الإِنْسانُ "المُشَبَّكُ" هُوَ الإِنْسانُ المُتَّصِلُ بِالشَّبَكَةِ العَنْكَبوتِيَّةِ اتِّصالًا يَكادُ يَكونُ اتِّصالًا قَسْرِيًّا وَلِذَلِكَ فَهُوَ، كَما أُعَبِّرُ عَنْه، "مُشَبَّكٌ" نِسْبَةً إلى الوُجودِ داخِلَ الشَّبَكَةِ أَوِ الواقِعِ فيها. أَعْتَذِرُ عَنْ هَذِهِ الفَذْلَكَةِ التي أَجِدُني مُضْطَرًّا إِلَيْها اضْطِرارًا، فالقاموسُ الذي أَشَرْتُ إِلَيْهِ لا يَزال، في تَداوُلِنا العَرَبِيّ، في حالِ الجِدَّةِ فَأَلْفاظُهُ قابِلَةٌ لِلمُراجَعَة، والأَصَحُّ أَنْ نَقولَ عَنِ الِاجْتِهادِ فيهِ إِنَّهُ لَيْسَ وارِدًا فَحَسْب، بَلْ إِنَّهُ اجْتِهادٌ ضَرورِيٌّ، بَلْ وَقَسْرِيٌّ أَيْضًا.
من العسير جدًا أن نجد اليوم فردًا لا يتّصل بالشبكة
سَأَسْتَعْمِلُ العِبارَةَ التي أَقْتَرِحُ في انْتِظارِ الحُصولِ على عِبارَةٍ غَيْرِها، يَرْتَضيها التَّداوُلُ العَرَبِيُّ وَيُقِرُّها. أَقولُ هَذا لِأَنَّني أَحْرِصُ على التَّنْبيهِ إلى فَرْقٍ جَوْهَرِيٍّ يَقومُ بَيْنَ "اللَّفْظ" وَبَيْنَ "المُصْطَلَح"، في التَّداوُلِ اللُّغَوِيِّ بَيْنَ المُنْتَسِبينَ إلى المَجالِ اللُّغَوِيِّ الواحِدِ المُشْتَرَك. فاللَّفْظُ لا يَبْقى عامًّا، يُفيدُ أمورًا مُتَعَدِّدَةً في بَعْضِ الأَحْيان، كَما هُوَ الشَّأْنُ في كَلِمَةِ الزَّكاةِ التي تُفيدُ النُّمُوَّ والكَثْرَةَ قَبْلَ أَنْ تَغْدُوَ، في مُحيطِنا التَّداوُلِيّ، مُقْتَصِرَةً على القِيامِ بِأَحَدِ الفُروضِ الدّينِيَّة، والشَّأْنُ نَفْسُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلَفْظِ "الصَّلاة" الذي يُفيد، في الأَصْلِ اللُّغَوِيّ، الدُّعاء، حَسَبَ مَجالِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أَوِ المَجالِ الثَّقافِيِّ اللُّغَوِيِّ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك.
أَسْتَسْمِحُ القارِئَ الكَريمَ في هَذا الاسْتِطْرادِ الإِجْبارِيّ، فَلَيْسَ الأَمْرُ مُتَعَلِّقًا بِحَذْلَقَةٍ لَفْظِيَّةٍ وَلا بِتَكَلُّفٍ في القَوْلِ وَإِنَّما هِيَ ضَرورَةٌ تُمْليها عَلَيْنا السُّرْعَةُ التي نَرى بِها تَوَسُّعَ وانْتِشارَ الشَّبَكَةِ العَنْكَبوتِيَّةِ وَعالَمِها، بَل إِنَّني أَدَّعي أَنَّهُ قَدْ غَدا اليَوْمَ مِنَ العَسيرِ جِدًّا أَنْ نَجِدَ فَرْدًا لا يَتَّصِل، بِكَيْفيةٍ أَوْ بِأُخْرى، بِالشَّبَكَةِ وَبِعالَمِ التَّشْبيكِ (connection).
يَتَحَدَّثُ عُلَماءُ الاجْتِماعِ وَأَهْلُ الأَنْثْروبولوجْيا، وَكَذا المُنْشَغِلونَ بِالأَطْوارِ الكُبْرى الحاسِمَةِ في تاريخِ الوُجودِ البَشَرِيّ، عَنْ أَطْوارٍ شَكَّلَتْ في ذَلِكَ التّاريخِ عَلامَةً فارِقَة، فَكانَ عَنْها زَمَنُ ما قَبْل، ثُمَّ كانَ زَمَنُ البَدْءِ الجَديدِ أَوْ ما بَعْد (التّاريخُ وَما قَبْلَ التّاريخ، ظُهورُ الكِتابَةِ وَما قَبْلَ الكِتابَة). وَفي الحَديثِ عَنِ الأَطْوارِ العُظْمى التي مَرَّ بِها الإِنْسان، مُنْذُ أَوَّلِ خِلْقَتِهِ وَنَشْأَتِه، يَتَحَدَّثُ العُلَماء، مِنَ الفِئاتِ التي ذَكَرْت، عَنْ نَوْعَيْنِ اثْنَيْنِ مِنَ البَشَرِ يُشيرُ كُلٌّ مِنْهُما إلى السِّمَةِ العامَّةِ التي كانَ عَلَيْها الإِنْسانُ وَكانَ عَلَيْها حَظُّهُ مِنَ العِلْم.
"ثورة تواصلية" يعتبرها البعض في مستوى "ظهور الكتابة"
يُطْلَقُ على الإِنْسان، في الطَّوْرِ الإِنْسانِيِّ الأَوَّل، نَعْتُ "الإِنْسانِ الصّانِع"، وَفي المُصْطَلَحِ المَعْروفِ والمُتَداوَلِ (Homo Faber)، أَيِ الإِنْسان الذي لا يُجيدُ العَمَل، بَل والتَّفْكير، إِلّا بِأَعْضائِهِ أَوْ بِاسْتِعْمالِ الأَدَواتِ فَحَسْب، ثُمَّ "الإِنْسان العالِمِ" (Homo Sapiens)، أَيِ الإِنْسان وَقَدِ اهْتَدى إلى التَّفْكيرِ وَإِعْمالِ العَقْل.
وَفي الحَديثِ عَنِ الثَّوْراتِ والانْقِلاباتِ العُظْمى التي حَدَثَتْ في مَجالِ المَعْرِفَةِ الكَوْنِيَّة، يَفْصِلُ العُلَماءُ بَيْنَ الزَّمَنِ السّابِقِ على الثَّوْرَةِ الفَلَكِيَّةِ التي أَحْدَثَها في المَعْرِفَةِ العالِمُ الفَلَكِيُّ كوبِرْنيك (فَيُقالُ الثَّوْرَةُ الكُوبِرْنيكِيَّة) والزَّمَنِ اللّاحِقِ عَلَيْها. وَعِنْدَما يَتَحَدَّثُ العُلَماءُ اليَوْمَ عَنِ الثَّوْرَةِ العُظْمى التي أَحْدَثَتْها في مَعارِفِنا، وَفي طَرائِقِ التَّواصُلِ الجَديدَةِ بَيْنَنا، والقَصْدُ بِذَلِكَ ما حَدَثَ في عالَمِ التَّواصُلِ وَوَسائِلِ الاتِّصالِ الحَديثَة: الشَّبَكَةُ العَنْكَبوتِيَّة، الهَواتِفُ النَّقالَة، الهَواتِفُ الذَّكِيَّة، الحَواسيبُ المُتَطَوِّرَة.
عِنْدَما يَتَأَمَّلُ النّاظِرونَ في الانْتِشارِ الواسِعِ لِهَذِهِ الأَدَوات، وَفي "دَمَقْرَطَتِها"، وَعِنْدَما نَجِدُ أَنَّ "مُدُنًا ذَكِيَّةً" تَكادُ تَكونُ قائِمَةً بِذاتِها، وَمَتى قَدَّرْنا حَجْمَ وَمَغْزى الحُصولِ على المَعْلوماتِ المِهْنِيَّةِ والتَّواصُلِيَّة، وَتَحَقُّقَ "حُكوماتٍ إِلِكْترونِيَّةٍ" قائِمَةٍ بِذاتِها عِنْدَ دُوَلٍ في المَعْمورِ يَتَنامى عَدَدُها وَيُصْبِحُ بُلوغُ رُتْبَةِ "الحُكومَةِ الإِلِكْترونِيَّةِ" أَحَدَ مَعاييرِ التَّقَدُّمِ الفِعْلِيّ، مَتى أَخَذْنا بِعَيْنِ الاعْتِبارِ هَذِهِ الأُمورَ كُلَّها، فَإِنَّهُ يَغْدو في الإِمْكانِ الحَديثُ عَنْ "ثَوْرَةٍ تَواصُلِيَّة" - أَوْ نَقْلَةٍ نَوْعِيَّةٍ هائِلَةٍ في مَجالِ التَّواصُلِ - ثَوْرَةٍ يَذْهَبُ البَعْضُ إلى اعْتِبارِها في مُسْتَوى الثَّوْرَةِ الكوبِرْنيكِيَّةِ وَفي مُسْتَوى "ظُهورِ الكِتابَة".
تدشين عصر إنسان جديد يُدعى "الإنسان المُشَبَّك"
بَلَغَ تَمَكُّنُ الشَّبَكَةِ العَنْكَبوتِيَّةِ مِنْ حَياتِنا العَمَلِيَّة (المِهْنِيَّة، وَالإِدارِيَّة، والتَّواصُلِيَّةِ عامَّةً) درجةً مِنَ الارْتِباطِ بِالشَّبَكَة، واعْتِمادِها رُكْنًا أساسًا في حَيَواتِنا تِلْكَ (بِالجَمْعِ وَلَيْسَ بِالمُفْرَد) أَنَّ "التَّشَبُّكَ" - نِسْبَةً إلى الشَبَكَةِ العَنْكَبوتِيَّة - يُشَكِّلُ أَحَدَ أَبْعادِ الشَّخْصِيَّةِ الإِنْسانِيَّةِ المُعاصِرَة.
لَمْ يَعُدْ مِنَ المُثيرِ لِلِانْتِباهِ أَنَّ المَرْءَ غَدا يَصْرِفُ مِنْ وَقْتِه، كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيامِ الأُسْبوع، ساعاتٍ غَيْرَ قَليلَةٍ يُمْضيها في العالَمِ الافْتِراضِيّ، وَلَمْ يَعُدْ مِنَ الغَريبِ عِنْدَهُ أَنَّ قِسْطًا مِنْ مَصادِرِ مَعْلوماتِه (المِهْنِيَّة، التَّواصُلِيَّة، في أَصْنافِ التَّواصُلِ عَبْرَ الشَّبَكَة) يَكونُ المُعْتَمَدُ فيها هُوَ الشَّبَكَة.
أَقول، في جملةٍ أخيرة، إِنَّ ماهِيَّةً جَديدَةً أَصْبَحَتْ تَلْحَقُ بِالإِنْسانِ اليَوْم، وَلَرُبَّما كانَ النَّعْتُ الجَديدُ لِلإِنْسان، مِنْ دونِ أَنْ يَدْرِيَ، تدشينًا لِعَصْرِ إِنْسانٍ جَديدٍ يُدْعى "الإِنْسانَ المُشَبَّك". لَقَدْ أَخَذَ النَّعْتُ هَذا يُصْبِح، عِنْدَ عُلَماءِ الِاجْتِماع، نَعْتًا مَأْلوفًا. إِنَّهُ إِذَنْ عَصْر (Homo connectus).
(خاص "عروبة 22")

