"شجرة مباركة".. كيف يمكن تحقيق نهضة بزراعة الزيتون وتصنيع زيوته؟

يُعتبر الزيتون من أقدم وأهمّ المحاصيل الزراعية في الوطن العربي حيث يرتبط بالهوية الثقافية للمنطقة منذ آلاف السنين، كما يعدّ رمزًا للسلام فضلًا عن مكانته في الديانات السماوية حيث ورد ذكره في القرآن الكريم على أنّه شجرة مباركة.

شكّلت ثمار الزيتون وزيوتها عبر العصور إحدى أهم مصادر الغذاء والدخل في المنطقة العربية، كما تعدّ إحدى السلع الاستراتيجية التي يزداد الطلب عليها في الأسواق العالمية نظرًا لقيمتها الغذائية العالية، ممّا يوفّر فرصًا للتوسّع في تصديرها وزيادة تدفّق العملة الصعبة إلى الكثير من الدول العربية.

تحتاج الدول العربية إلى تعزيز القدرة التنافسية لإنتاجها من الزيتون

ويعدّ الوطن العربي بما يملكه من أراضٍ زراعية صحراوية وشبه صحراوية من أبرز المناطق المُنتجة للزيتون في العالم إذ تنتشر زراعته من أقصى غرب العالم العربي إلى شرقه. ويُنتج العرب ما يتراوح بين 30 و35 % من الإنتاج العالمي للزيتون. وأبرز الدول العربية المُنتجة للزيتون هي تونس، المغرب، سوريا، الجزائر، مصر، فلسطين، ليبيا، الأردن، لبنان والسعودية.

وتساهم زراعة أشجار الزيتون في حماية البيئة عبر دورها في تثبيت التربة ومنع انجرافها والحدّ من التصحّر، حيث تعمل كحاجزٍ طبيعيّ لمكافحة التغيّرات المناخية. كما تتميّز بقدرتها على التكيّف مع الظروف البيئية الصحراوية الصعبة وقلّة احتياجها للمياه، ممّا يجعلها مناسبةً للزراعة في المناطق الجافّة وشبه الجافّة التي تسود في المنطقة العربية، خاصةً في حالة استخدام نظم الريّ الحديثة.

يُـمثّل الزيتون وزيته المُنتج التصديري الرئيسي لعددٍ من الدول العربية ومن أهم مصادر توفير العملات الصعبة. ولفتح أسواقٍ جديدةٍ، تحتاج الدول العربية إلى تعزيز القدرة التنافسية لإنتاجها من الزيتون في الأسواق العالمية، وإبراز الهوية الوطنية التاريخية للزيتون وزيته. إذ تعدّ منطقتنا من المراكز التاريخية لزراعة أشجار الزيتون حيث ترتبط لدى المسلمين والمسيحيين في العالم بشخص السيد المسيح.

وتُعتبر تونس من أكبر المصدّرين لزيت الزيتون في العالم، حيث يذهب جزء كبير من إنتاجها إلى أوروبا والولايات المتحدة. كما تُعتبر المغرب من الدول الرائدة في تصدير الزيتون وزيته إذ يتوجّه إنتاجها إلى الاتحاد الأوروبي وأميركا الشمالية والأسواق الأفريقية.

يمتدّ قطاع إنتاج الزيتون إلى صناعات تحويليّة متنوّعة وصناعات مرتبطة بمخلّفات العصر وإنتاج الزيت

ولا تزال سوريا تحافظ على مكانتها في تصدير زيت الزيتون إلى الأسواق الإقليمية والعالمية على الرَّغم من أزماتها، بينما تشارك كلّ من فلسطين والأردن ولبنان بحصصٍ أقلّ نسبيًا لكنها تتميّز بجودة إنتاجها الذي يلقى قبولًا في الأسواق المحلية والخارجية.

ولا يقتصر قطاع إنتاج الزيتون على الثمار والزيت، بل يمتدّ أيضًا إلى صناعات تحويليّة متنوّعة مثل صناعة المُخلّلات والصابون ومستحضرات التجميل، وكذلك الصناعات المرتبطة بمخلّفات العصر وإنتاج الزيت والتي تعدّ عبئًا بيئيًا عند التخلّص منها بالطرق التقليدية غير المناسبة، إلّا أنّها تحمل إمكاناتٍ هائلةً إذا خضعت لعملية إعادة تدوير حيث تحقّق قيمةً مُضافةً تزيد من الربحيّة وتعمل على الحفاظ على البيئة.

وتشمل مخلّفات إنتاج زيت الزيتون "الجفت" النّاتج عن عصر الثمار وهو منتج ثانوي يحتوي على بقايا زيتية وألياف ومضادّات للأكسدة والبوليفينولات التي تدخل في الصناعات الدوائية.

كما يتمّ الاستفادة من "الجفت" عن طريق تجفيفه وضغطه في صورة قوالب تُستخدم كوقودٍ حيويّ في المناطق الريفية التي تفتقر إلى مصادر الطاقة التقليدية. ويمكن أيضًا تحويله إلى سمادٍ عضويّ يدعم خصوبة التربة ويساعد على منع التصحّر، بالإضافة إلى استغلاله في إنتاج الأعلاف غير التقليدية، وكذلك الصناعات الدوائية وذلك من خلال مشروعات تحقّق فوائد اقتصادية وبيئية.

إلّا أنّ هناك فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة لزراعة الزيتون وحجم الإنتاج العربي الفعلي والفرص التسويقية والقدرات التنافسية مع بعض الدول الأوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان.

معظم الدول العربية تفتقد أنظمة حديثة للعصر والتنقية ممّا يؤدّي إلى تصدير الزيت الخامّ بأسعار منخفضة

ومن ثمّ يصبح السؤال المطروح؛ كيف يمكن للمنطقة العربية النهوض بإنتاج الزيتون والصناعات المرتبطة به والتغلّب على التحدّيات التي تواجه هذا الهدف؟

أولى خطوات النهوض بزراعة الزيتون العربية تكمُن في البحث العلمي عبر استنباط أصنافٍ جديدةٍ عالية الإنتاجيّة ومقاومةٍ للأمراض، واعتماد أنظمة الريّ بالتنقيط ونظم إدارة مياه الريّ لتقليل الفاقد والتوسّع في الزراعة العضوية التي تحافظ على البيئة وتُحسّن جودة الثمار والزيت وتزيد من قيمتها التسويقية. بالإضافة إلى تحديث وسائل الحصاد من خلال الاعتماد على الآلات الحديثة التي توفّر الوقت وتحافظ على جودة المحصول، وإدخال تكنولوجيات حديثة في خطوط العصر والتعبئة والتخزين، بما يتوافق مع المعايير الدولية ويؤدّي إلى إنتاج زيوت عالية الجودة قادرة على التنافس مع الزيوت التي تنتجها الدول الأوروبية التي تعتمد على أنظمة حديثة للعصر والتنقية والتي تفتقدها معظم الدول العربية، ممّا يؤدّي إلى انخفاض جودة الزيوت أو قيام تلك الدول بتصدير الزيت الخامّ بأسعار منخفضة.

فعلى سبيل المثال، تقوم تونس بتصدير الزيت الخامّ ثم تُعيد الدول المستوردة تصديره بأسعار مرتفعة بعد تعبئته، وهناك تجربة ناجحة قامت بها الحكومة التونسية عبر تحديث نظم التعبئة والتغليف ممّا يؤدي إلى زيادة العائد بنسبةٍ تصل إلى 30 و50% مقارنةً بصادرات الزيت الخامّ السابقة.

إذا توافرت الإرادة السياسية تتحوّل المنطقة العربية إلى قوة رائدة في سوق زيت الزيتون العالمية

وأخيرًا، يجب تحديث نظم إعادة تدوير المخلّفات المعاصرة وتحويل المخلّفات الناتجة من الزيتون إلى منتجاتٍ ذات قيمةٍ اقتصاديةٍ مع التركيز على دعم البحث العلمي من خلال إقامة مراكز متخصّصة لدراسة أفضل طرق الزراعة والعصر، بما يتناسب مع الظروف المحلية. مع تشجيع الدراسات التطبيقية لتطوير منتجات ثانوية تزيد من القيمة المُضافة لصناعة زيت الزيتون، وبناء قاعدة بيانات عربية مشتركة لتبادل الخبرات وفتح أسواق جديدة من خلال المشاركة في المعارض الدولية للترويج للزيت العربي عالي الجودة، والذي يجب تمييزه بعلاماتٍ تجاريةٍ عربيةٍ منافسةٍ للمنتجات المماثلة في الأسواق العالمية.

ولن يتحقّق ذلك إلّا من خلال توافر الإرادة السياسية للحكومات العربية لتحويل المنطقة العربية إلى قوةٍ رائدةٍ في سوق زيت الزيتون العالمية بما يحقّق نقلةً نوعيةً في حجم وجودة الصادرات العربية. 

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن