صحافة

حلم توسيع الاتفاقات الإبراهيمية: سوريا المفتاح والمعضلة

بلال التليدي

المشاركة
حلم توسيع الاتفاقات الإبراهيمية: سوريا المفتاح والمعضلة

هناك دبلوماسية كثيفة تجري على ثلاث ساحات رئيسية، ساحة التفاوض لوقف الحرب الإسرائيلية على غزة، وساحة التفاوض لتجريد حزب الله من السلاح في لبنان، وساحة التفاوض على اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا. الفلسفة الأمريكية والإسرائيلية بنيت من وحي استلهام وقراءة معمقة لتجربة وحدة الساحات في مقاومة المشروع الإسرائيلي التوسعي في المنطقة، ولذلك يلاحظ المراقبون أن دينامية التفاوض على ساحتي لبنان وسوريا أسرع مقارنة مع ترددها وبطئها في غزة (الساحة الرئيسية للصراع)، لأن الاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية تقوم اليوم على مبدأ فرض حصار إقليمي مطوق على المقاومة في غزة باتفاقات أمنية بين دول المنطقة وتل أبيب، وذلك حتى يتسنى خلق إدارة فلسطينية أو حتى عربية للقطاع يضمن بها تجريد الفصائل الفلسطينية من سلاحها.

في الحالة اللبنانية هناك استعصاء كبير لإنجاز الاتفاق، وذلك لسببين اثنين، الأول مبدئي واستراتيجي، يتعلق برفض حزب الله القاطع لتجريده من السلاح، حتى ولو تم انسحاب الاحتلال من النقاط الخمس التي يحتفظ بالسيطرة عليها في جنوب لبنان. والثاني، سياسي، لأن المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط توم براك، في رده على مطالب الجانب اللبناني، اقترح ما يسمى في عملية التفاوض بالالتزام المتوازي، أي أن يتم الانسحاب الإسرائيلي من النقاط الخمس بشكل متدرج، بتزامن مع إجراءات عملية مقابلة لتجريد حزب الله من سلاحه، بينما تركز رؤية حزب الله على فصل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، عن قضية السلاح، التي تعتبر قضية داخلية مرتبطة بالاستراتيجية الدفاعية الوطنية.

في حالة غزة، يبدو الاستعصاء أكبر، على الأقل من جهة الاحتلال الإسرائيلي، الذي وضع خمسة شروط لوقف الحرب، من بينها نزع المقاومة، وجعل قطاع غزة منطقة منزوعة السلاح مع إبقائها تحت السيطرة الأمنية وتشكيل إدارة مدنية غير ذات علاقة بالمقاومة ولا بالسلطة الفلسطينية، وهي الشروط التي لا يتصور تحقيقها سوى مخطط التهجير والإبادة.

في حالة سوريا، يراهن الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية على إحداث اختراق كبير في منطقة الشرق الأوسط، يقوم على مبدأ استغلال ضعف الجيش السوري، وحاجة سوريا الجديدة لرفع العقوبات الاقتصادية عنها، بل وحاجتها إلى تأمين وحدة واستقلال أراضيها وبناء اقتصادها واستتباب الأمن والاستقرار بها لجرها إلى اتفاق أمني، يمنح إسرائيل سيطرة على جزء مهم من الجنوب السوري (منطقة أمنية عازلة بعمق 80 كيلو مترا)، مع تحريك الطائفة الدرزية بالسويداء، وقوات سوريا الديمقراطية في الشمال، وتشغيل ورقة الانفصال أو الإدارة المحلية.

وسائل الإعلام تحدثت عن مفاوضات جرت في باريس بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، بحضور المبعوث الأمريكي توم براك، لكن لا شيء إلى حد الآن رشح عن مضمون هذا التفاوض، وما إذا كان قد حقق تقدما أم لا، لكن من المؤكد أن الإنزال العسكري الذي قام به الجيش الإسرائيلي في ثكنة الكسوة والقصف الجوي على جبل المانع، يوحي بوجود ممانعة قوية من قبل سوريا، وأن الاحتلال الإسرائيلي يمارس بالهجوم العسكري ضغطا سياسيا قويا عليها لجرها إلى توقيع اتفاق يخدم الجانب الإسرائيلي.

تل أبيب تريد من سوريا على وجه التحديد ثلاثة مطالب، الأول إدخالها في مربع الاتفاقات الإبراهيمية أو على الأقل إبرام اتفاق أمني يحيدها بالمطلق في قضية الصراع الإسرائيلي العربي، والثاني، هو قطع الإمداد العسكري والمالي على حزب الله أو المشاركة في حربه، والثالث، هو انتزاع منطقة أمنية بعمق 80 كيلو مترا في الجنوب اللبناني، لإعادة ترسيم جدار الأمن القومي الإسرائيلي. أما مطالب سوريا، فهي تأمين وحدة واستقلال أراضيها والالتزام بعدم الهجوم العسكري عليها، والالتزام باتفاقية فك الاشتباك التي أبرمت سنة 1974 بخصوص منطقة الجولان، أو في الحد الأقصى استرجاع جزء مهم من أراضي الجولان المحتل، مع الكف عن استعمال الدروز كحجة للتدخل العسكري.

تبدو سوريا من خلال جدل مطالبها بمطالب الاحتلال الإسرائيلي هي مفتاح الخريطة، وفي الآن ذاته معضلتها الرئيسية. فخلافا، لما قد يتصوره البعض من كون القيادة السورية، تميل إلى إنهاء الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي والانخراط في اتفاق أمني من غير ثمن، إلا ما كان من رفع ما تبقى من العقوبات على دمشق وتأمين وحدة أراضيها، فإنه بدأ يلعب بأوراق مهمة، أضحت تطرح تحديات على الجانب الإسرائيلي، فقد صرح الرئيس السوري أحمد الشرع بتزامن مع حركية التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، بأن سوريا لن تخوض حربا على حزب الله، رافضا الاستقواء بسوريا الجديدة لتصفيته، بل إنه ذهب أبعد من ذلك، ووضع الأسس والمبادئ التي يفترض أن تؤطر العلاقة بين سوريا ولبنان، معربا عن أمله أن تتحرر ذاكرة البلدين من الإرث الماضي، معتبرا أن الاستقطاب المذهبي والسياسي خطأ كبير بحق البلدين ولا يجب أن يتكرر، وشدد على أنه يسعى إلى علاقة بين لبنان وسوريا تقوم على أساس دولة لدولة، ترتكز على معالجات اقتصادية واستقرار ومصلحة مشتركة.

الكثيرون تساءلوا عن دلالات تصريحات أحمد الشرع هذه، والتي جاءت عقب الجولة الأولى من التفاوض بين دمشق وتل أبيب في باريس، وبتزامن مع تأجيل الجولة الثانية بقرار سوري، وبعدها جاء الإنزال العسكري الإسرائيلي على ثكنة الكسوة وقصف جبل المانع، وهل يتعلق الأمر بلعب دمشق أوراقا جديدة في التفاوض، واضطرار تل أبيب إلى ممارسة الضغط العسكري عليها لجرها إلى مفاوضات أقرب إلى منطق الاستسلام؟

التفاصيل العسكرية التي كشف عنها الجانب السوري، تقول بأن وحدة من الجيش السوري اكتشفت وجود تجهيزات استخبارية إسرائيلية في جبل المانع، وأنها قامت بالتعامل معها، ولم تستكمل مهمتها حتى تعرضت للهجوم، لكن السياق السياسي والدبلوماسي، يبين بأن استعمال الطرفين لهذين النوعين من التدخل العسكري (تفكيك تجهيزات استخبارية إسرائيلية ثم إنزال إسرائيلي على ثكنة الكسوة وقصف على جبل المانع كرد فعل) إنما هو نوع من استعمال أوراق تفاوضية جديدة، ينضاف إليها ورقتان اثنتان، أولهما، ورقة حزب الله، ثم ورقة العلاقات السورية اللبنانية.

دمشق تريد توجيه رسالة إلى الاحتلال الإسرائيلي بأنها تملك خيارات مؤلمة بما في ذلك إقامة علاقات جدية مع إيران، والانتقال من مربع رفض الاصطفاف لتصفية حزب الله إلى مربع آخر مزعج لتل أبيب لا تريد أن تنتهي إليه، وتريد أيضا أن توجه رسالة أخرى، أكثر إيلاما، وهي أن سوريا لن تكون طرفا في ترتيب أي واقع سياسي في لبنان، يضر باستقلال ووحدة أراضيه، ولا بتأجيج أي استقطاب مذهبي يضر بتوازنه الطائفي.

في نهاية المطاف، تبدو دمشق مفتاحا ومعضلة في الآن ذاته، ومشكلة تل أبيب أنها تعتقد أن الإنجازات الاستراتيجية التي حققتها، تجعلها قادرة على فرض الأمر الواقع على المنطقة، بحيث تجردها كلية من أي سلاح للمقاومة، وتقيم مناطق أمنية عازلة تعزز أمنها القومي، وتقيم حكومات وإدارات محلية تدعم سيطرتها الأمنية، وهي بعد لا تستطيع أن تضمن أي شيء من المطالب الجوهرية للحالات الثلاث سوريا ولبنان وغزة.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن