بَيْدَ أنّ وضعية العالم العربي الراهنة تستدعي إقرارًا صريحًا بأنّ نوعية المخاطر التي تستهدف دوله وشعوبه لم يعد يكفي معها التأكيد على تجذّر روح الانتماء والتغنّي بالماضي التليد والأحلام الطفوليّة. إذ تشير عديد المعطيات إلى أنّ المنطقة تجاوزت مرحلة العدميّة إلى الانتحار الحضاري الذي يعني في أبرز عناوينه الخروج من التاريخ أو حتّى من الخريطة الجغرافية الموروثة عن اتفاقية سايكس - بيكو منذ سنة 1916. وهو ما يعني أنّ نوعية الخطر أضحت وجوديةً مصيريةً، ولم تعد مسألةً حدوديةً كما كان الأمر إلى حدود تسعينيّات القرن الماضي.
بدل أن تُراجع الجامعة العربية آليات عملها الرثّة تُصرّ إصرارًا انتحاريًا على الرؤية السياسية نفسها في معالجة التطوّرات
يمكن رصد علامات ذلك الانتحار الحضاري على صعيدَيْ الخطاب والممارسة:
فعلى صعيد الخطاب، ما زالت تتردّد تلك الاسطوانة المشروخة التي تجترّ استثمار رأسمال رمزي متقادم متمثّل في شعارات جوفاء خادعة. فاستحوذ خطابٌ إنشائيٌ تغيب فيه صيغ الإنجاز وعباراته التي تثبت الشروع العملي في البناء الحضاري الخلّاق. لذا لا عجب أن يُعوّض ذلك الفراغ بخطاباتٍ قصووية تدّعي العصمة والطهرانية وامتلاك الحقيقة المُطلقة في تناقضٍ تامٍّ مع حركة الواقع التاريخي داخليًا وخارجيّا.
أمّا على صعيد الممارسات العملية، فإنّ انحسار التفكير النقدي ظاهرة لافتة للنظر. فقد أتاح انتشار المنصّات الإعلامية الرقمية المتّصلة بشبكات التواصل الاجتماعي إمكانيّة رصد أوجه تعامل المُتلقّين معها من خلال تصفّح تفاعلاتهم. ولئن برز في هذا المضمار بعض المنصّات الجادّة التي تُقدّم مادةً فكريةً وإعلاميةً راقية، فإنّ طرق التفاعل معها تستدعي إنجاز دراسات سوسيوسيكولوجية مُعمّقة. فما أكثر التعليقات التي لا علاقة لها بمضامين المقالات المنشورة فيها، إذ يقتصر التفاعل على ترديد شعارات هويّاتية وإيديولوجية بالية أو سبّ وشتم مُقذعين لكتّابها أحيانًا.
تواجه دول عربية تحدّيات وجودية ومصيرية تستهدف تفكيكها
تزامن انحسار التفكير النقدي مع تمسّك وثوقي بعديد الهياكل التي لم تفشل فقط في تحقيق الرّهانات المُنتظرة منها، وإنّما أضحى وجودها كذلك محلّ تندّر وتهكّم مثل الجامعة العربية بقممها الدوريّة، التي بدل أن تُعيد النظر في الأسس غير الواقعية التي قامت عليها، وتُراجع آليات عملها الرثّة، تُصرّ إصرارًا انتحاريًا على التمسّك بالمنظومة التسييرية نفسها والرؤية السياسية نفسها في معالجة مختلف التطوّرات المتسارعة التي يشهدها العالم العربي. لعلّ من أهمّها أنّ عديد الدول العربية المنتظمة فيها، تواجه تحدّيات وجودية ومصيرية تستهدف تفكيكها والترويج لانتهاء صلاحيتها في الوقت الذي كان يتعيّن فيه استكمال مشروع الدولة الوطنية نحو دولةٍ حديثةٍ تحكمها القوانين والمؤسّسات، ويسودها منطق المواطَنة الكاملة.
واكب ذلك الانهيار السياسي تراجعٌ خطيرٌ في منسوب الثقافة الجادّة، إذ يسود الاعتقاد أنّ العصر الرقمي يمثّل قطيعةً مع المصادر المألوفة لاكتساب المعرفة والعلم. لذا لا عجب أن تسجّل المنطقة العربية أضعف معدّلات القراءة عالميًا، وتتذيّل ترتيب التصنيف الدولي لمؤشّرات جودة التعليم حتّى بالنسبة إلى بعض الدول العربية الرائدة في هذا المجال مثل مصر والعراق وتونس وغيرها.
يمكن التطلّع إلى علاقات عربية قائمة على التكامل وفق أسس واقعية عملية بدل الشعارات الممجوجة
ليست حالة الانتحار الحضاري قدرًا إلهيًا لا يمكن تخطّيه أو تغييره، وإنّما تعدّ خيارًا من صنع أنفسنا وكسب أيدينا. إذ يمكن تصحيح المسار التاريخي بتحديد الرؤية الحضارية وتوضيحها. فوضوح الرؤية يعني القطع مع الارتجاليّة والإقبال على علم المستقبليّات. إنّ بناء المستقبل لا يمكن تحقيقه إلّا إذا رسّخنا فعليًا العمل بالتفكير العلمي والاستشراف في الحاضر أو في المستقبل المنظور والبعيد سواء في وضع سياسات تدبير الشأن العام، أو في تقنين العلاقة مع الآخر التي ما زالت محكومةً بنظرية المؤامرة إلى يومنا هذا.
يُعدّ تدعيم المبادرات الفردية المُنجزة في إطار مؤسّساتي منظّم يقطع مع كلّ أشكال الشخصنة والنرجسيّة من المداخل المؤسّسة لإقامة علاقات على أساسٍ عمليّ، بدل التصوّرات الرومانسية التي تنظر للدولة بمنطق المعجزة القادرة على تحقيق كلّ شيء بعصا سحرية. وإذا ما تمّ الاعتماد على منطقٍ تدرّجيّ من الجزئي إلى الكلّي، فإنّه يمكن التطلّع إلى علاقاتٍ عربيةٍ قائمةٍ على التكامل وفق أسس واقعية عملية بدل الشعارات الممجوجة التي عادت بالوبال على المنطقة وشعوبها.
(خاص "عروبة 22")