اقتصاد ومال

زِراعَةُ الـ"سْتيفيا"! اسْتراتيجِيَّةٌ واعِدَةٌ لِتَقْليلِ فَجْوَةِ اسْتيرادِ السُّكَّرِ وَتَرْشيدِ الرّيِّ في المِنْطَقَةِ العَرَبيّة

الـ"سْتيفيا" (Stevia) مِنَ النَّباتاتِ العُشْبِيَّةِ التي اكْتَسَبَتْ اهْتِمامًا صِحِّيًّا واقْتِصادِيًّا في السَّنَواتِ الأَخيرَةِ نَظَرًا لِقُدْرَتِها على إِنْتاجِ السُّكَّرِ مُنْخَفِضِ الطّاقَةِ مِمّا يَجْعَلُها بَديلًا مُهِمًّا وَصِحِّيًّا وَطَبيعِيًّا لِلسُّكَّرِ التَّقْليدِيِّ المُسْتَخْرَجِ مِنْ قَصَبِ السُّكَّرِ وَبَنْجَرِ السُّكَّر، وَذَلِكَ في ظِلِّ الِاتِّجَاهِ العالَمِيِّ نَحْوَ اسْتِخْدامِ المُسْتَخْلَصاتِ الطَّبيعِيَّةِ التي تُحافِظُ على الصِّحَّةِ العامَّةِ خاصَّةً مَعَ انْتِشارِ مَرَضِ السُّكَّرِيِّ والسِّمْنَةِ المُفْرِطَة.

زِراعَةُ الـ

تَعودُ أُصولُ نَباتِ السْتيفيا إلى المَناطِقِ شِبْهِ الاسْتِوائِيَّةِ في أَميرْكا الجَنوبِيَّةِ حَيْثُ تُسْتَخْدَمُ أَوْراقُهُ لِتَحْلِيَةِ الأَغْذِيَةِ والمَشْروباتِ مُنْذُ مِئاتِ السِّنينَ وَذَلِكَ لاحْتِوائِها على مُرَكَّباتٍ طَبيعِيَّةٍ تُعْرَفُ بِاسْمِ "سْتيفيول غْليكوزيداتْ" والتي تَكونُ أَكْثَرَ حَلاوَةً مِنَ السُّكَّرِ التَّقْليدِيِّ بِما يَتَراوَحُ ما بَيْنَ 200 و300 مَرَّةٍ مِنْ دونِ سُعُراتٍ حَرارِيَّةٍ مِمّا يَجْعَلُها خِيارًا مُمْتازًا لِمَنْ يُعانونَ مِنِ ارْتِفاعِ مُسْتَوَياتِ السُّكَّرِ في الدَّمِ أَوِ الذين يَتَّبِعونَ حِمْياتٍ غِذائِيَّةً، كَما يُساعِدُ السْتيفيا على الهَضْم، وَيُحافِظُ على مُواصَفاتِهِ عِنْدَ دَرَجَةِ الحَرارَةِ المُرْتَفِعَةِ في عَمَلِيّاتِ الطَّهْي.

وَيَتَمَيَّزُ نَباتُ السْتيفيا بِخَصائِصَ زِراعِيَّةٍ واقْتِصادِيَّةٍ تَجْعَلُ مِنْهُ مَحْصولًا واعِدًا، فَهُوَ يَتَمَيَّزُ بِارْتِفاعِ الإِنْتاجِيَّةِ مُقارَنَةً بِمَحاصيلِ السُّكَّرِ التَّقْليدِيَّةِ حَيْثُ تُشيرُ الدِّراساتُ إلى أَنَّ الفَدّانَ الواحِدَ مِنَ السْتيفيا يُنْتِجُ مادَّةَ تَحْلِيَةٍ تُعادِلُ إِنْتاجِيَّةَ حَوالَيْ 27 فَدّانًا مِنْ قَصَبِ السُّكَّرِ وَ81 فَدّانًا مِنَ البَنْجر. بِالإِضافَةِ إلى ذَلِكَ تَحْتاجُ السْتيفيا إلى كَمِيّاتٍ أَقَلَّ بِكَثيرٍ مِنْ مِياهِ الرَّيِّ مُقارَنَةً بِتِلْكَ المَحاصيلِ التَّقْليدِيَّةِ حَيْثُ يَحْتاجُ فَدّانُ قَصَبِ السُّكَّر إلى حَوالَيْ 10 إلى 12 أَلْفَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ مِنَ المِياهِ سَنَوِيًّا، بَيْنَما يَحْتاجُ فَدّانُ بَنْجرِ السُّكَّرِ إلى حَوالَيْ 4 إلى 5 آلافِ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ مِنَ المِياه، في حينِ يَحْتاجُ فَدّانُ السْتيفيا إلى ما بَيْنَ 2000 وَ3000 مِتْرٍ مُكَعَّبٍ وَذَلِكَ في حالِ اسْتِخْدامِ نُظُمِ الرَّيِّ التَّقْليدِيَّة.

الستيفيا تُساهم في زيادة الرقعة الزراعية في الدول العربية التي تعاني أغلبها من الجفاف

بَيْنَما تَقِلُّ كَمِيّاتُ المِياهِ في حالِ اسْتِخْدامِ نُظُمِ الرَّيِّ الحَديثَةِ بِنِسَبٍ تَتَراوَحُ ما بَيْنَ 50 وَ60 في المائَةِ مِثْلَ نِظامِ الرَّيِّ بِالتَّنْقيط، وَهُوَ عامِلٌ مُهِمٌّ في المَناطِقِ الجافَّةِ وَشِبْهِ الجافَّةِ التي تُمَيِّزُ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّة.

وَمِنْ هُنا يُمْكِنُ أَنْ تَلْعَبَ السْتيفيا دَوْرًا في دَعْمِ القِطاعِ الزِّراعِيِّ العَرَبِيِّ مِنْ خِلالِ دَمْجِها ضِمْنَ نُظُمٍ زِراعِيَّةٍ أَكْثَرَ تَنَوُّعًا وَتَوازُنًا تَعْتَمِدُ على أَحْدَثِ الأَساليبِ الزِّراعِيَّةِ التي تُحافِظُ على التُّرْبَةِ وَتَعْمَلُ على تَرْشيدِ مِياهِ الرَّيِّ والطّاقَة.

وَأَظْهَرَتْ أَيْضًا العَديدُ مِنَ الدِّراساتِ أَنَّ السْتيفيا يُمْكِنُ زِراعَتُهُ في الأَراضي مُنْخَفِضَةِ الخُصوبَةِ التي لا تُناسِبُ المَحاصيلَ التَّقْليدِيَّةَ ما يُتيحُ فُرَصًا واعِدَةً لِاسْتِغْلالِ تِلْكَ الأَراضي في زِيادَةِ الرُّقْعَةِ الزِّراعِيَّةِ في الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ التي تُعاني أَغْلَبُها مِنَ الجَفافِ وَنَقْصٍ في الخُصوبَةِ وَنُدْرَةِ المِياهِ وارْتِفاعِ دَرَجَةِ الحَرارَة.

وَما يَجْعَلُ النَّباتَ صالِحًا لِلبيئاتِ العَرَبِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ زِراعَتُهُ في الأَراضي جَيِّدَةِ التَّصْريفِ لِلْمْياه حَيْثُ يُمْكِنُ زِراعَتُهُ في التُّرْبَةِ الرَّمْلِيَّةِ المُنْتَشِرَةِ في مِنْطَقَتِنا مَعَ إِضافَةِ السَّمادِ العُضْوِيّ.

وَتَصِلُ إِنْتاجِيَّةُ الفَدّانِ الواحِدِ مِنَ السْتيفيا إلى حَوالَيْ  1 طن إلى 3 أَطْنانٍ مِنَ الأَوْراقِ المُجَفَّفَةِ التي يَصِلُ سِعْرُ الكيلوغْرامِ الواحِدِ مِنْها عالَمِيًّا إلى حَوالَيْ 10 دولاراتٍ أَيْ أَنَّ الفَدّانَ الواحِدَ يُنْتِجُ ما قيمَتُهُ 10 آلافِ إلى 30 أَلْفَ دولارٍ سَنَوِيًّا مِنَ الأَوْراقِ فَقَط، وَيُمْكِنُ زِيادَةُ قيمَتِها التَّسْويقِيَّةِ إلى أَضْعافِ تِلْكَ القيمَةِ في حالِ دُخولِها في صِناعَةِ العَديدِ مِنَ المُنْتَجاتِ مِثْلَ السُّكَّرِ عَديمِ السُّعُراتِ الحَرارِيَّةِ والمُسْتَخْلَصاتِ عَديمَةِ الطّاقَةِ مِثْلَ النَّكَهاتِ الطَّبيعِيَّةِ التي تُسْتَخْدَمُ في صِناعَةِ الأَغْذِيَةِ المُعَلَّبَةِ والمَخْبوزاتِ التي تُسَوَّقُ كَخِياراتٍ صِحِّيَّةٍ وَكَذَلِكَ المُحَلِّياتِ الطَّبيعِيَّةِ لِلمَشْروباتِ والحَلَوِيّاتِ وَأَقْراصِ التَّحْلِيَةِ الدّايِتْ والمُسْتَخْلَصاتِ الدَّوائِيَّة.

وَيُشارُ إلى أَنَّ حَجْمَ السُّوقِ العالَمِيِّ لِلسْتيفيا وَمُنْتَجاتِها وَصَلَ إلى حَوالَيْ 879 مِلْيونَ دولارٍ عامَ 2024 وَمِنَ المُتَوَقَّعِ نُمُوُّهُ إلى 1.86 مِلْيارِ دولارٍ سَنَوِيًّا بِحُلولِ عامِ 2032.

هناك حاجة ماسّة لزيادة الاستثمارات في البحث العلمي

وَلَقَدْ بَدَأَتْ بَعْضُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ في الاهْتِمامِ بِهَذا المَحْصولِ غَيْرِ التَّقْليدِيِّ والذي يُناسِبُ الظُّروفَ البيئِيَّةَ العَرَبِيَّةَ مِنْ حَيْثُ المُناخِ وَطَبيعَةِ التُّرْبَةِ الصَّحْراوِيَّةِ وَنُدْرَةُ المِياه، فَقامَتِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعودِيَّة بِزِراعَةِ السْتيفيا في مِنْطَقَتَيْ نَجْرانَ والخَرْج، كَما نَجَحَتْ مِصْرُ في زِراعَتِهِ في المَناطِقِ الصَّحْراوِيَّةِ المُسْتَصْلَحَةِ حَديثًا مِثْلَ سَهْلِ البَرَكَةِ في الوادي الجَديد.

بِدَوْرِها، بَدَأَتِ المَغْرِبُ في زِراعَةِ السْتيفيا ضِمْنَ خُطَّةِ التَّنَوُّعِ الزِّراعِيِّ في المَناطِقِ شِبْهِ الجافَّة. كَما اتَّجَهَتِ الإِماراتُ إلى زِراعَةِ السْتيفيا ضِمْنَ مَشاريعِ الزِّراعَةِ الحَديثَةِ كَمَشْروعٍ اسْتراتيجِيٍّ يُناسِبُ طَبيعَةَ الظُّروفِ البيئِيَّةِ وَيُوَفِّرُ فُرَصًا تَصْديرِيَّةً واعِدَة.

وَمَعَ ذَلِكَ ما زالُ هُناكَ العَديدُ مِنَ التَّحَدِّياتِ التي تُواجِهُ التَّوَسُّعَ في زِراعَةِ السْتيفيا في المِنْطَقَة، مِثْلَ نَقْصِ الوَعْيِ بَيْنَ المُزارِعِينَ بِأَهَمِّيَّةِ هَذا المَحْصولِ وَأَساليبِ زِراعَتِهِ والظُّروفِ اللّازِمَةِ لِنُمُوِّه، وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلى قِلَّةِ الخِبْراتِ الفَنِّيَّةِ والإِرْشادِيَّةِ بِالإِضافَةِ إلى عَدَمِ تَوَفُّرِ قاعِدَةٍ عِلْمِيَّةٍ وَبَحْثِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٍ في هَذا المَجال، والأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ تَوَفُّرِ التِّكْنولوجْيا المُتَقَدِّمَةِ لِعَمَلِيّاتِ التَّصْنيعِ والتَّداوُلِ لِهَذا المَحْصولِ الذي يَحْتاجُ إلى تِقْنِيّاتٍ مُتَقَدِّمَةٍ وَدَقيقَة، وَكَذَلِكَ قِلَّةِ الخِبْراتِ الفَنِّيَّةِ المُدَرَّبَةِ على إِنْتاجِ مُنْتَجاتٍ ذاتِ جَوْدَةٍ عالِيَةٍ تُنافِسُ في الأَسْواقِ العالَمِيَّة.

المنطقة العربية مؤهلة لأن تكون مُنتجة ومُصدّرة لهذا المحصول الواعد

وَلِذا فَإِنَّ هُناكَ حاجَةً ماسَّةً لِزِيادَةِ الاسْتِثْماراتِ في البَحْثِ العِلْمِيِّ والتَّصْنيعِ في هَذا المَجالِ مِنْ خِلالِ التَّعاوُنِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الحُكوماتِ العَرَبِيَّةِ لِلتَّغَلُّبِ على التَّحَدِّياتِ التَّنْظيمِيَّةِ والتَّشْريعِيَّةِ خاصَّةً تِلْكَ المُتَعَلِّقَةَ بِسَلامَةِ الغِذاءِ وَتَرْخيصِ المُنْتَجاتِ الجَديدَةِ والتي تَخْتَلِفُ مِنْ دَوْلَةٍ إلى أُخْرى.

إِنَّ ظُروفَ البيئَةِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ مُلائِمَةٌ تَمامًا لِزِراعَةِ السْتيفيا، وَلِذا يَجِبُ الاهْتِمامُ بِهَذا المَحْصول، خاصَّةً في ظِلِّ الطَّلَبِ المُتَزايِدِ على البَدائِلِ الصِّحِّيَّةِ لِلسُّكَّرِ في الأَسْواقِ الأوروبِيَّةِ والآسِيَوِيَّةِ القَريبَةِ مِنَ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ المُؤَهَّلَةِ لِأَنْ تَكونَ مُنْتِجَةً وَمُصَدِّرَةً لِهَذا المَحْصولِ الواعِد.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن