صحافة

وفد أمريكي في بيروت بمضمون إسرائيلي وأسلوب ترامبي

زياد ماجد

المشاركة
وفد أمريكي في بيروت بمضمون إسرائيلي وأسلوب ترامبي

شكّلت زيارة الوفد الأمريكي إلى بيروت في الأسبوع الأخير من شهر آب/أغسطس 2025 حدثاً بارزاً لما حملته من رسائل سياسية، ولما أبرزته من مستوى شديد التدنّي أسلوباً ومضموناً للموفدين الأمريكيين. ويمكن القول إن الوفد قدّم ثلاثة نماذج في الخطاب والمظهر، تُجسّد جميعها جوانب من ثقافة إدارة الرئيس دونالد ترامب وعلاقتها بالشأن "الشرق أوسطي".

النموذج الأوّل، عبّر عنه عضو مجلس الشيوخ عن ولاية كارولانيا الجنوبية ليندسي غراهام، وهو سياسي عريق في الحزب الجمهوري وفي الحياة العامة في أمريكا وله خبرة ربع قرن في الانتخابات والتفاوض والعمل ضمن لجان الرقابة. وإذ يُعدّ محافظاً تقليدياً في الشؤون الداخلية الأمريكية، فهو محسوب على التيّار المتطرّف في دعم إسرائيل في السياسة الخارجية. وتصريحاته بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 تُعدّ إباديّة، إذ طالب بعدم تكبيل يدَي بنيامين نتنياهو وبدعم تل أبيب في التعامل مع غزة على نحو مماثل "لما تعاملت به واشنطن مع هيروشيما وناغازاكي".

وهو كان من بين الداعين إلى معاقبة المحكمة الجنائية الدولية بسبب مذكّرات التوقيف التي أصدرتها بحقّ نتنياهو ووزير دفاعه السابق يؤاف غالانت. كما أنه سبق وشتم محكمة العدل الدولية ورئيسها نواف سلام واتّهم الأخير بمعاداة السامية، قبل أن يلتقي به قبل أيام بوصفه رئيس حكومة لبنان! ولا مبالغة في القول إن تصريحات غراهام في بيروت كانت تصريحات إسرائيلية، من دون أدنى تعديل في اللهجة والمفردات، ومن دون أدنى إخراج لفظي أو تدوير زوايا، بما قلّص كل هامش تفاوض وجعل المهمّة الأمريكية تبدو تعبيراً عن إملاءات نتنياهو الذي لزّمه ترامب ملفّ غزة قبل فترة، ويبدو أنه في طريقه لتلزيمه ملفّ لبنان إن كان "نجاحه" فيه مضموناً.

النموذج الثاني، عبّرت عنه الموفدة مورغان أورتاغوس، العضوة بدورها في الحزب الجمهوري في ولاية فلوريدا، والناطقة السابقة باسم وزارة الخارجية خلال ولاية ترامب الأولى والداعمة بدورها لإسرائيل لأسباب إيديولوجية، على ما تقول. وأورتاغوس تعمل على مستويَين. مستوى علاقات عامة ولقاءات مع رجال أعمال يرتبطون بشبكة المصرفي أنطون صحناوي، الذي ظهر معها في أكثر من مناسبة، آخرها خلال حفلة موسيقية في واشنطن لأوبرا إسرائيلية تبرّع لها صحناوي بمبلغ مالي لم يُفصَح عنه. وهي في لقاءاتها تروّج لخيارات إقتصادية "إنقاذية" للبنان لا تتطلّب تفاهمات إلزامية مع المؤسسات الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد) أي لا تستوجب الإصلاحات المطلوبة كشرط للمساعدات والدعم، مكرّرة نفس منطق صحناوي وشركائه في جمعية المصارف، في تناغم جزئي أيضاً مع حاكم مصرف لبنان.

ومستوى عملها الثاني، هو أقرب إلى صناعة الصورة، أو بروباغاندا "القوة الناعمة"، بحيث تبدو في ما تسرّبه عن زياراتها وأنشطتها وقصّ شعرها أقرب إلى "المؤثِرة" (الإنفلوَنسر) في تيك توك أو وسائل التواصل الاجتماعي منها إلى الديبلوماسية. وهي في ذلك تمرّر مواقفها الحادة على نحو "لطيف" و"أنيق"، لا شكّ أنه يعجب جزءاً غير قليل من الجمهور اللبناني، المأخوذ بأسلوبها في الترويج لنفسها في الفضاء العام لأسباب عديدة، ليس العداء لحزب الله ولسلوكيّاته سوى واحدٍ منها.

أما الخطاب الثالث، الذي بدا لأشهر سابقة الأكثر ديبلوماسية ورصانة، فهو خطاب توماس باراك، الملياردير الأمريكي والمستثمر في المجال العقاري، والصديق الشخصي لدونالد ترامب (ولعدد من المسؤولين الإماراتيين). وباراك ليس متفرّغاً للسياسة، لكنه درس الحقوق، ودعم مالياً حملتَي ترامب الانتخابيّتين، ولعب أدوارَ وساطاتٍ في ولاية ترامب الأولى، لا سيما في دول الخليج، على اعتبار أنه "يفهم الثقافة هناك"، لكونه يتحدّر من عائلة لبنانية الأصل هاجرت مطلع القرن الماضي إلى الولايات المتحدة واستقرّت في كاليفورنيا.

على أن باراك كشّر عن أنيابه هذه المرة. فإضافة إلى التحاقه بخطاب غراهام الإسرائيلي، تصرّف على نحو فظّ بعيداً عن كل أصول ديبلوماسية، حيث وبّخ الصحافيين والصحافيّات وطلب منهم الالتزام بالسلوك "الحضاري" مهدّداً بالانسحاب إن استمرّ ما سمّاه بالسلوك "الحيواني" (أنيماليستيك). الأنكى، أن الرجل أفصح مباشرة بعد ذلك عن رأيه بارتباط مشاكل لبنان والمنطقة ككلّ (التي تضطرّه للعمل!) بهذا السلوك، مكرّراً لازمة بليدة، تتردّد في بعض الأوساط في لبنان نفسه، مفادها أن "الحضارة" ترتبط بالوقوف صفّاً واحداً و"احترام الدور" في الكلام وغير ذلك من أقاويل توضع في موقع المقارنة الدونية عادة مع "إسرائيل الحضارية" ومع الغرب المنضبطة مجتمعاته كعقارب الساعة…

وإذ رشحت عن باراك في "خطبة الحيونة" التي ألقاها قبل مؤتمره الصحافي فوقيةٌ ذكّرت مراقبين بالسلوك العنصري أو الاستعماري، فات هؤلاء أن باراك يقلّد كذلك دونالد ترامب الذي يوبّخ الصحافيين دورياً لطرحهم الأسئلة في نفس الوقت، ويتّهم عدداً منهم بالدجل، ويعدّ مراسلي شبكة "سي إن إن" مزوّرين للحقائق، ويشبّه في خطابات رسمية كثيرة له بشراً بالحيوانات (المهاجرين المكسيكيين بخاصة). ومن غير المستغرب بالتالي أن يعبرّ صديق مقرّب إليه عن الثقافة العنصرية وأن يلجأ إلى المصطلحات الرقيعة إياها.

هكذا، تحوّلت زيارة كانت مُنتظرة سياسياً مِن استحقاقٍ يدعم مسار استقرارٍ منشود ويُظهر جدّية أمريكية في الوصول إلى حلّ يتمثّل بالضغط على إسرائيل لبدء انسحابها من المناطق التي احتلّتها جنوباً وكفّ اعتداءاتها على البلد بعد أن أقرّت الحكومة اللبنانية مبدأ حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها المعنية، وبعد أن نفّذ الجيش واليونيفل عشرات المهام لتفكيك ما تبقى من أسلحة لحزب الله جنوب الليطاني، تحوّلت الزيارة إذن، إلى لحظة توتّر شديد ونقلٍ لشروط إسرائيلية يستحيل السير بها رغم موازين القوى الراهنة (التي فرضتها "حرب الإسناد" واتفاق وقف إطلاق النار العام 2024)، ويستحيل في أي حال ترجمتها ميدانياً إلاّعبر صدامٍ داخلي لا يمكن لا للجيش ولا لـ"حزب الله" خوضه.

وهكذا أيضاً، صارت الوساطات الأمريكية اليوم معدومة التمايز عن المواقف الإسرائيلية، وبات التعويل على واشنطن للضغط على إسرائيل للانسحاب الكامل أو التدريجي ووقف الجرائم تعويل بلا رصيد، سيؤجّل على الأرجح الكثير من الاستحقاقات اللبنانية أو لنقل سيجعلها بلا روزنامة واضحة.

وكلّ هذا يعني من جهة أُخرى أن على المسؤولين اللبنانيين، وفي طليعتهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، التحرّك خارجياً، بموازاة الحوار الداخلي، وفق مقاربة ديبلوماسية جديدة، لمحاولة توسيع الهامش الشديد الضيق الذي وضعت واشنطن لبنان فيه، والبحث عن تفاهمات سياسية واقتصادية عربية وأوروبية (وعن وساطات مع الأمريكيين لتليين موقفهم) تُعين على مواجهة التهديدات الإسرائيلية، في انتظار ما قد تحمله التطوّرات الكبرى في المنطقة والعالم.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن