تقدير موقف

العالم في قبضة عصابة: الإمبريالية الترامبية من غزّة إلى أوكرانيا!

في عهد دونالد ترامب، لم تعد تُمارَس الهيمنة الأميركية بالقوة فقط، بل بالصورة أيضًا. مشهد قادة أوروبا يحيطون به في المكتب البيضاوي، يتسوّلون موقفًا يخدم مصالحهم، وآخر سبقه لعددٍ من حكام أفريقيا يقفون خلفه وهو جالس، يكشف المشهدان رؤيةً تراتبيةً صارمةً: مركز أميركي مُتعالٍ، وحواف تتأرجح بين الشراكة المشروطة والخضوع الرمزي. الصورة هنا ليست توثيقًا للحظاتٍ ديبلوماسيةٍ، بل أداة لإعادة إنتاج السيطرة.

العالم في قبضة عصابة: الإمبريالية الترامبية من غزّة إلى أوكرانيا!

منذ لحظة تشكّلها، سلكت الظاهرة الاستعمارية مسارًا مُتدرّجًا من الهيمنة، واتخذت أطوارًا مُتعاقبةً تتبدّل أدواتها من دون أن يتغيّر جوهرها. بدأت بالكولونيالية المباشرة، حيث احتُلّت الأرض واستُنزِف الإنسان والموارد بفظاظةٍ لا لبس فيها، ثم انتقلت إلى الإمبريالية الكلاسيكية التي استبدلت الاحتلال التقليدي بنفوذ وتدخل اقتصادي وعسكري وثقافي، أكثر تعقيدًا وأقلّ ظهورًا.

طور جديد من الهيمنة تتصرّف فيه الولايات المتحدة كما لو كانت عصابة مُنظّمة

مع نهاية الحرب الباردة، دخلنا طورًا ثالثًا من الهيمنة، أكثر تمويهًا، يتخفّى خلف شعارات العوْلمة، وحقوق الإنسان، والديموقراطية، لكنّه يظل وفيًّا لجوهره: فرض السيطرة، لا عبر الجيوش وحدها، بل عبر المؤسّسات الدولية، والأسواق، والخطاب الأخلاقي المُعلّب.

ما نشهده اليوم مع صعود "الترامبية" - خصوصًا في ولاية الرئيس ترامب الثانية - لا يمكن اعتباره مجرّد امتداد للإمبريالية المُعوْلمة، بل هو انزياح جذري نحو طورٍ جديدٍ من الهيمنة: طور فاضح، عنيف، ومكشوف، تتخلّى فيه الولايات المتحدة عن أقنعة الديبلوماسية، وتتصرّف في المسرح الدولي كما لو كانت عصابة مُنظّمة، تمارِس الابتزاز العلني، وتستند إلى منطق القوة المجرّدة، وتضرب عرض الحائط بكلّ ما راكمه القانون الدولي من أعراف ومبادئ ومؤسّسات.

لم تعد واشنطن تتطلّع إلى إقناع العالم، بل تسعى إلى إخضاعه، لا عبر الحلفاء أو المؤسّسات، بل عبر فرض الإيقاع بالقوة، وبلا أي اعتبار للشرعيّة أو التوازن. ثم لم تعدْ في حاجةٍ إلى تبنّي سرديّات مُقنعة، ولا تتكلّف عناء التبرير، بل تمارس سطوتها بوجهٍ سافرٍ، وتفرض إيقاعها على العالم كما لو كانت تصوغ قانونًا جديدًا للعلاقات الدولية: قانون القوة المجرّدة، بلا أقنعة، وبلا توازنات.

"الترامبية" ليست مجرّد نزعة داخلية في السياسة الأميركية، بل هي نمط توسّعي جديد يُعيد تشكيل مفهوم الإمبريالية على أُسُسٍ أكثر توحشًا، وأقلّ تمويهًا، وأكثر استخفافًا بالحلفاء قبل الخصوم. إنّها لحظة انكشاف كامل، حيث تتخلّى القوة المُهيمنة عن الحاجة إلى الشرعية، وتعتبر أن امتلاك القوة وحده يكفي لتبرير استخدامها.

تُمثّل "الترامبية" طورًا نوعيًّا جديدًا من أطوار الهيمنة، يجمع بين الانفلات الذي يضرب مؤسّسات الدولة الأميركية من الداخل، والتغوّل الخارجي الذي يُعيد تشكيل العلاقات الدولية بمنطق الغنيمة لا بمنطق القانون.

في هذا الطور، تُستخدم أدوات غير مسبوقةٍ من العقوبات الاقتصادية التي تتحوّل إلى حصارٍ شاملٍ، إلى استعراض القوة بوصفه لغة تفاوض، إلى تحويل العلاقات الدولية إلى صفقاتٍ لحظيّةٍ تُدار بمنطق الربح الفوري.

ويبلغ هذا النموذج ذروته حين تُطلق يد الأدوات المحلية - وعلى رأسها إسرائيل - لممارسة أقصى درجات العنف والتمييز والضمّ، تحت حمايةٍ أميركيةٍ لا تعترف بأي خطوط حمراء.

صارت المصالح الاقتصادية المُحرّك الأعلى صوتًا ولم تعد تخفى خلف شعارات كبرى كالحرية أو الديموقراطية

على امتداد عامَيْن، تحوّلت غزّة إلى مسرحٍ يوميّ لاختبار الضمير الإنساني، حيث انكشفت حدود التوحّش في عصر إمبريالية ترامب.

منذ اللحظة الأولى لرئاسته الثانية، بدا أنّ الاحتلال الإسرائيلي أُطلق بلا قيد، وأنّ المظلّة الأميركية - في نسختها الترامبية - لم تكتفِ بتوفير الغطاء، بل دفعت بالمذبحة إلى أقصى درجات الانتهاك.

قصف متواصل، حصار خانق، تجويع ممنهج، وإغلاق تام لأبواب الحياة. ثم جاءت الفصول الأشدّ قسوةً حين تحوّلت طرود الإغاثة إلى "فخاخ موت": طائرات تُسقط المساعدات في مناطق مكشوفة، فتندفع الحشود الجائعة نحوها، لتجد نفسها في مرمى الرصاص.

الصدمة لم تكن في الاستهداف وحده، بل في نوع الذخيرة المستخدمة: رصاص حارق، لم يُسجّل استخدامه قبل حقبة ترامب، يحرق الجسد حتّى يختفي أثره، وكأنّ الهدف لم يَعُدْ قتل الضحية، بل محوها من الوجود، قبل أن تُسجّل حتّى كرقمٍ في قوائم الشهداء.

لعقودٍ طويلةٍ، وعلى الرَّغم من عنف الإمبريالية الأميركية، كانت الهيمنة تُقدَّم للعالم مُغلّفةً بخطاب "حقوق الإنسان"، ومُزيّنةً بشعارات "الديموقراطية"، أو مُبرّرةً بذريعة "الحرب على الإرهاب".

كان هناك دومًا حرص على رشّ السكر فوق السمّ، وعلى صناعة سرديّات تُقنع أو تُخدّر. لكن مع "الترامبية"، سقطت الأقنعة دفعةً واحدةً؛ لم يعدْ هناك حرص على التجميل، ولا رغبة في التبرير.

دمجت إمبريالية ترامب الخطاب السياسي مع الممارسة الفعلية في نبرةٍ واحدةٍ صريحةٍ، لا تعرف التخفيف ولا الالتفاف، بل تصرّح بما تريد وتنفّذ من دون مواربة.

إمبريالية ترامب تصرّح بما تريده، وتُنفّذه علنًا، من دون اعتبارٍ لصورة واشنطن في عواصم العالم، أو لمكانتها في المؤسّسات الدولية، أو حتى لمواقف حلفائها التقليديين. المهم هو تحقيق المصالح الفورية، بأقصى قدرٍ من المكاسب، وأدنى قدرٍ من القيود، وكأنّ السياسة تحوّلت إلى صفقةٍ تجاريةٍ لا تعترف إلّا بالربح المباشر.

صارت المصالح الاقتصادية المُحرّك الأعلى صوتًا، ولم تعد تُخفى خلف شعارات كبرى كالحرية أو الديموقراطية، بل تُطرح كما هي: مصالح مباشرة، بلا تزويق. وتحوّلت التحالفات الدولية إلى صفقاتٍ لحظيّةٍ، تُدار بمنطق الربح والخسارة، من دون أي التزام استراتيجي طويل الأمد.

ما يحدث في غزّة لن يكون استثناءً بل هو مختبر تجريبي لسياسات ستُطبّق غدًا في أماكن أخرى

تبقى السمة الأخطر أنّ هذه الإمبريالية مكشوفة على نحوٍ فاضحٍ؛ لا تتوارى خلف السطور، ولا تتجمّل بعبارات ديبلوماسية، بل تعرض نفسها كما هي: مشروع قوة لا يعتذر ولا يبرّر، ويعتبر امتلاك القوة هو الشرعية الوحيدة.

من بين أكثر الآليات فتكًا في "الترامبية"، تبرز سياسة "الحدود القصوى" كمنهجٍ ثابتٍ في إدارة الملفات الدولية، سواء في الحرب أو العقوبات أو الضغط الديبلوماسي. لا مكان للحلول الوسط، ولا اعتبار للتدرّج أو المساومة، فكلها أدوات تكتيكية موقتة تُستخدم ثم تُستنفد.

هذا النهج يخلق بيئةً دوليةً تسودها الفوضى، تتراجع فيها القدرة على التنبّؤ، ويصبح التصعيد هو القاعدة، لا الاستثناء. في هذا المناخ، يتحوّل الردع من أداةٍ دفاعيةٍ إلى فعلٍ هجوميّ استباقيّ، وتغدو كلّ أزمة فرصة لإعادة رسم قواعد اللعبة، لا وفق القانون أو التوافق، بل وفق ميزان القوة اللّحظي، حيث تُعاد صياغة الشرعية بما يخدم مصلحة القوة المهيمنة في تلك اللحظة تحديدا.

النموذج الإسرائيلي يقدّم تطبيقًا حيًّا لكلّ خصائص الترامبية، حيث يتحرّك "نتنياهو" في ظلّ "ترامب" بحريةٍ مطلقةٍ، مطمئنًا إلى أنّ الغطاء الأميركي لا يقتصر على الدعم السياسي والعسكري، بل يشمل إطلاق العنان لكلّ ما كان في الماضي مُحرّمًا أو محسوب العواقب.

إعادة صياغة العلاقات الدولية على أساس القوة واستبدال المعايير بمنطق الهيمنة

لم تعد غزّة مجرّد قضية محلية أو صراع إقليمي، بل تحوّلت إلى النموذج الأكثر وضوحًا لطريقة عمل الترامبية في العالم: الدعم غير المشروط لإسرائيل، السماح باستخدام أسلحة محرّمة، ودرجات عنف غير مسبوقة، وتوفير الغطاء السياسي لجرائم موثقة، هذه ليست قرارات عابرة، بل إعلان صريح أنّ القيم والقوانين يمكن تعليقها أو إلغاؤها متى تعارضت مع مخطّطات، بل وشطط القوة المهيمنة.

بهذا المعنى، ما يحدث في غزّة لن يكون استثناءً، بل هو مختبر تجريبي لسياساتٍ ستُطبّق غدًا في أماكن أخرى: من آسيا إلى أميركا اللاتينية، ومن أفريقيا إلى أوروبا الشرقية. وصفقة أوكرانيا التي يتحرّق ترامب لتوقيعها ليست عنّا ببعيدة.

غزّة كشفت وجه الترامبية المتوحّشة بلا رتوش، وأوكرانيا هي الصدى الذي يتردّد في فضاءٍ دوليّ يتشكّل على أنقاض القانون. ما جرى هناك، وما يجري هنا، ليسا سوى إعلانٍ عن إعادة صياغة العلاقات الدولية على أساس القوة، وتُستبدل فيه المعايير بمنطق الهيمنة وحدها كمرجعيّة عمياء.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن