائِعَ، ولكنَّ هذهِ القبائلَ العربيةَ كانَ لَدَيْها بدورِها شُعورُها الخاصُّ بالمظلوميّةِ سواءً ضدَّ القبائلِ الأفريقيةِ الزراعيةِ التي تُنافسُها على المواردِ أوْ ضدَّ نُخَبِ الوسطِ العربيةِ التي تَرَى أنَّها تتعاملُ مع عربِ دارفور كمجرّدِ رعاةٍ يُسْتَخْدَمونَ لأهدافٍ آنيةٍ عسكريةٍ أو أمنيةٍ من دون تنميةٍ تُراعِي طبيعةَ أنشطتِهِم الاقتصاديةِ أو دورٍ سياسيّ يتناسبُ مع وزنِهِم السُكّانِي.

البُعْدُ الاقتصاديُّ في أزماتِ السّودان! (2/2)

ثُمَّ تحوّلتْ ميليشياتُ هذهِ القبائلِ برعايةِ البشيرِ إلى قوةٍ شِبْهِ عسكريةٍ نجحتْ في هزيمةِ تمرّدِ الحركاتِ الدارْفورِيَّةِ ولكنْ من دونِ ضمِّها بشكلٍ فعليّ لأجهزةِ الدولةِ، بلْ سَمَحَ لَها بمنطقِ توزيعِ غنائمِ الحربِ بالسيطرةِ على المواردِ خاصةً الذَّهَبَ، وذلكَ امتدادًا لسياسةٍ سابقةٍ أضْعَفَتْ مؤسّساتِ الدولةِ الاقتصاديةِ الرسميةِ وتَضَمَّنَتْ توزيعَ الأنشطةِ على الكِياناتِ المؤيّدةِ للبشيرِ، بما فيها "الإِسْلامَوِيّون".

أدى تخلّي الدولة عن حقها في احتكار السلاح وسلطة تنظيم الموارد وجباية الضرائب إلى إضافة أبعاد أكبر لأزمات السودان

وكانت النتيجةُ السّماحَ لقوةٍ عسكريةٍ غيرِ نظاميةٍ ومُتجانسةٍ إثنيًّا وَلَدَيَها شعورٌ بالمظلوميّةِ بامتلاكِ المواردِ والسلاحِ والسيطرةِ على الحدودِ مع حاضنةٍ شعبيةٍ وحتَّى قدرٍ من المشروعيّةِ السياسيّةِ نتيجةَ تقنينِ وَضْعِها في السابقِ إضافةً لدورِها في الإِطاحَةِ بالبشير.

وَعَزَّزَ ضَعْفُ سيطرةِ الحكومةِ على المواردِ مع تحمّلِها الأعباءَ الطبيعيةَ لدولابِ الدولةِ والعقوباتِ الدوليّةِ في إعطاءِ ميزةٍ عسكريةٍ لقواتِ "الدعمِ السريعِ" التي باتَ لَدَيْها قدراتٌ عسكريةٌ كبيرةٌ عَبْرَ شراءِ السلاحِ وتجنيدِ المُقاتلينَ من عَرَبِ دارفور وتشاد وهيَ القواتُ التي يُقَدَّرُ عَدَدُها بأكثرَ من مائةِ ألفِ مقاتلٍ وهيَ تخوضُ القتالَ بطريقةٍ تُناسبُ بيئةَ دارفور الشاسعةَ مِمّا يُمَثّلُ مشكلةً لأيِّ جيشٍ محترفٍ فَما بالُكَ الجيشُ السودانيّ الذي يُعانِي من حصارٍ طويلٍ وقلّةِ الموارِد.

إِذَا كانَ غيابُ العدالةِ والإخفاقاتِ السياسيةِ في بناءِ توافقاتٍ سببًا رئيسيًّا لأزماتِ السودانِ، ولكنْ أيضًا، أَدَّى تخلّيّ الدولةِ عن حَقِّها الحصريّ في احتكارِ السلاحِ وسلطةِ تنظيمِ المواردِ وجبايةِ الضرائبِ إلى إضافةِ أبعادٍ أكبرَ لأزماتِ البلادِ التي بَدَأَتْ كَشَكْوَى مِنَ الأطرافِ مِنَ التهميشِ الاقتصاديّ والسياسيّ لتنتهيَ إلى نجاحِ أحدِ مُكَوِّناتِ هذه الأطرافِ في الاستيلاءِ على المواردِ وتحويلِها لعاملِ قوةٍ، إضافةً إلى اسْتِغْلالِهِ لِسَرْدِيّاتِ المَظْلومِيّاتِ التَّارِيخِيَّة.

يمكن أن تكون تنويعات المكوّنات السودانية مُمثلة على المستوى السياسي لا أن تتحوّل إلى فصائل عسكرية مُشرعنة

وَلَيْسَ الحلُّ هو استخدامُ كِياناتٍ أُخْرَى ما دونَ الدولةِ، للتصدِّي لِهَذا الوَضْعِ عَبْرَ الاستعانةِ بفلولِ "الإسلامويّينَ" أو متمرّدِي حركاتِ القبائلِ الأفريقيةِ في دارفور أوْ جنوبِ البلادِ، بَلْ يجبُ أنْ يعملَ الجيشُ السودانيّ باعتبارِهِ المؤسّسةِ الشرعيّةِ الرئيسيّةِ الباقيةِ على تعزيزِ مؤسّساتِ الدولةِ مع إعادةِ بناءِ العقدِ الاجتماعيّ للبلادِ لِتُصْبِحَ فيهِ الدولةُ طرفًا جامعًا لكلِّ المُكَوِّناتِ، مِثْلَما هو الحالُ في الهندِ وباكستانَ البلدَيْنِ المتنوّعَيْنِ إثنيًّا أكثرَ من السودانِ ولكنَّ جيشَيْهِما عابِرانِ للتبايُناتِ الإثنيةِ مع طرحِ نموذجٍ جديدٍ لإعادةِ توزيعِ المواردِ والسلطةِ بشكلٍ يُرْضِي كلَّ الأطرافِ مع التأكيدِ أنَّ الفيدراليةَ واللّامركزيةَ لا تَصِحُّ إلّا باحتكارِ الدولةِ للسلاحِ وسلطةِ جبايةِ المواردِ وضمانِ توزيعِها بشكلٍ عادلٍ يُراعِي حقوقَ كلَِ المكوّناتِ التي يمكنُ أن تكونَ تنويعاتُها مُمَثَّلَةً على المُسْتَوَى السّياسِي ولكنْ لا أنْ تتحوّلَ إلى فصائلَ عسكريةٍ مُشَرْعَنَة.

فالخلافاتُ الإيديولوجيةُ والإثنيةُ وصراعاتُ المصالحِ الاقتصاديةِ مكانُها المجالسُ النيابيةُ وليسَ الثكناتُ العسكريةُ ويمكنُ أن تساهمَ الدولُ العربيةُ ذاتُ المؤسّساتِ الوطنيةِ المُحترفةِ بمساعدةِ السودانِ على تحقيقِ هَذَا الهَدَف.


لقراءة الجزء الأول

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن