عندما تجرأ إيهود باراك رئيس وزراء إسرائيل الأسبق (الزعيم العمالي) وأعلن رفضه القاطع لقرار بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، باحتلال قطاع غزة ووصف هذه الخطوة بأنها "فخ مميت"، معتبراً أن ذلك سيخدم حركة "حماس" ويمنحها نصراً سياسياً، اعتبر كثيرون أن تحذيرات باراك "ليس لها أي وزن سياسي" وأنها لا تتجاوز حدود الصراع على السلطة بين المعارضة والحكومة في إسرائيل، خصوصاً وأن تحذيرات باراك تلك التي جاءت بتاريخ 18 آب/ أغسطس الحالي.
قد سبقها بيومين فقط قيام مكتب مراقب الدولة في إسرائيل بإرسال طلب استدعاء إلى مسؤولين للإدلاء بإفاداتهم بشأن "إخفاقات 7 أكتوبر/ تشرين أول2023" وشملت هذه الطلبات أسماء بارزة في السلطة الحاكمة ابتداء من بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة نفسه إلى يو آف جالانت وزير الدفاع المقال، ورئيس أركان الجيش السابقين: هيرتسي هليفي وأفيف كوخاني ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) السابق رونين بار والقائم الحالي بأعمال رئيس الشاباك وبعض الضباط البارزين في الجيش الإسرائيلي.
هاجس "تصفية الحسابات" الشائع حالياً داخل إسرائيل أبعد المراقبين عن حقيقة تحذيرات إيهود باراك من العودة إلى احتلال إسرائيل لقطاع غزة بعد أن سبق أن انسحبت منه اضطرارياً عام 2005 بأوامر من رئيس الحكومة حينئذ آرييل شارون، باراك عندما حذر من العودة لاحتلال قطاع غزة ووصفه بأنه "مصيدة الموت" لإسرائيل، أرجع ذلك إلى أن "حماس" ستزيد من عمق الأزمة لإسرائيل أمام العالم، واعتبر أن نتنياهو يقود إسرائيل إلى مغامرة خطيرة نحو الهاوية.
لم يأبه نتنياهو بهذه التحذيرات وتعمد على هامش لقائه مع السيناتور الأمريكي جوني إرنست بمكتبه بالقدس في الخامس والعشرين من أغسطس/ آب الحالي أن يؤكد أن قرار المجلس الوزاري المصغر "الكابينت"، كان قاطعاً وأن إسرائيل ستعمل بعزم وبقوة من أجل استعادة جميع مختطفيها (الأسرى) والقضاء على "حماس"، كان نتنياهو حريصاً على تأكيد أن "هاتين المهمتين مرتبطتان" وهو هنا كان يذكر بتصديق "الكابينت" في الثامن من أغسطس/ آب الجاري على الخطة التي اقترحها نتنياهو لاحتلال تدريجي لقطاع غزة وفي العشرين من نفس الشهر كان وزير الدفاع يسرائيل كاتس قد أقر خطة السيطرة على قطاع غزة وأمر باستدعاء 60 ألف جندي احتياط للمشاركة في تنفيذ العملية.
كل هذا يعني أن الحكومة الإسرائيلية عازمة على إعادة احتلال قطاع غزة، لكن هذه المرة تتجاوز المخاطر مئات المرات الاحتلال السابق، فالاحتلال هذه المرة يؤكد أنه سيكون مقروناً بتفريغ قطاع غزة من سكانه، أي فرض "خيار التهجير القصري" وهم يعتبرون أن "هذا الإخلاء من السكان" قرار تصحيحي لخطأ فادح سبق أن ارتكبته حكومة حزب العمال الإسرائيلية عام 1967 وهي أنها عندما احتلت الضفة الغربية وقطاع غزة لم تقم بتفريغهما من "سكانهما العرب" (هم لا يعتبرون أن الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع صاحب الأرض، بل "مجرد سكان" وتؤكد الحكومة الحالية لليمين الحاكم أن هذا الخطأ "تاريخي" وهو سبب كل مشاكل إسرائيل ومن ثم فإن العودة للسيطرة على قطاع غزة (لا يقولون العودة لاحتلال القطاع) هي تصحيح لذلك الخطأ.
لم يتضمن قرار "الكابينت" أي توضيح لمآل أهالي قطاع غزة.. إلى أين سيتم تهجيرهم إذا كانت مصر ترفض رفضاً قاطعاً قرار التهجير وهي الممر الوحيد لهؤلاء الفلسطينيين للخروج من القطاع، من هنا تجيء أهمية تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تزامنت مع تأكيدات نتنياهو القاطعة بتنفيذ قرار احتلال قطاع غزة والقضاء على حركة حماس وتحرير الأسرى.. وهي التصريحات التي جاءت في الاتجاه المعاكس تماماً لتأكيدات نتنياهو، فعلى هامش لقائه يوم الاثنين الماضي مع رئيس كوريا الجنوبية صرح الرئيس ترامب بأن "الوضع في قطاع غزة مروّع"، لكنه أشار إلى أن هذه الحرب ستشهد "نهاية حاسمة" خلال أسبوعين أو ثلاثة، وعاد ليحذر "يجب أن تنتهي حرب غزة، لما تسببه من جوع وموت" وكان ترامب حريصاً على أن يشير إلى "أن هناك جهوداً دبلوماسيةً جادةً للغاية بشأن غزة".
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو كان أكثر وضوحاً بالنسبة لما يعنيه ترامب بـ"الجهد الدبلوماسي" الذي يتعارض بالطبع مع العمليات العسكرية التي تنوي إسرائيل أن تقوم بها لاحتلال القطاع، ماركو روبيو قال قبيل اجتماع الرئيس ترامب بالرئيس الكوري الجنوبي: "نسعى دائماً لإيجاد حل.. أو في النهاية، كما قال الرئيس، نريد أن ينتهي الأمر دون أي وجود لحماس". نحن إذن في سباق مع الزمن بين نتنياهو وترامب، فمن منهما سيفرض رؤيته وهل من صدام محتمل بين واشنطن وتل أبيب؟
أسئلة مهمة على ضوء الصراع الداخلي المتصاعد في إسرائيل بين من يؤيدون مشروع نتنياهو المتعجل احتلال غزة وبين الرافضين لهذا المشروع على ضوء المعلومات المتسربة عن المقترح المصري– القطري الداعي إلى "عودة إسرائيل إلى محادثات وثيقة مع "حماس" في ظل تغييرات ملموسة في موقف "حماس"، وأنها مستعدة للدخول في مفاوضات بشأن "صفقة جزئية" وفقاً لما نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، خصوصاً وأن تساحي هنجبي رئيس مجلس الأمن القومي يدعم القبول بمثل تلك الصفقة الجزئية.
(الخليج الإماراتية)