بصمات

هِجْرَةُ المُهَنْدِسينَ العَرَب.. وانْعِكاساتُها المُتَعَدِّدَة!

تَعْرِفُ أَغْلَبُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ هِجْرَةً مُكَثَّفَةً لِجُزْءٍ هامٍّ مِنْ كَفاءاتِها العِلْمِيَّة، وَيُعْتَبَرُ المُهَنْدِسونَ في مُخْتَلِفِ الاخْتِصاصاتِ مِنْ بَيْنِ أَكْثَرِ الكَفاءاتِ التي تُغادِرُ بُلْدانَها بِاتِّجاهِ بَعْضِ الدُّوَلِ الأوروبِّيَّةِ والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ وَكَنَدا. وَمِنْ بَيْنِ أَكْثَرِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ التي تَعْرِفُ هَذا النَّزيفَ الكَثيفَ نَذْكُرُ تونِسَ والمَغْرِبَ الأَقْصى.

هِجْرَةُ المُهَنْدِسينَ العَرَب.. وانْعِكاساتُها المُتَعَدِّدَة!

تُعْتَبَرُ هِجْرَةُ هَذِهِ الفِئَةِ مِنَ الكَفاءاتِ ظاهِرَةً حَديثَةً تَحَوَّلَتْ مُنْذُ بِدايَةِ الأَلْفيةِ الثّالِثَةِ إلى مُعْضِلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الدَّوْلَتَيْن، إِذْ شَهِدَتِ العَشْرِيَّةُ الماضِيَةُ في تونِسَ مَوْجَةً مُتَصاعِدَةً مِنْ هِجْرَةِ المُهَنْدِسينَ والمُهَنْدِسات.

على سَبيلِ المِثال، في مارِس/آذارَ 2025، غادَرَ تونِسَ نَحْوَ 39 أَلْفَ مُهَنْدِسٍ مِنْ بَيْنِ 90 أَلْفَ مُهَنْدِسٍ مُسَجَّلٍ في عِمادَةِ المُهَنْدِسين، وَفي أُكْتوبَر/تِشْرينَ الأَوَّلِ مِنَ العامِ نَفْسِه، تَجاوَزَ عَدَدُ المُغادِرينَ نَحْوَ 45 أَلْفَ مُهَنْدِس، وَفْقَ مُعْطَياتِ عِمادَةِ المُهَنْدِسين، ما يَعْنِي أَنَّ مُهَنْدِسًا واحِدًا مِنْ كُلِّ اثْنَيْنِ مِمَّنْ تَمَّ تَدْريبُهُمْ في تونِسَ يُغادِرُ البِلاد.

وَلا تَخْتَلِفُ الحالُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَغْرِبِ الأَقْصى حَيْثُ يُهاجِرُ سَنَوِيًّا ما بَيْنَ 2700 وَ3700 مُهَنْدِس، مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ 700 مُهَنْدِسٍ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ وَ2000 إلى 3000 مِنْ ذَوي المَهاراتِ التِّقْنِيَّةِ العُلْيا. وَتَقِفُ وَراءَ هَذِهِ الظّاهِرَةِ عَوامِلُ مُتَشابِهَةٌ عِدَّةٌ مِنْها الطّارِدَةُ وَمِنْها الجاذِبَة. فالعَوامِلُ الطّارِدَةُ ذاتُ طَبيعَةٍ هَيْكَلِيَّةٍ وَعِلْمِيَّةٍ واجْتِماعِيَّة؛ مِنْ ذَلِكَ غِيابُ بيئَةٍ مُلائِمَةٍ لِلِابْتِكارِ وَتَهْميشُ دَوْرِ المُهَنْدِسينَ وَلَعَلَّ أَهَمَّها ضَعْفُ الأُجورِ مَعَ تَدَهُّورِ البيئَةِ المَعيشِيَّة.

البلدان المستقبلة تدرك كفاءات المهندسين العرب المتميّزة لذلك عملت على تسهيل إجراءات الهجرة وتوفير الحوافز

أَمّا العَوامِلُ الجاذِبَةُ فَهِيَ عَديدَةٌ وَتَتَمَثَّلُ خاصَّةً في نِقاطٍ عِدَّة، مِنْها الفارِقُ بَيْنَ الأَجْرِ الذي يَتَقاضاهُ المُهَنْدِسُ في مَوْطِنِهِ الأَصْلِيِّ وَبَيْنَ ذاكَ الذي يَتَقاضاهُ في المَهْجَرِ. فَفي أوروبّا، يَتَراوَحُ أَجْرُ المُهَنْدِسِ ما بَيْنَ 2967,61 وَ3561,13 دولارًا في المُتَوَسِّط، في حينِ يَتَراوَحُ ما يَتَقاضاهُ المُهَنْدِسُ في بِدايَةِ حَياتِهِ المِهْنِيَّةِ في بَلَدِهِ الأَصْلِيِّ ما بَيْنَ 346,26 وَ519,39 دولارًا كَحَدٍّ أَقْصى، مِنْ دونِ اعْتِبارٍ لِلِاخْتِصاصِ والجِهَةِ المُشَغِّلَة. ولا يخْتَلِفُ الحالُ كَثيرًا في المَغْرِبِ الأَقْصى إِذْ يَتَراوَحُ راتِبُ المُهَنْدِسِ ما بَيْنَ 765,42 وَ1093,46 دولارًا شَهْرِيًّا. بِالإِضافَةِ إلى فارِقِ الرّاتِبِ يَتَمَتَّعُ المُهَنْدِسُ المُهاجِرُ بِامْتِيازاتٍ اجْتِماعِيَّةٍ وَصِحِّيَّةٍ عِدَّةٍ وَحُسْنِ المُعامَلَةِ وَجَوْدَةِ الحَياةِ والعَيْشِ الكَريم، فَضْلًا عَنْ ظُروفِ عَمَلٍ لائِقَةٍ وَمُريحَةٍ وَفُرَصٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِتَطْويرِ الذّات، وَذَلِكَ مِنْ خِلالِ التَّكْوينِ المُسْتَمِرِّ الذي يُؤَمِّنُهُ المُشَغِّلُ سَواءً في القِطاعِ العامِّ أَوِ الخاصّ.

أَمّا بِالنِّسْبَةِ إلى البُلْدانِ المُسْتَقْبِلَة، فَتُحاوِلُ سَدَّ الفَجَواتِ المُتَزايِدَةِ في حَقْلِ المَهاراتِ وَمِنْها قِطاعُ المُهَنْدِسين، خاصَّةً في مَجالاتِ التِّكْنولوجْيا المُتَقَدِّمَةِ والبُنْيَةِ التَّحْتِيَّة، والبَحْثِ العِلْمِيّ، وَهِيَ على إِدْراكٍ بِكَفاءاتِ المُهَنْدِسينَ العَرَبِ المُتَمَيِّزَة، لِذَلِكَ عَمِلَتْ على تَبْسيطِ وَتَسْهيلِ إِجْراءاتِ الهِجْرَةِ وَتَوْفيرِ العَديدِ مِنَ الحَوافِزِ المادِّيَّةِ التي تَتَفَوَّقُ بِشَكْلٍ كَبيرٍ على ما هُوَ مُتاحٌ في وَطَنِهِمُ الأُمّ.

وَعلى الرَّغْمِ مِنَ السَّلْبِياتِ والخَسائِرِ التي تَتَوَلَّدُ عَنْ هِجْرَةِ هَذِهِ الفِئَةِ مِنَ الكَفاءات، لكنّها في المُقابِلِ تَتَضَمَّنُ العَديدَ مِنَ الإِيجابِيّاتِ لَيْسَ على المُسْتَوى الشَّخْصِيِّ وَحَسْب، بَلْ على المُسْتَوى الوَطَنِيِّ أَيْضًا.

فَعلى المُسْتَوى الشَّخْصِيّ، تُساهِمُ هَذِهِ الهِجْرَةُ في تَنْمِيَةِ القُدُراتِ والكَفاءاتِ العَقْلِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ لِهَذِهِ الفِئَة، وَذَلِكَ بِفَضْلِ الحُرِّيَّةِ المُتاحَةِ في بُلْدانِ الِاسْتِقْبالِ فَضْلًا عَمّا يَجِدونَهُ مِنْ اهْتِمامٍ وَرِعايَةٍ مِنْ قِبَلِ المَسْؤولينَ عَنِ المَنْظوماتِ البَحْثِيَّة، الأَمْرُ الذي قَدْ يُسْتَثْمَرُ لاحِقًا في بُلْدانِهِمُ الأَصْلِيَّةِ إِمّا راهِنًا أَوْ حَتّى في المَدى المُتَوَسِّط، فَبِإِمْكانِ هَؤُلاءِ إِقامَةُ مَشاريعَ جَديدَة، خاصَّةٍ أَوْ عامَّةٍ في بُلْدانِهِمُ الأَصْلِيَّة، وَتَشْبيكُ مُؤَسَّساتِهِمْ مَعَ مُؤَسَّساتِ بُلْدانِهِمْ بِاعْتِبارِ أَنَّ الهِجْرَةَ لَمْ تَعُدْ تَعْني انْقِطاعًا عَنِ الوَطَن، كَما كانَ الحالُ فيما مَضى.

أَمّا على المُسْتَوى الوَطَنِيّ، فَإِنَّ التَّحْويلاتِ المالِيَّةَ التي يُحَوِّلُها هَؤُلاءِ سَنَوِيًّا إلى بُلْدانِهِمُ الأَصْلِيَّةِ تُمَثِّلُ مَصْدَرًا هامًّا لِلْعُمْلَةِ الصَّعْبَة، الأَمْرُ الذي يُساهِمُ في دَعْمِ الاقْتِصادِ الوَطَنِيِّ وَتَحْسينِ مُسْتَوى المَعيشَةِ لِذَوي المُهاجِرينَ وَتَخْفيفِ الضَّغْطِ على سوقِ العَمَلِ في الدّاخِل. فَهِجْرَةُ هَؤُلاءِ قَدْ تُساعِدُ في تَخْفيفِ حِدَّةِ البطالَةِ في بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَتُقَلِّلُ مِنْ حِدَّةِ المُنافَسَةِ على الوَظائِفِ المَحَلِّيَّة.

من الضروري مضاعفة دعم البحث العلمي والتطوير ووضع برامج تحفيزية وتحسين الحوافز المالية والضريبية

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ تِلْكَ الإِيجابِيّات، تَتَوَلَّدُ عَنْ هَذِهِ الهِجْرَةِ الكَثيفَةِ لِلْمُهَنْدِسينَ انْعِكاساتٌ سَلْبِيَّةٌ كَثيرَةٌ وَمُتَنَوِّعَة، لَعَلَّ أَهَمَّها تَبْديدُ المَوارِدِ المالِيَّةِ التي أَنْفَقَتْها الدَّوْلَةُ في تَعْليمِ وَتَدْريبِ الكَفاءاتِ لِصالِحِ الدُّوَلِ المُضيفَة. كَما تُساهِمُ في تَعَطُّلِ الخِبْرَةِ والتَّجْديد، جُزْئِيًّا، الأَمْرُ الذي يُؤَثِّرُ على الإِنْتاجِيَّةِ الصِّناعِيَّةِ والقُدْرَةِ التَّنافُسِيَّةِ في الأَسْواقِ العالَمِيَّةِ والاسْتِثْماراتِ في البَحْثِ والتَّطْوير. كَما تُساهِمُ في تَآكُلِ قاعِدَةِ الكَفاءاتِ اللّازِمَةِ لِلتَّدْريسِ والبَحْثِ المَحَلِّيَيْن، وَتُعيقُ بِالتّالي مُبادَراتِ البَحْثِ والتَّطْويرِ، الأَمْرُ الذي يُؤَثِّرُ على التَّنْمِيَةِ الاقْتِصادِيَّةِ في القِطاعاتِ الحَيَوِيَّة، على غِرارِ الطَّاقَةِ والبيئَةِ والصِّناعَةِ المَعْمَلِيَّةِ ما قَدْ يُؤَثِّرُ على مُسْتَقْبَلِ البِلادِ والأَجْيال.

يُمَثِّلُ المُهَنْدِسُ أَحَدَ أَبْرَزِ رَكائِزِ التَّنْمِيَةِ والتَّطَوُّرِ والتَّقَدُّمِ وَتَبْدو الحاجَةُ إِلَيْهِ مُؤَكَّدَةً في عالَمِ الجَنوبِ عامَّةً والعالَمِ العَرَبِيِّ خاصَّة، لِذَلِكَ مِنَ الضَّرورِيِّ التَّفْكيرُ في اتِّخاذِ بَعْضِ الإِجْراءاتِ كَمُضاعَفَةِ الدَّعْمِ المُخَصَّصِ لِلْبَحْثِ العِلْمِيِّ والتَّطْوير، وَوَضْعِ بَرامِجَ تَحْفيزِيَّةٍ تَدْعَمُ التَّنافُسِيَّةَ وَتَحْسينَ الحَوافِزِ المالِيَّةِ والضَّريبِيَّة، وَتَعْزيزِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ واسْتِحْداثِ فُرَصِ العَمَل، وَتَعْزيزِ الشَّراكاتِ الاسْتراتيجِيَّةِ والتَّعاوُنِ الدَّوْلِيّ... عَوامِلُ قَدْ تُساعِدُ على التَّقْليصِ مِنْ هِجْرَةِ هَذِهِ الكَفاءاتِ وَتَشْجيعِ المُهاجِرينَ على العَوْدَةِ إلى أَوْطانِهِمْ والاسْتِفادَةِ مِنْ تَجْرِبَتِهِم.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن