تريد اسرائيل أن "تطوّع" المنطقة وتفرض شروطها بينما تتوسع ميدانيًا وتستخدم العنف كسبيل وحيد لإيصال رسائلها. وهذا ما يمكن الاستدلال عليه من خلال عملية بيت جن في جنوب سوريا، فجر الجمعة الماضي، والتي أدت إلى استشهاد ما يُقارب الـ13 شخصًا وجرح 24 أخرين، في حادثة "تخلط الاوراق" وتؤكد أن تل أبيب ماضية في مخططاتها وفرضها بالنار والحديد. وعليه، يبدو أن أمام دمشق خيارين لا ثالث لهما: فإما أن توافق على التنازل عن الأراضي التي احتلتها القوات الاسرائيلية بعد سقوط النظام السابق وبالتالي التوصل لاتفاق أمني أو تفاهمات ما يضع حدًا للمزيد من الانتهاكات والتعديات وإما تصرّ على موقفها السابق والداعي تل ابيب للعودة إلى ما كانت عليه الامور قبل 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 واستمرار الوضع الراهن، وربما تفاقمه، أكثر لفرض المزيد من الضغوط على سوريا.
فمن المعروف أنه منذ اللحظة الأولى لسقوط نظام بشار الأسد قام الجيش الإسرائيلي بتعزيز وجوده في العمق السوري عبر احتلال ما يُقارب الـ450 كيلومترًا مربعًا، إضافة إلى احتلال جميع قمم جبل الشيخ وبناء 10 مواقع عسكرية كبيرة فيها. هذا ناهيك عن الضربات التي تم شنّها على مطارات سوريا وقواعدها العسكرية، ما أدى إلى القضاء على 85% من قدراتها الدفاعية، كما واصل تنفيذ غارات امتدت من دير الزور إلى حمص ومن حلب إلى درعا وتدخلت تل أبيب - ولا تزال - في الشؤون الداخلية، وتحديدًا في الجنوب السوري، بحجة الدفاع عن الأقلية الدرزية مطالبة بممر إسرائيلي من الجولان إلى السويداء، وهو ما رفضته حكومة الرئيس أحمد الشرع التي تصرّ على وحدة البلاد ومنع كل أشكال ومخططات التقسيم. إلا انها تواجه تحديات متفاقمة وظروفًا صعبة على المستويين الداخلي والخارجي مع مرور سنة على بدء عملية "ردع العدوان" والتي أدت في نهاية المطاف إلى خلع عائلة الأسد من الحكم والتي استمرت زهاء 54 عامًا.
وفي تفاصيل عملية بيت جن الأخيرة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتلال تدخل بقوات كبيرة بهدف اعتقال 3 أشخاص بزعم أنهم يشاركون في الإعداد لعمليات ضد إسرائيل. وبعد الاعتقال تعرض الجنود للقصف وتم محاصرة دورية تابعة لهم أثناء التوغل في البلدة، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة مع الأهالي، قبل انسحابهم وإصابة ستة منهم بجروح متفاوتة الخطورة. وهذه الادعاءات عن وجود أشخاص "ارهابية" تنتمي إلى "الجماعة الاسلامية" يرفضها أهالي البلدة الذين يؤكدون أن من تم قتلهم أو اعتقالهم هم من المدنيين لا غير، ولا يُعرف عنهم أي ارتباط تنظيميّ أو أمنيّ، بل إنهم من المدنيين العاملين في الزراعة وتربية المواشي. وبعد هذه الحادثة "الخطيرة" التي فتحت جدلًا كبيرًا داخل تل أبيب، باشرت القوات الإسرائيلية تنفيذ هجمات انتقامية في القنيطرة بحجة أن لديها "بنك أهداف" للرّد على إصابة جنودها في بيت جن.
لكن المتتبع لسيّاق الأحداث، يكتشف أن هذه العملية أتت عقب التصريحات الأخيرة "التبريرية" التي أدلى بها وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، ومفادها أن هناك "قوى داخل حدود سوريا تفكر في غزو بلدات الجولان واستخدامها نقطة انطلاق لتنفيذ هجوم على البلدات الإسرائيلية"، مشيرًا إلى أن من بين هذه القوى عدة تنظيمات إسلامية، كالحوثيين وميليشيات إيرانية وكذلك "داعش" و"حماس" وجماعات إسلامية أخرى، معتبرًا أنها جميعها تشكل تهديدًا "لغزو بري لشمال إسرائيل". أما من جهتها، فقد قالت "هيئة البث الإسرائيلية" إن حركة "الجهاد الإسلامي" تعمل منذ أسابيع على بناء قوة عسكرية كبيرة داخل سوريا، لافتة إلى الحكومة على علم بهذه التحركات وأنها عيّنت مبعوثًا لتسهيل التواصل بين قيادة "الجهاد الإسلامي" والسلطات المحلية. وعليه، فإن هذه التحركات لم تأتِ من فراغ أو وليدة صدفة بل جرى التخطيط لها خصوصًا بعد الجولة التي قام بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع عدد من المسؤولين داخل المنطقة العازلة في سوريا حيث أجرى مناقشات أمنية.
بدورها، أدانت وزارة الخارجية السورية العدوان مؤكدة أنه يشكل "جريمة حرب مكتملة الأركان". وجدّدت دمشق مطالبتها مجلس الأمن والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بـ"التحرك العاجل لوضع حد لاعتداءات وانتهاكات الاحتلال، واتخاذ إجراءات رادعة تضمن احترام سيادتها ووحدة أراضيها والالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة". هذه التطورات، التي تنذر بإمكانية التصعيد، تأتي على وقع الاحتفالات الشعبية الحاشدة التي عمّت المناطق السورية احتفاءً بمرور عام على بدء عملية "ردع العدوان" والتي أفضت إلى إسقاط النظام بعد حرب دامية استمرت 14 عامًا. وقد خرجت العديد من المظاهرات تلبية لدعوة الرئيس أحمد الشرع، الذي اختار مدينة حلب كوجهة له، معلنًا أن كل الجهود الممكنة سيتم بذلها من أجل إعادة بناء سوريا. وقال: "حُررت حلب وإعمارها جزء رصين وضروري في بناء سوريا"، واصفًا إياها بأنها "منارة للاقتصاد ومنارة للعمران ومنارة للبناء والازدهار".
الأوضاع المتوترة في سوريا لا يمكن أن تكون بعيدة عما يجري حولها من معطيات وأهمها التصعيد الاسرائيلي في لبنان والتهديدات بحرب جديدة بغية تدمير قوة "حزب الله" العسكرية بعد اتهامات للحكومة اللبنانية بأنها لم تقم بما هو مطلوب منها في مسألة سحب السلاح. وفي هذا الإطار، أكّد السفير الأميركي الجديد لدى لبنان، ميشال عيسى، في مقابلة مع صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، أنّ على الحكومة اللبنانية تنفيذ ما وصفه بأنه "القرار التاريخي" المتعلّق بنزع سلاح "حزب الله" والتنظيمات المسلحة الأخرى، معتبرًا أن "هذه الخطوة تشكّل المدخل الأساسي لاستعادة الدولة اللبنانية سلطتها الشرعية". كلام عيسى جاء غداة كلمة للأمين العام للحزب نعيم قاسم الذي تحدث فيها عن وجود مخاوف حقيقية من اندلاع حرب جديدة بين "حزب الله" وإسرائيل، ومقراً بوجود عملاء خرقوا الحزب، كما توعد بالرّد على اغتيال اسرائيل لرئيس أركان الحزب هيثم علي طبطبائي "وأن توقيت ذلك سيكون بقرار داخلي".
وكشف قاسم، للمرة الأولى، عن الأدوار القيادية التي لعبها طبطبائي في سوريا واليمن تحديدًا، حيث قضى الفترة بين 2015 و2024 في "التدريب والإعداد وبناء القدرات" لدى الجماعة الحوثية، التي تعتبر هي الأخرى ذراع عسكري لايران في المنطقة. وهذا الاعتراف يوضح بما لا يدعي الشك تدخل "حزب الله" في إدارة المعارك العسكرية بطلب من ايران، وهو الذي قاتل بأوامر منها أيضًا، في سوريا لمنع النظام من التداعي. في مقابل هذه الصورة القاتمة، يستعد لبنان لجرعة معنوية ستمنحه إياها زيارة بابا الفاتيكان بابا لاوون الرابع عشر، الذي يصل البلاد اليوم ومن المتوقع أن تستمر زيارته لغاية 2 كانون الأول/ ديسمبر. وقد اكتملت التحضيرات التي يضعها البعض في إطار زيارة دعم ورسالة أمل وسط ما يمرّ به لبنان من اضطرابات وأحداث ومساعيه الديبلوماسية من اجل خفض التوتر السائد والتعويل على الجهود التي تُبذل على عدة مستويات، وأهمها المبادرة المصرية المطروحة. إلى ذلك، من المتوقع ايضًا أن يصل في الأسبوع الحالي وفد من بعثة الأمم المتحدة التي تضم ممثلين عن الدول الـ 15 الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، للاطلاع على الأوضاع الحالية عن كثب، وذلك ضمن زيارة تشمل أيضًا سوريا.
ومن سوريا ولبنان إلى غزة والضفة الغربية، فالأوضاع عينها تتكرر، تصعيد اسرائيلي وانتهاكات لا تُعد ولا تُحصى وخرق لاتفاق وقف النار. ففي القطاع المنكوب، تتواصل دعوات "حماس" إلى الضغط على تل أبيب لوقف الانتهاكات المستمرة للهدنة الهشة والتي في أخر حصيلتها أدت إلى استشهاد طفلين في استهداف مباشر من قبل قوات الاحتلال التي جددت ضرباتها على مناطق متفرقة من أنحاء غزة. وكانت وزارة الصحة في القطاع غزة أعلنت، أمس، ارتفاع حصيلة ضحايا الإبادة الإسرائيلية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلى "70 ألفًا و100 شهيد، و170 ألفًا و983 مصاباً". في غضون ذلك، أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عن تسجيل نحو 9 آلاف و300 حالة سوء تغذية حاد لدى أطفال دون سن الخامسة، داعية إلى نقل المساعدات الإنسانية "على نحوٍ آمن وسريع ومن دون عوائق".
وبات من المعلوم أن الاحتلال يستخدم الغذاء كسلاح ويمنع دخول المعونات الأساسية ما يفاقم من معاناة السكان، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تقسيم غزة إلى قسمين، ما يعني تثبيت وجود القوات الاسرائيلية ضمن ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر"، والذي يشكل 53% من مساحة القطاع مقابل حشر ما يزيد عن مليوني فلسطيني في بقعة لا تتجاوز 47%، والتي هي تفتقر للأراضي الزراعية وتحتاج إلى إعادة إعمار وهو ما تعرقله اسرائيل وترفض الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية متذرعة بحجج وأعذار واهية بينما موضوع مقاتلي "حماس" العالقين في أنفاق رفح فـ"مكانك راوح" بعدما عاد وفد الحركة من القاهرة خالي الوفاض نتيجة تعنت نتنياهو ورفضه أي خطط عملياتية لإيجاد حلّ لهذه الأزمة مع إعلان الاحتلال أنه قتل حتى اللحظة ما يُقارب الـ30 مقاتلًا واعتقل عدد منهم.
في سياق متصل، تعيش الضفة الغربية المحتلة ايامًا شديدة السواد مع استمرار العمليات وسط تحذيرات من توسع المشاريع الاستيطانية وزيادة رقعتها بعدما أصدرت سلطات الاحتلال أوامر عسكرية بالاستيلاء على مساحات شاسعة في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، بهدف شق طريق عسكري يمتد من منطقة عين شبلي مرورًا بسهل البقيعة وعينون ويرزا وصولاً إلى شرق تياسير. وتستغل تل أبيب العجز الدولي من أجل مواصلة تغيير معالم الضفة وفرض حواجز وشروط قاسية على السكان الذين يعانون الأمرين من قوات الاحتلال من جهة ومن المستوطنين من جهة ثانية الذين يعربدون دون حسيب او رقيب. يُذكر أن جيش الاحتلال انسحب من طوباس شمالي الضفة بعد عملية عسكرية استمرت 4 أيام وأدت إلى جملة اعتقالات ومداهمات وطرد عدد من الأهالي من بيوتهم، في حين أعلن الاحتلال مواصلة عملية أخرى في جنين.
دوليًا، طرحت صحيفة "تايمز" البريطانية تساؤلات حول نيات الرئيس ترامب بشأن فنزويلا، وهل سيشن حربًا ضدها، وذلك بعدما وجه الأخير باعتبار المجال الجوي قرب فنزويلا وبالقرب منها مغلقًا، وسط تصاعد المواجهة مع رئيسها نيكولاس مادورو. وسارعت كاراكاس إلى إدانة ذلك ووصفه بـ"التهديد الاستعماري". وتؤكد واشنطن أن الهدف من الانتشار العسكري هو الحدّ من تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، لكن فنزويلا ترى أنه يرمي إلى إطاحة برئيسها والاستيلاء على نفط البلاد. أما في الشأن الأوكراني، فقد أعلن الجيش عن تنفيذ "ضربات ناجحة" على مواقع روسية إستراتيجية، في حين أعلنت كييف أن وفدًا من مفاوضيها توجهوا إلى الولايات المتحدة لبحث المقترح الأميركي لإنهاء الحرب.
وفي جولة اليوم على الصحف الصادرة، نستعرض أهم ما ورد فيها:
رأت صحيفة "الغد" الأردنية أن "وساطة الولايات المتحدة في الصراع العربي – الاسرائيلي تتعارض بالمطلق مع أي تعريف للحياد المطلوب للوساطة". وقالت: "كانت الولايات المتحدة أكثر من مجرد طرف منحاز سياسيًا وأيديولوجيًا للكيان. كانت شريكًا مباشرًا –بل صاحبة المشروع الحقيقي. لا يمكن لوسيط نزيه أن يكون المزوّد الأول بالسلاح لطرف من أطراف الصراع، أو أن يحمل روايته السياسية في كل المحافل الدولية ويوفر له الغطاء والحماية من المساءلة"، مشددة على أنه "عندما نتحدث عن "وساطة" في القضية الفلسطينية، يُفترض منطقيًا أن يجلس العرب مع أشقائهم الفلسطينيين إلى أحد طرفي الطاولة، بينما يجلس الكيان وراعيته وشريكته إلى الجانب الآخر، كما هي التقسيمة الطبيعية للصراع".
بدورها، اعتبرت صحيفة "الأهرام" المصرية أنه "ما بين سوريا، ولبنان، والأراضي الفلسطينية تحاول إسرائيل فرض سياستها الجديدة في الشرق الأوسط في إطار استراتيجية اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو، الذي يرسخ قواعد اشتباك جديدة على الأرض، وأبرز هذه القواعد هو قيام إسرائيل بالعدوان على أي مكان دون مبرر واضح، مع رفض حق الدفاع عن النفس من جانب الطرف الذي تم الاعتداء عليه". وأضافت " مثلث لبنان، وسوريا، والاراضى الفلسطينية يحتاج إلى مواجهة دولية وعربية عاجلة للاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة، ومحاولتها تغيير قواعد الاشتباك على الأرض قبل فوات الأوان"، بحسب تعبيرها.
أما صحيفة "الصباح" العراقية، فلفتت إلى أن "جولة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأوروبية، التي شملت هولندا وفرنسا الاسبوع الماضي تشكل نقطة تحول محتملة في العلاقات الإيرانية – الأوروبية وسط تصاعد التوترات النووية والإقليمية ومع تزايد الضغوط الأميركية والإسرائيلية، يمكن قراءة هذه الزيارة كمحاولة إيرانية لإعادة رسم خطوط الحوار مع أوروبا كبديل عن الاعتماد الكلي على الشرق"، موضحة أنه "يمكن اعتبار الزيارة اختبارًا لفعالية الدبلوماسية الإيرانية في ظل إدارة الرئيس بزشكيان، التي وعدت بـ”التفاعل البناء” مع العالم. إذا فشلت، قد تؤدي إلى تعزيز العزلة، ما يدفع إيران نحو تحالفات أكثر صلابة مع موسكو وبكين، وهو سيناريو يعتقد فيه الغرب انه يهدد التوازن العالمي".
(رصد "عروبة 22")

