لَقَدْ سادَتْ في الفَضاءِ العَرَبِيِّ قِراءَةٌ مُريحَةٌ وَسَريعَة، مِنْ قَبيلِ أَنَّ "إِبْسْتين كَشَفَ فَسادَ الغَرْب". لَكِنَّ هَذِهِ الخُلاصَةَ الجاهِزَةَ تَتَجاهَلُ سُؤالًا بَسيطًا وَمُحْرِجًا: مَنِ الذي كَشَفَ القَضِيَّةَ أَصْلًا؟ لَمْ تَكُنْ تَسْريباتٍ مِنْ خارِجِ المَنْظومَةِ الغَرْبِيَّة، ولا حَمْلَةً أَخْلاقِيَّةً عالَمِيَّةً تَقودُها أَطْرافٌ مُتَفَوِّقَةٌ قِيَمِيًّا. الذي فَتَحَ المَلَفَّ وَوَسَّعَهُ وَطارَدَهُ هُمْ صِحافِيّونَ غَرْبِيّون، وَقُضاةٌ غَرْبِيّون، وَصِراعاتٌ داخِلَ النُّخَبِ الغَرْبِيَّةِ نَفْسِها. هَذا لا يُبَرِّئُ النِّظامَ مِنَ الفَساد، لَكِنَّهُ يَنْسِفُ سَرْدِيَّةَ "الشَّرِّ المُطْلَقِ المُتَحَكِّمِ في كُلِّ شَيْء". لَوْ كانَتِ المَنْظومَةُ مُغْلَقَةً بِالكامِل، لَما خَرَجَ المَلَفُّ إِلى العَلَنِ أَصْلًا. القَضِيَّةُ تَكْشِفُ خَلَلًا داخِلَ النُّخْبَة، نَعَمْ، لَكِنَّها تَكْشِفُ أَيْضًا وُجودَ آليّاتِ مُساءَلَة، حَتّى لَوْ كانَتْ ناقِصَةً وَمُتَعَثِّرَة.
عندما يفقد الناس الثقة في قدرة النظام على محاسبة الأقوياء يبحثون عن تفسير مؤامراتي
لا تَكْمُنُ المُشْكِلَةُ الحَقيقِيَّةُ في وُجودِ فَساد؛ الفاسِدونَ مَوْجودونَ في كُلِّ الأَنْظِمَة، بِقَدْرِ ما تَكْمُنُ في الطَّريقَةِ التي تَحَوَّلَتْ بِها القَضِيَّةُ إِلى مادَّةٍ خَصْبَةٍ لِنَظَرِيّاتِ المُؤامَرَة. هُنا يُمْكِنُ اسْتِحْضارُ فِكْرَةِ "سوقِ الاعْتِقادات": في الفَضاءِ الرَّقْمِيِّ المَفْتوحِ لا تَفوزُ الفِكْرَةُ الأَكْثَرُ دِقَّة، بَلِ الأَكْثَرُ إِثارَة. الخَوارِزْمِيّاتُ تُكافِئُ الغَضَب، وَالصَّدْمَة، وَالشُّعورَ بِاكْتِشافِ سِرٍّ خَطير. رِوايَةٌ تَقولُ إِنَّ هُناكَ شَبَكَةً عالَمِيَّةً شَيْطانِيَّةً تَتَحَكَّمُ في السِّياسَةِ وَالإِعْلامِ وَالقَضاءِ أَكْثَرُ جاذِبِيَّةً بِكَثيرٍ مِنْ رِوايَةٍ تَقولُ إِنَّ هُناكَ فَسادًا، وَتَسَتُّرًا جُزْئِيًّا، وَخَلَلًا مُؤَسَّسِيًّا، وَصِراعاتٍ داخِلَ النُّخَب. الأولى مُكْتَمِلَةٌ وَواضِحَةٌ وَمُريحَةٌ نَفْسِيًّا؛ الثانِيَةُ مُعَقَّدَة، غَيْرُ مُكْتَمِلَة، وَتَفْرِضُ عَلَيْنا التَّعايُشَ مَعَ الغُموض.
لا تَكْشِفُ قَضِيَّةُ إِبْسْتين "انْهيارَ الأَخْلاقِ الغَرْبِيَّة" بِقَدْرِ ما تَكْشِفُ أَزْمَةَ ثِقَةٍ عَميقَةٍ في المُؤَسَّسات. عِنْدَما يَفْقِدُ النّاسُ الثِّقَةَ في قُدْرَةِ النِّظامِ عَلى مُحاسَبَةِ الأَقْوِياء، يَبْحَثونَ عَنْ تَفْسيرٍ شامِل. وَالتَّفْسيرُ الشّامِلُ غالِبًا ما يَكونُ مُؤامَراتِيًّا. "كُلُّهُمْ مُتَوَرِّطون". "كُلُّ شَيْءٍ مُدارٌ مِنْ خَلْفِ السِّتار". هَذا الخِطابُ لا يُولَدُ مِنْ مَعْلوماتٍ مُؤَكَّدَة، بَلْ مِنْ فَراغٍ مَعْرِفِيٍّ وَمِنْ إِحْساسٍ عامٍّ بِأَنَّ الحَقيقَةَ لا تُقالُ كامِلَة. في لَحْظَةِ انْهيارِ الثِّقَة، تُصْبِحُ المُؤامَرَةُ أَكْثَرَ إِقْناعًا مِنَ التَّقْريرِ القَضائِي.
في الفَضاءِ الرَّقْمِيِّ العَرَبِيّ، تَضَخَّمَتِ الرِّوايَةُ المُؤامَراتِيَّةُ بِسُرْعَةٍ لافِتَة، حَيْثُ تَحَوَّلَتِ القَضِيَّةُ إِلى دَليلٍ جاهِزٍ عَلى نِفاقِ الدِّيموقْراطِيَّة، وَعَلى انْهيارِ الغَرْب، وَعَلى وُجودِ نُخْبَةٍ شَيْطانِيَّةٍ عالَمِيَّة. لَكِنَّ هَذا الِاسْتِخْدامَ لَيْسَ تَحْليلًا مَعْرِفِيًّا بِقَدْرِ ما هُوَ تَعْويضٌ رَمْزِيّ. لَدَيْنا بيئَةٌ مِثالِيَّةٌ لِاسْتِقْبالِ هَذا النَّوْعِ مِنَ السَّرْدِيّات: تاريخٌ طَويلٌ مِنْ غِيابِ الشَّفافِيَّة، أَزْمَةُ ثِقَةٍ مُزْمِنَةٌ في الدَّوْلَة، ضَعْفُ تَقاليدِ الصَّحافَةِ الاسْتِقْصائِيَّةِ المُسْتَقِلَّة، وَثَقافَةٌ سِياسِيَّةٌ تَميلُ إِلى تَفْسيرِ الأَحْداثِ الكُبْرى عَبْرَ "أَيْدٍ خَفِيَّة". حينَ نَقْرَأُ إِبْسْتين بِهَذِهِ الطَّريقَة، لا نَفْهَمُ الغَرْب، بَلْ نُؤَكِّدُ قَناعاتِنا المُسْبَقَةَ وَنُسْقِطُ عَلَيْها ما نُريدُ تَصْديقَه.
السؤال ليس من لديه فساد بل من يملك آليات كشف الفساد
لَيْسَ هَذا وَحَسْب، فَقَدْ ذَهَبَت خِطاباتٌ عَرَبِيَّةٌ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِك، عِنْدَما اسْتَثْمَرَتِ القَضِيَّةَ لِتَعْزيزِ شُعورٍ بِالتَّفَوُّقِ الأَخْلاقِيّ: "هُمْ فاسِدون، نَحْنُ أَنْقى". لَكِنَّ السُّؤالَ الجادَّ لَيْسَ مَنْ لَدَيْهِ فَساد، بَلْ مَنْ يَمْلِكُ آليّاتِ كَشْفِ الفَساد. الفَضيحَةُ لَمْ تَكْشِفْها قُوَّةٌ خارِجِيَّة، بَلْ صِراعاتٌ داخِلَ المَنْظومَةِ نَفْسِها. تَحْويلُها إِلى شَهادَةٍ عَلى "تَفَوُّقِنا القِيَمِيّ" هُوَ نَوْعٌ مِنَ الانْتِهازِيَّةِ الأَخْلاقِيَّة، لِأَنَّهُ لا يُرافِقُهُ نَقْدٌ مُماثِلٌ لِبُنانا الدّاخِلِيَّة، ولا مُطالَبَةٌ حَقيقِيَّةٌ بِآلِيّاتِ مُساءَلَةٍ شَفّافَةٍ في مُجْتَمَعاتِنا.
الأَخْطَرُ هُنا أَنَّ هَذِهِ البيئَةَ المَعْرِفِيَّةَ لا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ إِبْسْتين. هِيَ نَفْسُها التي تُغَذّي الشَّعْبَوِيَّةَ السِِّياسِيَّة، وَخِطابَ التَّخْوين، وَانْهيارَ الثِّقَةِ في كُلِّ مُؤَسَّسَة. عِنْدَما يُصْبِحُ كُلُّ حَدَثٍ كَبيرٍ دَليلًا عَلى مُؤامَرَةٍ كَوْنِيَّة، تَتَآكَلُ الحُدودُ بَيْنَ النَّقْدِ المَشْرُوعِ وَالشَّكِّ العَدَمِيّ. في هَذِهِ اللَّحْظَةِ لا يَعودُ الفَرْقُ واضِحًا بَيْنَ مُساءَلَةِ السُّلْطَةِ وَبَيْنَ نَفْيِ وُجودِ الحَقيقَةِ أَصْلًا. وَهُنا تَنْتَصِرُ القِصَّةُ الأَكْثَرُ ظَلامًا، لا الأَكْثَرُ دِقَّة.
إِبْسْتين لَيْسَ دَليلًا عَلى وُجودِ حُكومَةٍ شَيْطانِيَّةٍ سِرِّيَّة، كَما أَنَّهُ لَيْسَ شَهادَةَ بَراءَةٍ لِلنُّخَبِ الغَرْبِيَّة. هُوَ مِرْآةٌ لِعَصْرٍ جَديد، عَصْرٍ تَتَراجَعُ فيهِ الثِّقَةُ وَتَنْتَصِرُ فيهِ السَّرْدِيّاتُ الأَكْثَرُ إِثارَة. الأَزْمَةُ لَيْسَتْ في أَخْلاقِ الغَرْبِ وَحْدَه، ولا في فَسادِ نُخْبَةٍ بِعَيْنِها، بَلْ في البُنْيَةِ المَعْرِفِيَّةِ الَّتي تَجْعَلُنا نَسْتَهْلِكُ الأَحْداثَ الكُبْرى عَبْرَ أَكْثَرِ القِصَصِ صَخَبًا لا أَكْثَرِها تَحْليلًا.
نحن بحاجة إلى إعادة توجيه التعليم من الحفظ والتلقين إلى بناء قدرات تحليلية
إِذا كانَ الدَّرْسُ الأَعْمَقُ مِنْ هَذِهِ القَضِيَّةِ هُوَ هَشاشَةَ بيئَتِنا المَعْرِفِيَّة، فَإِنَّ المَسْؤولِيَّةَ لا تَقَعُ عَلى الخَوارِزْمِيّاتِ وَحْدَها، بَلْ عَلى السِِّياساتِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ في عالَمِنا العَرَبِيّ. نَحْنُ بِحاجَةٍ إِلى إِعادَةِ تَوْجيهِ التَّعْليمِ مِنَ الحِفْظِ وَالتَّلْقينِ إِلى بِناءِ قُدُراتٍ تَحْليلِيَّةٍ حَقيقِيَّة، قادِرَةٍ عَلى تَفْكيكِ الخِطاب، وَفَهْمِ مَنْطِقِ الخَوارِزْمِيّات، وَقِراءَةِ المُحْتَوى الرَّقْمِيِّ قِراءَةً نَقْدِيَّة.
المَطْلوبُ اليَوْمَ، لَيْسَ فَقَطْ تَعْليمَ "الاسْتِخْدامِ الآمِنِ لِلْإِنْتِرْنِتْ"، بَلْ إِدْماجُ التَّفْكيرِ النَّقْدِيّ، وَفَهْمُ آليّاتِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، وَسوسيولوجْيا المَعْرِفَة، ضِمْنَ المَناهِجِ الدِّراسِيَّةِ وَالجامِعِيَّة. نَحتاجُ إِلى أَجْيالٍ تُمَيِّزُ بَيْنَ المَعْلومَةِ وَالرِّوايَة، بَيْنَ التَّحْقيقِ وَالتَّهْويل، بَيْنَ النَّقْدِ المَشْرُوعِ وَالسَّرْدِيَّةِ المُؤامَراتِيَّةِ الشّامِلَة.
ثُمَّ إِنَّ بِناءَ مُجْتَمَعاتٍ عَرَبِيَّةٍ قائِمَةٍ عَلى المَعْرِفَةِ النَّقْدِيَّةِ لا يَعْني إِنْتاجَ جيلٍ ساخِرٍ وَعَدَمِيّ، بَلْ جيلٌ واثِقٌ بِقُدْرَتِهِ الذّاتِيَّةِ عَلى التَّغْييرِ السَّلِسِ الهادِئِ داخِلَ بيئَتِه، مِنْ دونِ الوُقوعِ في فَخِّ الغَضَبِ الدّائِمِ أَوْ انْتِظارِ "كَشْفِ المُؤامَرَةِ الكُبْرى". الاسْتِثْمارُ الحَقيقِيُّ في الأَمْنِ وَالاسْتِقْرارِ لَيْسَ أَمْنِيًّا فَقَط، بَلْ مَعْرِفِيًّا: في عَقْلٍ قادِرٍ عَلى التَّحْليل، وفي ثِقَةٍ تُبْنى بِالشَّفافِيَّةِ لا بِالشِّعاراتِ الأَخْلاقِيَّةِ المُرْتَفِعَة. هُنا يَبْدَأُ التَّحْصينُ الحَقيقِيُّ ضِدَّ الشَّعْبَوِيَّة، وَضِدَّ انْتِصارِ القِصَّةِ الأَكْثَرِ ظَلامًا.
(خاص "عروبة 22")

