صحافة

أحزمة الأمن والتوغل في الجنوب السوري!

خالد عكاشة

المشاركة
أحزمة الأمن والتوغل في الجنوب السوري!

طوال أسابيع مضت؛ حفلت المواقع الإخبارية بتسريبات تتناول أخبار التفاهمات الأمنية التي يجري إعدادها بين إسرائيل، والنظام الجديد في سوريا. الرئيس أحمد الشرع بنفسه ألمح في أحد لقاءاته الموسعه لمجموعة من الصحفيين والكتاب العرب، بأن هذا قيد التباحث، وكانت إشارته عن ترتيبات أو تفاهمات أو اتفاقية أمنية، لم يرد تسميتها بشكل دقيق لاستشعاره قدرا من الحرج السياسي، لكنه في كل الأحوال لم ينف ما يتداول، وأن ارتفع بالسقف السوري إلى منتهاه، محيلا الأمر إلى رغبة دمشق بالعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك الموقعة بين البلدين في 1974.

وإن كان المؤكد أن الرئيس السوري يدرك أن هذا سقف لن تبلغه دمشق، وأن الحديث المتبادل بين الدولتين وتستحثهم عليه الولايات المتحدة وتركيا وبعض الدول الخليجية، يتناول اتجاهات ومستجدات أخرى. أقصى ما يمكن أن تصل إليه في أفضل أحوالها "ترتيبات أمنية" يجري صياغاتها بدقة، لارتباطها بقضايا بالغة الحساسية تتعلق بالسيادة على الأراضي والسلاح وأوضاع السكان السوريين، في النطاق الجغرافي الذي يشمله هذا الفصل من التباحث الشائك.

منتصف الأسبوع الماضي، وفي أحدث تعبير عن الموقف الإسرائيلي من سوريا تعهد وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ببقاء قوات الجيش الإسرائيلي في سوريا للدفاع عن الشمال الإسرائيلي معتبرا ذلك درسا أساسيا من أحداث السابع من أكتوبر الفلسطيني. الوزير يشير إلى تسعة مواقع ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي منذ ديسمبر 2024، يقع معظمها ضمن المنطقة العازلة التي توجد فيها الأمم المتحدة بين البلدين، وتصل في بعض نقاطها إلى أعماق تتجاوز 15 كم داخل الأراضي السورية. لذلك تمحورت الترتيبات الأمنية التي يجري الحديث بشأنها بين البلدين؛ حول "نزع السلاح" السوري بشكل كامل من جنوب دمشق وحتى السويداء، هذا يمثل نسبة كبيرة من الجنوب السوري من الناحية الجغرافية ويشمل غالبية معتبرة من السكان الدروز.

القضية الثانية التي توليها إسرائيل أهمية خاصة، هي منع تركيا من إعادة بناء الجيش السوري، من حيث تأهيل القدرات البشرية وإمداد وحداته بالأسلحة المختلفة. النقطة الثالثة اتخذت مسمى مخففا "ممر انساني" يمتد من إسرائيل وصولا إلى جبل العرب بالسويداء، بديلا عن حقيقته العملية التي تسمح للقوات الإسرائيلية بالتوغل بين الحين والآخر، واستخدام هذا الممر في دوريات أمن وأعمال استخبارات للتأكد من عدم وجود تهديدات مستقبلية تتشكل بالقرب من الحدود الإسرائيلية. في مقابل ذلك يحصل النظام السوري على تعهدات ووعود بإعادة إعمار وتأهيل الدولة السورية، من خلال مساعدات أمريكية وخليجية تضمن عودة الدولة السورية إلى التعافي من سنوات الحرب الأهلية، في غضون 10 أعوام شريطة التزامها بعدم التدخل في شئون دول الجوار بالأخص إسرائيل ولبنان.

بعد أكثر من لقاء إسرائيلي سوري، وعبر عديد الرسائل المتبادلة التي تناولت، وحملت التباحث حول هذه القضايا محل التفاهمات، مؤخرا وبحسب التكتيك الإسرائيلي التفاوضي المعتمد، ألقت إسرائيل للسوريين بعرض جانبي مكمل لهذه القضايا المثارة له علاقة بتبادل استراتيجي للأراضي، أو بمعنى أدق اختبار أولي لإمكانية إجراء "تبديل" أو "تحريك" للخرائط المرسومة بين البلدين. يتمثل المقترح الجديد الذي وصل إلى دمشق بطريقة غير مباشرة؛ أن إسرائيل يمكنها إعادة منطقة "مزارع شبعا" إلى السيادة السورية بالكامل، في مقابل اعتراف سوري نهائي بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان والتباحث حول "تقاسم" من نوع ما لـ"جبل الشيخ" الاستراتيجي.

هذه القضية التي برزت مؤخرا، ربما تتجاوز في أهميتها بالنسبة لإسرائيل جميع القضايا السابقة محل التباحث، لذلك احتفظت بها جانبا ولم تثرها إلا بعد التأكد من أن الطريق بات ممهدا على نحو ما إلى عقول وإرادة النظام السوري الجديد. "جبل الشيخ" يمثل أهم وأول موقع من المواقع التسعة التي تقدمت إليه قوات الجيش الإسرائيلي، فور سقوط نظام الأسد. وهو مشمول بما يعرف بالمنطقة ( أ ) التي كانت إسرائيل قد احتلتها في حرب يونيو 1967، وحررها الجانب السوري في بداية حرب أكتوبر 1973 لتعيد اسرائيل احتلالها والسيطرة عليها قبل نهاية الحرب، حتى تم تسليمها إلى سوريا بموجب اتفاقية فك الاشتباك الموقعة في مايو 1974. واعتبر منذ هذا التاريخ أن سوريا لها الحق في السيطرة على أراضي المنطقة ( أ) التي يقع قمة جبل الشيخ في شمالها، وجنوبا حتى منطقة الرقاد على الحدود السورية الأردنية.

إسرائيل ضغطت على الجانب الأمريكي بإلحاح استثنائي، عن أهمية النظر في هذه الصفقة الاستراتيجية لتبادل الأراضي، خاصة أن الاعلان النهائي عن ضم الجولان إلى إسرائيل بموافقة سورية، هو عمليا يضع كلمة الاعتماد والنهاية السعيدة للخطوة التاريخية التي قام بها الرئيس ترامب في ولايته الأولى، حينما اعترف منفردا بأن الجولان أرض إسرائيلية وفيما يخص "جبل الشيخ" وهو الأهم بالنسبة لإسرائيل الآن؛ تراه جائزة مستحقة لما قدمته في ضمان الانتقال والتبديل السلس للسلطة وللنظام في دمشق، وتسوق للأمر داخل أروقة الإدارة الأمريكية بأن أهمية استحواذ إسرائيل على قمة "جبل الشيخ" حتى لو تطلب الأمر تنازلا منها عن بعض الأراضي السورية، له ارتباط وثيق بمجمل "الخطة الأمريكية" المتعلقة بسوريا ولبنان.

فهذه القمة والمساحة الجغرافية التي احتلتها إسرائيل لست سنوات، وأعادت احتلالها مرتين بعد ذلك آخرها منذ ديسمبر الماضي، تعزز من قدراتها الاستراتيجية في موقع استثنائي يطل ويمتد لمساحة 300 كم في جميع الاتجاهات، يشمل سوريا ولبنان والأردن وإسرائيل. جبل الشيخ يقع بالضبط بين سوريا ولبنان، وهو سلسلة من أربع قمم جبلية الأولى 2814 مترا، والثانية إلى الغرب 2294 مترا، والثالثة جنوبا 2236 مترا، والرابعة شرقا 2145 مترا.

يكفي الاشارة إلى أن الاسم المتداول لجبل الشيخ داخل إسرائيل، "عيون الأمة" باعتباره موقعا استراتيجيا لأعمال الرصد والمراقبة، ووضع فيه لسنوات أنظمة "الإنذار المبكر" الاستراتيجية الأساسية لإسرائيل. وهي اليوم بعد أن قامت بإعادة احتلاله تسوق لأن تدخله ليس في الترتيبات والتفاهمات مع دمشق، بل ليكون في صلب الترتيبات الأمنية الأمريكية المتعلقة بلبنان وسوريا وإيران، فالتسويات السياسية تحتاج بالضرورة إلى سياج أمني يحميها ويعزز من قدراتها على الاستدامة.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن