العرب وتغيّر المناخ

القِمَّةُ الثَّلاثونَ لِلمُناخِ في البرازيل: وقائع وتحدّيات! (1/2)

وَسْطَ أجواء مُتَوَتِرَةٍ غيرِ مسبوقةٍ سياسيًّا واقتصاديًّا، تُعْقَدُ حاليًّا قمّةُ المُناخِ الثلاثونَ في البرازيل خلال الفترةِ من 6 إلى 21 نوفمبر/تشرين الثاني لبحثِ مُستقبلِ الحياةِ على كوكبِ الأَرْض. انْعَكَسَتْ هذه الأجواءُ على التّصريحاتِ السياسيةِ لبعضِ القادةِ وانْصَبَّتْ كلُّها على مُهاجَمَةِ الرئيس الأميركي الذي وَصَفَ التَّغَيُّرَ المُناخيّ "بالخدعةِ الكبرى" وأعلنَ انسحابَ أميركا من قِمَمِ المناخِ ومن تمويلِها خلال فترة ولايتِهِ الأولَى 2017-2021. وَصَفَ الرئيسُ الكولومبيّ هذا السلوكَ التّرامْبيّ بِأنَّهُ مُعادٍ لِلبَشْرِيَّةِ، بينما وصفَ الرئيسُ البرازيلي إنكارَ أنَّ المُناخَ يتغيّرُ بأنَّها أكاذيبُ من أجلِ مكاسبَ انْتِخابِيَّة! غابَ الرئيسُ الأميركيّ بالطبعِ عن القمّةِ سواءً بسببِ خلافاتِهِ مع الرئيسَيْن البرازيليّ والكولومبيّ، كما غابَ الرئيسُ الصينيّ.

القِمَّةُ الثَّلاثونَ لِلمُناخِ في البرازيل: وقائع وتحدّيات! (1/2)

الخلافاتُ بَيْنَ أميركا من ناحيةٍ، والصينِ والهندِ من النّاحيةِ الأخرى، تتمحورُ في هذا المجال حَوْلَ من يَتَحَمَّلُ نتائجَ الانبعاثاتِ الغازيّةِ ومَن يدفعُ أكثرَ في التعويضاتِ، فَبَيْنَما تُصِرُّ أميركا على أنَّ الحسابَ يكونُ بِانْبِعاثاتِ الدولِ، ترى الصينُ والهندُ أنَّها يجبُ أنْ تُحْسَبَ طِبْقًا لعددِ سكّانِ كلّ دولةٍ أي الانبعاثاتُ من الفَرْدِ وليسَ من الدولةِ، وأنَّ عددَ سكانَ أميركا لا يتجاوزُ 350 مليونَ نَسْمَةٍ مُقابِلَ 1500 مليونَ نسمةٍ في كلٍّ من الهندِ والصينِ، وبالتالي تكونُ أميركا هي صاحبةُ معدّلاتِ الانبعاثاتِ الأكبرِ للفردِ وينبغي أن تتحمّلَ التعويضاتِ الأكبرَ والتي أَقَرَّتْها القِمَمُ السابقةُ، وهوَ ما لمْ يَقْبَلْهُ الرئيسُ ترامب. ولهذا وصفَ الأمينُ العامُّ للأممِ المتحدةِ الفشلَ الحاليّ في السيطرةِ على تغيّرِ المناخِ بأنَّهُ فشلٌ أخلاقيّ وإهمالٌ جَسيم.

درجات الحرارة المرتفعة تسبّبت في أكبر عدد من الوفيات بين جميع الظواهر الجوية القاسية

وكانَتِ القِمَمُ السابقةُ منذ عام 2009 قد رَصَدَتْ مبالغَ تبدأُ من 100 مليارِ دولارٍ سنويًّا دعمًا للدولِ الفقيرةِ المُتَضَرِّرَةِ وغيرِ القادرةِ على التَّأَقْلُمِ أو المُجابَهَةِ لتغيّرِ المناخِ والتي تَسَبَّبَتْ فيها الدولُ الغنيةُ الصناعيةُ، ثم وَصَلَتْ في آخِرِ ثلاثِ قممٍ إلى 300 مليارٍ وَطالَبَتِ القمّةُ الحاليةُ بأن تكونَ 350 مليارِ دولارٍ تُسدّدُها نحوَ 30 دولةً، ولكنْ في كلّ الدوراتِ السابقةِ والحاليةِ لم يتمَّ تحصيلُ سِوى 50 مليارِ دولارٍ فقطْ ولم تُسَدِّدْ أغلبُ الدولِ الغنيةِ ما تَعَهَّدَتْ بهِ، واشْتَكَتِ الدولُ الخمسونَ الأكثرَ فقرًا، وأغلبُها في أفريقيا، بأنَّها لم تَتَلَقَّ أكثرَ من رُبْعِ هذا المبلغِ فقطْ وأنّ أغلبَ الدعمَ المُناخيّ ذهبَ لِدُوَلٍ لا تَسْتَحِقُّه.

وأشارَتِ التقاريرُ العِلْمِيَّةُ التي عُرِضَتْ في القمّةٍ الحاليةٍ إلى حدوثِ انخفاضٍ ملموسٍ في حجمِ الانبعاثاتِ الغازيةِ المُسَبِّبَةِ للاحترارِ العالميّ في العام الماضي، ومعَ ذلكَ فقد سجّلَ العامُ الماضي 2024 أعلى درجةِ حرارةٍ مسجلةٍ في تاريخِ كوكبِ الأرضِ بزيادةٍ نحوَ 1.55 درجةٍ مِئَوِيَّة. عادةً ما يتمُّ قياسُ التغيّراتِ في درجاتِ الحرارةِ العالميةِ مقابلَ متوسّطِ ​​درجةِ الحرارةِ على مَدى خَطِّ الأساسِ التاريخيّ لِما قبلَ الثورةِ الصناعيةِ في الفترة من 1850 إلى 1900. ويُقدّرُ مُتَوَسِّطُ ​​ارتفاعِ درجةِ الحرارةِ العالميةِ لآخرِ عشرِ سنواتٍ، من 2014 إلى 2023، وهيَ أدفأُ فترةِ عشرِ سنواتٍ على الإطلاقِ، بِحَوالى 1.2 درجةٍ مئويةٍ أعلى من متوسّطِ ​​الفترةِ 1850-1900 (المنظمةُ العالميّةُ للأرصادِ الجويّة). ويبلغُ متوسّطُ ​​الاحترارِ على مدى عشرينَ عامًا للفترةِ 2001-2020 مقارنةً بالفترةِ 1850-1900 بنحوِ 0.99 درجة مئوية (الهيئةُ الحكوميةُ الدوليةُ المعنيّةُ بتغيّرِ المناخ).

تأثيرات مفاجئة ولا رجعة فيها وخطيرة على البشريّة

وترفعُ القممُ المناخيةُ جميعًا تحديدَ الحَدِّ الأَقْصى المسموحِ بهِ لارتفاعِ درجةِ حرارةِ كوكبِ الأرضِ 1.5 درجة مئوية فقطْ وهذا الرقمُ لمْ يأتِ جزافًا، ولكنّهُ تحديدٌ علميّ دَقيق. السببُ في ذلكَ أنَّ الحدَّ من الاحترارِ العالميّ إلى أقلَّ من 1.5 درجةٍ مئويةٍ سيؤدّي إلى تقليلِ المخاطرِ والآثارِ السلبيةِ والخسائرِ والأضرارِ المُرتبطةِ بتغيّرِ المناخِ بشكلٍ كبير. بينما يُؤَدّي ارتفاعُ درجاتِ الحرارةِ عن مستوى 1.5 درجةٍ مئويةٍ إلى أحداثٍ مُناخيّةٍ مُتطرّفةٍ مُتكرّرةٍ وخطيرةٍ بشكلٍ متزايدٍ، بما في ذلكَ موجاتُ الحرِّ والجفافِ وحرائقُ الغاباتِ والأمطارُ الغزيرةُ والفيضانات. فدرجاتُ الحرارةِ المرتفعةِ تسبّبتْ في أكبرِ عددٍ من الوفيّاتِ بين جميع الظَّواهِرِ الجويةِ القاسيةِ، حيثُ يُقدّرُ عددُ الوفيّاتِ المرتبطةِ بالحرارةِ بنحو 489000 حالةِ وفاةٍ سنويًا ما بَيْنَ عامَيْ 2000 و2019 (المنظمةُ العالميةُ للأرصادِ الجويّة). يُضافُ إلى ذلكَ أنَّ تجاوزَ وتخطّي 1.5 درجةٍ مئويةٍ يُؤدّي إلى تغيّراتٍ مُناخيةٍ مُتعدّدةٍ - مِثْلَ انهيارِ أنظمةِ دَوَرانِ المُحيطاتِ الرئيسيةِ، والذوبانِ المفاجِئِ للتربةِ الصَّقيعيَّةِ الشماليةِ، وانهيار نُظُمِ الشِعابِ المَرْجانِيَّةِ الاسْتِوائِيَّةِ - مع تأثيراتٍ مفاجئةٍ لا رجعةَ فيها وخطيرةٍ على البَشَرِيَّة!. 

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن