رغم أن الحكومة الإسرائيلية اتخذت قرار الدخول في غزة وأطلقت على بدء العملية الجديدة في القطاع اسماً كودياً هو (القبضة الحديدية)، فإن كل الشواهد السياسية والاستراتيجية تشير إلى تحديات جديدة على إسرائيل مواجهتها، خاصة في هذه العملية، في ظل استمرار تجاوزاتها داخل القطاع والضفة الغربية..
التحدي الأول: عدم وجود اتفاق جمعي في إسرائيل على جدوى العملية، وبرغم حدوث توافق بين المستويين العسكري والسياسي إلا أن مسار العملية غير معلوم، وأن احتلال أجزاء من القطاع تحتاج وقتاً طويلاً وتكلفة عسكرية كاملة. وبرغم أن الموازنة العسكرية أدرجت في هذا السياق إلا أن التحفظات في المستوى الاقتصادي قائمة، في ظل تكلفة احتلال القطاع..
التحدي الثاني: عدم وجود حل سياسي مطروح بعد استكمال احتلال قطاع غزة بالكامل وبدء تطبيق القانون الإسرائيلي خاصة أن الأفكار الخاصة بالاحتلال الكامل تحتاج إلى نظام إعاشة للجنود على الأرض، إضافة للالتزام بتوفير الخدمات ومتطلبات القطاع بسكانه في ظل الحملة الإعلامية الدولية على السلوك الإسرائيلي العدواني.
التحدي الثالث: وجود مساعٍ لتشكيل حكومة وحدة وطنية ومحاولة بيني جانتس رئيس الأركان الأسبق الذهاب إلى هذا الخيار مدعوماً بالمعارضة وتحركات نفتالي بينت (رئيس وزراء الأسبق) ويائير لابيد وغيرهم، ما يؤكد أن المعارضة باتت من جديد تطرح نفسها من أجل إنقاذ إسرائيل، وليس فقط تغيير وضع ومكانة الحكومة، خاصة أن مكونات الائتلاف ماضية في نهجها السياسي والحزبي كما هو ولم يتغير.
التحدي الثالث: الدعم الأميركي وشخص الرئيس ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو باستكمال العملية العسكرية والذهاب إلى تحرير المحتجزين، مما يمثل تحدياً من نوع آخر أمام الجمهور الإسرائيلي، الذي يري أن القرار ليس في تل أبيب بل في واشنطن، وأن الرئيس الأميركي من يحرك الحكومة الحالية، ويعمل على توجيه مسارها، ما قد يجعل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في موقف يبدو فيه ضعيفاً.
التحدي الرابع: وجود تحفظات كبيرة داخل المستوى المدني على مسار الأوضاع في إسرائيل في الوقت الراهن، وانكفاء إسرائيل على أزمتها وعدم وجود رؤية أو مقاربة رشيدة للحكم في إسرائيل، وأن الإشكالية الرئيسية التي يطرحها الجمهور الإسرائيلي في مختلف شرائحه غياب التصور الاستباقي واعتماد إسرائيل على سياسيات وقتية، وغير صحيحة ما قد يذهب بإسرائيل إلى وضع عام غير مستقر.
التحدي الخامس: اتجاه المستوى العسكري بعد سلسلة التعيينات الأخيرة، إلى محاولة بناء تاريخ عسكري جديد لجيل من العسكريين لم يختبر في مواجهات سابقة، وهذا الجيل العسكري يسعى لتبني موجة من الأعمال العسكرية التي لن تتوقف عند غزة بل تمتد إلى مسارح عمليات أخرى في لبنان والجنوب السوري وأيضاً تجاه إيران، ما قد يمثل تحدياً جديداً تجاه ما يجري في النطاقات الاستراتيجية لإسرائيل في المديين المتوسط والطويل.
التحدي السادس: اتجاه المجتمع الدولي نحو التصعيد ضد إسرائيل كدولة وليس كحكومة، وهو ما يتجاوز اتهام إسرائيل بتجويع سكان القطاع وقتل المدنيين وعدم مراعاة ضوابط الاتفاقيات الدولية ولا قواعد القانون الدولي والقانون الإنساني، وهو ما سيزيد في الفترة المقبلة وخلال سبتمبر المقبل في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث ستواجه إسرائيل بإعصار دولي مندد بما تقوم به إسرائيل من ممارسات إجرامية في قطاع غزة.
التحدي السابع: اتجاه دول كبيرة مثل فرنسا وبريطانيا و12 دولة أوروبية للاعتراف بالدولة الفلسطينية وبرغم أن الأمر مرتبط بموقف دولي داعم للسلطة الفلسطينية الموجودة في رام الله، وبما يعرف بسلطة أوسلو فإن إسرائيل تتخوف من تأثيرات ما سيجري من تطورات دولية على الداخل الإسرائيلي، واتهام نتنياهو شخصياً بالإضرار بمصالح إسرائيل أوروبياً.
التحدي الثامن: يرتبط ذلك بما يعرف بحرب المقاطعة الدولية في مجالات عدة الأمر الذي قد يفرض على إسرائيل حرباً من نوع آخر واستمرار استهدافها سياسياً واقتصادياً، ما قد يضر بالوضع ومكانة الدولة العبرية في الخارج، ويتطلب بالفعل مراجعات في مجالات الأمن والسياسة والاستراتيجية وغيرها، خاصة أن إسرائيل عملت طوال السنوات الأخيرة على استراتيجية محددة وتوظيف إمكانياتها وتقدمها العسكري لفرض استراتيجية الأمر الواقع في الإقليم.
التحدي التاسع: تأثير ما يجري في الداخل على مكانة إسرائيل في أسواق السلاح ودعم إنتاج المجمع الصناعي العسكري باعتبار إسرائيل دولة مهمة في هذا المجال والاتجاه إلى مراجعة بعض الدولة لاستراتيجيات التعامل، ومن ثم فإن حجم التضرر سيكون كبيراً، وسيتطلب مراجعة رئيسة في هذا المجال الاستراتيجي الذي يمكن أن يؤثر على مسار التعاملات الإسرائيلية في العالم.
ويبقي التحدي الأخير متمثلاً في مخاوف إسرائيل من تبني حملة دولية متعددة الاتجاهات لنزع شرعية إسرائيل في المحافل الدولية، ما قد يمثل تخوفاً استباقياً تتعامل مع تأثيراته إسرائيل بصورة حذرة.
إسرائيل تطبق استراتيجية الدفع للأمام والانتقال لتوظيف القوة – حيث لا يوجد خيار آخر مطروح – لدى مجتمع يصر بقوة على فرض رؤيته على كل الأطراف، ونفي وجود الآخر، وفقاً لاستراتيجية نحن والأغيار، وما ينطبق على سكان القطاع والضفة قد ينطبق وبصورة أو بأخرى على باقي الإقليم.
(الاتحاد الإماراتية)