اقتصاد ومال

"فَخُّ الدُّيون" في العالَمِ العَرَبي!حينَ تَبْتَلِعُ الفَوائِدُ مُسْتَقْبَلَ الدَّوْلَةِ والمُواطِن

لَمْ يَعُدِ الدَّيْنُ العامُّ في الكَثيرِ مِنَ البُلدانِ العَرَبِيَّةِ مُجَرَّدَ أَداةٍ لِتَمْويلِ العَجْزِ أَوْ مُواجَهَةِ الأَزَماتِ الطّارِئَة، بَلْ تَحَوَّلَ تَدْريجِيًّا إلى مَنْظومَةٍ قائِمَةٍ بِذاتِها تُعيدُ تَشْكيلَ الميزانِيّاتِ والِاقْتِصاداتِ والسِّياساتِ الاجْتِماعِيَّة. وَفي وَقْتٍ تَتَراجَعُ فيهِ الاسْتِثْماراتُ المُنْتِجَةُ وَتَتَباطَأُ مُعَدَّلاتُ النُّمُوّ، تَبْتَلِعُ خِدْمَةُ الدَّيْنِ جُزْءًا مُتَزايِدًا مِنَ الإِنْفاقِ العام، وَتُصْبِحُ الفَوائِدُ بَنْدًا يَتَقَدَّمُ على التَّعْليمِ والصِّحَّةِ والدَّعْمِ الاجْتِماعِيّ.

في السَّنَواتِ الأَخيرَة، شَهِدَتِ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ تَصاعُدًا غَيْرَ مَسْبوقٍ في مُسْتَوَياتِ الدَّيْنِ العام، سَواءَ الداخِليِّ أَوْ الخارِجِيّ، بِالتَّوازي مَعَ ارْتِفاعِ تَكْلِفَةِ خِدْمَتِهِ نَتيجَةَ مَوْجَةِ رَفْعِ مُعَدَّلاتِ الفائِدَةِ عالَمِيًّا. بَيْنَما تَجاوَزَ الدَّيْنُ العامُّ في بَعْضِ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ 90 في المِئَةِ مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيّ، وَصَلَ في بُلْدانٍ أُخْرى إلى مُسْتَوَياتٍ خَطِرَة، كَما في الجُمْهورِيَّةِ اللُّبْنانِيَّةِ وَجُمْهورِيَّةِ السّودانِ وَمَمْلَكَةِ البَحْرَيْن، حَيْثُ تَتَجاوَزُ النِّسَبُ 140 في المِئَة في بَعْضِ الحالات، ما يَجْعَلُ الِاقْتِصاداتِ أَكْثَرَ هَشاشَةً أَمامَ أَيِّ صَدْمَةٍ مالِيَّةٍ أَوْ نَقْدِيَّة.

تحوّل الدَّين من وسيلة مؤقتة للإنقاذ إلى "إدمان مالي"

لَكِنَّ المُشْكِلَةَ الحَقيقِيَّةَ لَمْ تَعُدْ في حَجْمِ الدَّيْنِ وَحْدَه، بَل في تَكْلِفَةِ خِدْمَتِه. إذ تَسْتَهْلِكُ مَدْفوعاتُ الفَوائِدِ في عَدَدٍ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ نِسْبَةً ضَخْمَةً مِنَ الميزانِيّاتِ العامَّة، وَفي بَعْضِ الحالاتِ تَقْتَرِبُ مِنْ ثُلُثِ الإِنْفاقِ الحُكومِيّ. وَمَعَ ارْتِفاعِ مُعَدَّلاتِ الفائِدَةِ العالَمِيَّةِ مُنْذُ عامِ 2022، تَضاعَفَتْ فاتورَةُ خِدْمَةِ الدَّيْن، خُصوصًا لِلبُلْدانِ ذاتِ التَّصْنيفِ الائْتِمانيِّ المُتَدَنّي أَوْ العُمُلاتِ الضَّعيفَة، ما أَدّى إلى تَآكُلِ القُدْرَةِ على الإِنْفاقِ الاجْتِماعيِّ والاسْتِثْمارِيّ.

وَتُشيرُ تَقْديراتٌ مالِيَّةٌ دَوْلِيَّةٌ إلى أَنَّ بُلْدانًا نامِيَةً عَديدَة، مِنْ بَيْنِها بُلْدانٌ عَرَبِيَّة، باتَتْ تُنْفِقُ على خِدْمَةِ الفَوائِدِ أَكْثَرَ مِمّا تُنْفِقُ على قِطاعاتٍ حَيَوِيَّةٍ مِثْلَ الصِّحَّةِ أَوِ التَّعْليم، في ظاهِرَةٍ تَعْكِسُ تَحَوُّلَ الدَّيْنِ مِنْ وَسيلَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لِلإِنْقاذ إلى "إِدْمانٍ مالِيٍّ" مُزْمِن. فَالحُكوماتُ تَقْتَرِضُ لِتَسْديدِ دُيونٍ سابِقَة، وَتُعيدُ التَّمْويلَ بِشُروطٍ أَكْثَرَ تَكْلِفَة، وَتَدْخُلُ في حَلْقَةٍ مُفْرَغَةٍ تَجْعَلُ خِدْمَةَ الدَّيْنِ تَتَضَخَّمُ عامًا بَعْدَ عام.

تَتَفاقَمُ هَذِهِ الحَلْقَةُ بِفِعْلِ ثَلاثَةِ عَوامِلَ رَئيسِيَّة: أَوَّلُها الفائِدَةُ المُرَكَّبَةُ التي تَرْفَعُ التَّكْلِفَةَ الفِعْلِيَّةَ لِلدَّيْنِ بِمُرورِ الوَقْت، وَثانيها تَراجُعُ قيمَةِ العُمُلاتِ المَحَلِّيَّةِ أَمامَ الدّولار، ما يُضاعِفُ عِبْءَ الدُّيونِ الخارِجِيَّة، وَثالِثُها اسْتِمْرارُ التَّمْويلِ بِالعَجْز، إِذْ يَجْري الاقْتِراضُ لِتَغْطِيَةِ النَّفَقاتِ الجارِيَةِ لا لِلِاسْتِثْمارِ المُنْتِج.

الخطر الحقيقي يكمن في الجمع بين الدَّين الخارجي والداخلي من دون استراتيجية إدارة واضحة

في هَذا السِّياق، يَبْرُزُ سُؤالٌ جَوْهَرِيّ: أَيُّهُما أَخْطَرُ على الاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّة، الدَّيْنُ الخارِجِيُّ أَمِ الدّاخِلِيّ؟ الدَّيْنُ الخارِجِيُّ يَرْتَبِطُ بِالعُمُلاتِ الأَجْنَبِيَّةِ وَيُعَرِّضُ البُلْدانَ إلى مَخاطِرِ تَقَلُّباتِ السّوقِ العالَمِيَّةِ وَشُروطِ المُؤَسَّساتِ المالِيَّةِ والدائِنين، بَيْنَما يُزاحِمُ الدَّيْنُ الدّاخِلِيُّ القِطاعَ الخاصَّ على السُّيولَةِ وَيَرْفَعُ مُعَدَّلاتِ الفائِدَةِ المَحَلِّيَّة، ما يَحُدُّ مِنَ الاسْتِثْمارِ وَيُبْطِئُ النُّمُوّ. والخَطَرُ الحَقيقِيُّ لا يَكْمُنُ في أَحَدِهِما مُنْفَرِدًا، بَل في الجَمْعِ بَيْنَهُما مِنْ دونِ اسْتْراتيجِيَّةِ إِدارَةٍ واضِحَة.

أَمّا على مُسْتَوى المُواطِن، فَالدَّيْنُ لَيْسَ مَفْهومًا مُجَرَّدًا. هُوَ يُتَرْجَمُ عَمَلِيًّا إلى ضَرائِبَ أَعْلى، وَإِعاناتٍ أَقَلّ، وَخِدْماتٍ عامَّةٍ أَضْعَف. كُلَّما ارْتَفَعَتْ خِدْمَةُ الدَّيْن، تَقَلَّصَتْ قُدْرَةُ الدَّوْلَةِ على تَمْويلِ التَّعْليمِ والصِّحَّةِ والبُنْيَةِ التَّحْتِيَّة، وَتَزايَدَ الِاعْتِمادُ على الضَّرائِبِ غَيْرِ المُباشِرَةِ التي تَطالُ الفِئاتِ الأَكْثَرَ هَشاشَة.

وَمِنْ بَيْنِ السِّياساتِ التي تَلجَأُ إِلَيْها بَعْضُ الدُّوَلِ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ ضَغْطِ الدَّيْن، الخَصْخَصَةُ وَبَيْعُ الأُصولِ العامَّة. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الخُطْوَةَ تَبْقى سِلاحًا ذا حَدَّيْن: قَدْ تُساعِدُ في تَخْفيضِ الدَّيْنِ إِذا اسْتُخْدِمَتْ لِإِعادَةِ هَيْكَلَةِ الاقْتِصادِ وَتَحْفيزِ الاسْتِثْمار، لَكِنَّها قَدْ تَتَحَوَّلُ إلى تَفْريطٍ إِذا جَرَتْ فَقَطْ لِتَسْديدِ الفَوائِدِ مِنْ دونِ مُعالَجَةِ أَصْلِ المُشْكِلَة، ما يَعْني خَسارَةَ مَصادِرِ دَخْلٍ مُسْتَقْبَلِيَّة.

الدَّين يتحوّل من أداة مالية إلى نمط حوكمة اقتصاديّة

المُشْكِلَةُ الأَعْمَقُ تَكْمُنُ في غِيابِ الشَّفافِيَّةِ الكامِلَةِ في إِدارَةِ الدَّيْنِ في عَدَدٍ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّة. فَالتَّكْلِفَةُ الحَقيقِيَّةُ لا تَكونُ دائِمًا واضِحَة، وَآجالُ الاسْتِحْقاقِ قَدْ تَكونُ غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ لِلرَّأْيِ العام، كَما أَنَّ الدُّيونَ شِبْهَ الحُكومِيَّةِ أَوِ المَضْمونَةَ لا تَظْهَرُ دائِمًا في الحِساباتِ الرَّسْمِيَّة. وَهَذا الغُموضُ يَجْعَلُ المُواطِنَ غَيْرَ قادِرٍ على تَقْديرِ حَجْمِ العِبْءِ الذي سَيَرِثُهُ مُسْتَقْبَلًا.

مَعَ مُرورِ الوَقْت، يَتَحَوَّلُ الدَّيْنُ مِنْ أَداةٍ مالِيَّةٍ إلى نَمَطِ حَوْكَمَةٍ اقْتِصادِيَّة. عِنْدَما يُصْبِحُ النُّمُوُّ مُعْتَمِدًا على الاقْتِراض، والإِنْفاقُ العامُّ مُرْتَبِطًا بِالتَّمْويلِ الخارِجِيّ، والاسْتِقْرارُ السِّياسِيُّ مَرْهونًا بِإِعادَةِ تَمْويلٍ مُسْتَمِرَّة، يُصْبِحُ الدَّيْنُ جُزْءًا مِنْ بُنْيَةِ إِدارَةِ الدَّوْلَة، لا مُجَرَّدَ بَنْدٍ في الميزانِيَّة.

التحوّل نحو اقتصاد منتج يبقى العامل الأكثر حسمًا في كسر حلقة الديون

غَيْرَ أَنَّ الخُروجَ مِنْ هَذا الفَخِّ لَيْسَ مُسْتَحيلًا. تُؤَكِّدُ التَّجارِبُ الدَّوْلِيَّةُ أَنَّ المُعالَجَةَ تَبْدَأُ بِإِصْلاحِ هَيْكَلِ الإِنْفاقِ العام، والحَدِّ مِنَ المَشاريعِ غَيْرِ المُنْتِجَة، وَتَوْجيهِ الدَّعْمِ إلى الفِئاتِ المُسْتَحِقَّة، وَتَوْسيعِ القاعِدَةِ الضَّريبِيَّةِ بِطَريقَةٍ عادِلَةٍ لا تُثْقِلُ كاهِلَ الطَّبَقاتِ الوُسْطى والفَقيرَة. كَذَلِكَ يَبْقى التَّحَوُّلُ نَحْوَ اقْتِصادٍ مُنْتِجٍ مُسْتَنِدٍ إلى الصِّناعَةِ والتَّصْديرِ والتِّكْنولوجْيا العامِلَ الأَكْثَرَ حَسْمًا في كَسْرِ حَلْقَةِ الدُّيون.

تَسْتَطيعُ الاقْتِصاداتُ التي تَنْمو إِنْتاجِيًّا تَسْديدَ دُيونِها، بَيْنَما تَظَلُّ الاقْتِصاداتُ التي تَنْمو عَبْرَ الاسْتِدانَةِ فَقَطْ رَهينَةَ الفَوائِد. وَفي العالَمِ العَرَبِيّ، حَيْثُ تَتَزايَدُ التَّحَدِّياتُ المالِيَّةُ والاجْتِماعِيَّة، لَمْ يَعُدِ السُّؤالُ كَمْ يَبْلُغُ حَجْمُ الدَّيْن، بَل إلى أَيِّ مَدًى أَصْبَحَ يَتَحَكَّمُ في خِياراتِ الدَّوْلَةِ وَمُسْتَقْبَلِ مُواطِنيها؟.

عِنْدَ هَذِهِ النُّقْطَة، يُصْبِحُ الدَّيْنُ أَكْثَرَ مِنْ رَقْم... يُصْبِحُ سِياسَة. وَحينَ تَتَحَوَّلُ الفَوائِدُ إلى بَنْدٍ دائِمٍ يَتَقَدَّمُ على التَّنْمِيَة، يُصْبِحُ السُّؤالُ الحَقيقِيّ: مَنْ يُديرُ الدَّوْلَة... الميزانِيَّةُ أَمْ جَداوِلُ التَّسْديد؟.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن