اقتصاد ومال

رَفْعُ الإنْتاجِ وَخَفْضُ التَّكْلِفَةِ عَرَبَيًّا!

لا يُعْتَبَرُ سُؤالُ رَفْعِ الإِنْتاجِ وَخَفْضِ التَّكْلِفَةِ فِي السِّياقِ العَرَبيِّ مُجَرَّدَ إِشْكالٍ اقْتِصاديٍّ تِقْنيٍّ، بَلْ يُعَدُّ قَضيَّةً فَلْسَفيَّةً تَتَعَلَّقُ بِطَبيعَةِ الفِعْلِ الإِنْتاجِيِّ ذاتِهِ، وَحُدودِ القُدْرَةِ على تَحْويلِ المَوارِدِ إلى قيمَة، وَإِعادَةِ بِناءِ العَلاقَةِ بَيْنَ الإِنْسانِ والْعَمَلِ والتِّقْنيَّةِ ضِمْنَ أُفُقٍ اسْتْراتيجيٍّ طَويلِ المَدى. فَمِنْ مَنْظورِ فَلْسَفَةِ الاقْتِصادِ، لا تَتَحَقَّقُ الإِنْتاجيَّةُ بِفِعْلِ تَراكُمِ الأَدَواتِ وَحْدَهَا، بَلْ مِنْ خِلالِ إِعادَةِ صِياغَةِ بُنْيَةِ العَقْلِ الاقتِصاديِّ، أَيْ الانْتِقالِ مِنْ مَنْطِقِ الامْتِلاكِ والاسْتِهْلاكِ إِلَى مَنْطِقِ الفاعِلِيَّةِ وَالتَّنْظيم. وَمِنْ هُنا يَتَبَدَّى التَّحَدّي العَرَبيّ. كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الاقْتِصادُ مِنْ وَضْعِيَّةِ "اقْتِصادِ الضَّرورَةِ" إلى "اقْتِصادِ الإمْكان"؟.

رَفْعُ الإنْتاجِ وَخَفْضُ التَّكْلِفَةِ عَرَبَيًّا!

مِنَ الزّاوِيَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ، يُظْهِرُ تَحْليلُ بُنَى الإِنْتاجِ فِي المِنْطَقَةِ أَنَّ التَّكْلِفَةَ العَرَبِيَّةَ لَيْسَت ناتِجَةً عَنْ ارْتِفاعِ أَسْعارِ الْمُدْخِلاتِ فَقَطْ، بَلْ عَنْ اخْتِلالاتِ بُنْيَوِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِانْخِفاضِ الإِنْتاجِيَّةِ الكُلِّيَّةِ لِلْعَوامِلِ، وَهِيَ المُؤَشِّرُ الذي يَقيسُ النَّجاعَةَ المُشْتَرَكَةَ لِرَأْسِ المالِ وَالعَمَلِ وَالتِّكْنولوجْيا. إذْ تُشِيرُ دِراساتُ التَّنْمِيَةِ إلى أَنَّ أَكْثَرَ مِنْ 60 فِي المائَةِ مِنَ النُّمُوِّ المُحَقَّقِ فِي الاقْتِصاداتِ المُتَقَدِّمَةِ يَرْجِعُ إلى التِّكْنولوجْيا وَالتَّنْظيمِ، لا إلى رَأْسِ المالِ الخام.

بناء مؤسسات مرنة ذات كفاءة تنظيمية يُشكّل جوهر تخفيض التكلفة

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ رَفْعَ الإِنْتاجِ فِي العالَمِ العَرَبيِّ يَتَطَلَّبُ انْتِقالًا نَوْعِيًّا نَحْوَ اقْتِصادِ المَعْرِفَةِ، حَيْثُ تُصْبِحُ العَوْلَمَةُ، وَالمَهَارَةُ، وَالابْتِكارُ، عَناصِرَ قادِرَةً عَلَى خَفْضِ التَّكْلِفَةِ عَبْرَ تَقْليلِ الهَدْرِ وَتَحْسينِ تَدَفُّقِ العَمَلِيّات. أَمَّا مِنْ مَنْظورٍ اسْتْراتيجيٍّ، فَإِنَّ ميزَةَ الدُّوَلِ لَيْسَتْ فِي وَفْرَةِ الْمَوارِدِ، بَلْ فِي قُدْرَتِها عَلَى تَحْويلِها إلى مَزايا تَنافُسِيَّةٍ دَائِمَة.

لقد أَثْبَتَتْ التَّجارِبُ الآسْيَوِيَّةُ النّاجِحَةُ أَنَّ الاسْتِثْمارَ فِي البُنْيَةِ التِّكْنولوجِيَّةِ وَالبَحْثِ وَالتَّطْويرِ يُوَلِّدُ قُدْرَةً عَلَى إِنْتاجِ سِلَعٍ أَكْثَرَ جَوْدَةً بِأَقَلِّ تَكْلِفَة، لِأَنَّ التَّكْلِفَةَ هُنا لا تُفْهَمُ كَعِبْءٍ مالِيٍّ فَقَطْ، بَلْ كَمُقاوَمَةٍ يَجِبُ تَقْليلُها عَبْرَ التَّنْظيمِ وَالذَّكاءِ بِتَعْبيرِ الفَلاسِفَةِ الإِجْرائِيّين. وفي السِّياقِ العَرَبيِّ، يَعْني ذَلِكَ ضَرُورَةَ الانْتِقالِ إلى نَمُوذَجِ الإنْتاجِ ذِي "المَعْرِفَةِ الكَثيفَةِ"، وَهُوَ تَحَوُّلٌ يَفْرِضُ ثَوْرَةً تَعْليمِيَّةً وَمِهَنِيَّةً تَتَجاوَزُ التَّلْقينَ إلى تَدْريبِ القُدْرَةِ عَلَى حَلِّ المُشْكِلاتِ وَتَصْميمِ الحُلول.

الاقتصاديات الصغيرة المنفصلة تعاني غياب الحجم الكافي لتخفيض التكلفة عبر اقتصاديات السعة

مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، يُشَكِّلُ إصْلاحُ الحَوْكَمَةِ الاقْتِصادِيَّةِ بُعْدًا فَلْسَفِيًّا آخَرَ، إذْ يَرْبِطُ فَلاسِفَةُ السِّياسَةِ بَيْن فَعّالِيَّةِ المُؤَسَّساتِ وَحُرِّيَّةِ الفِعْلِ الاقْتِصادِيّ. غَيْرَ أَنَّ ارْتِفاعَ التَّكْلِفَةِ لَا يَكونُ دائِمًا اقْتِصادِيًّا، إنَّهُ نِتاجُ "احْتِكاكٍ مُؤَسَّسيٍّ" يَشْمَلُ البيروقْراطِيَّةَ، وَتَضارُبَ الصَّلاحِيّاتِ، وَضُعْفَ الشَّفافِيَّةِ، وَالرِّيع. لِذَلِكَ، فَإِنَّ بِنَاءً مُؤَسَّساتٍ مَرِنَةٍ ذَاتِ كَفَاءَةٍ تَنْظيمِيَّةٍ يُشَكِّلُ جَوْهَرَ تَخْفيضِ التَّكْلِفَةِ، لِأَنَّهُ يُقَلِّلُ زَمَنَ الْقَرارِ، وَكِلْفَةَ المُعَامَلَاتِ، وَيُحَسِّنُ ثِقَةَ الْمُسْتَثْمِرينَ، ما يَرْفَعُ بِدَوْرِهِ القُدْرَةَ الإنْتاجِيَّة.

وفِي بُعْدٍ آخَرَ، يَرْتَبِطُ خَفْضُ التَّكْلِفَةِ فِي العالَمِ العَرَبيِّ بِضَرورَةِ تَحْرِيرِ سَلاسِلِ القيمَةِ مِنَ التَّجَزُّؤِ الجُغْرَافيِّ وَالسِّياسيّ. فَالاقْتِصادِيّاتُ الصَّغيرَةُ المُنْفَصِلَة تُعانِي غِيابَ الحَجْمِ الكَافِي لِتَخْفِيضِ التَّكْلِفَةِ عَبْرَ اقْتِصادِيّاتِ السِّعَة. مِنْ هُنا يَتَأَتَّى بِناءُ فَضاءٍ اقْتِصادِيٍّ عَرَبِيٍّ شِبْهِ مُوَحَّدٍ، قادِرٍ على خَلْقِ صِناعاتٍ مُشْتَرَكَةٍ، وَتَوْزيعِ الأَدْوارِ الإنْتاجِيَّةِ، وَتَجاوُزِ الازْدِواجِيَّةِ التي تَمْتَصُّ المَوارِدَ دونَ خَلْقِ القيمَة. وَهِيَ رُؤْيَةٌ اسْتْراتيجِيَّةٌ تَتَجَاوَزُ الاقْتِصادَ إلى تَصَوُّرِ إِقْليميٍّ جَديدٍ لِلعَقلانِيَّةِ الإنْتاجِيَّة.

القوّة الإنتاجية نتاجٌ للتكامل والمعرفة والحوكمة وليست مجرد انعكاس للموارد المتاحة

أَمّا الطَّاقَةُ، إحْدى أَعْمِدَةِ التَّكْلِفَةِ، فَتَتَطَلّبُ مُقارَبَةً فَلْسَفِيَّةً اسْتْراتيجِيَّةً تَنظُرُ إلَيْها بِاعْتِبارِها مُسْتَقْبَلًا تِقْنِيًّا لَا مَوْرِدًا طَبيعِيًّا فَقَط. فَالتَّحَوُّلُ نَحْوَ الطّاقاتِ المُتَجَدِّدَةِ، خُصوصًا الشَّمْسِيَّةِ، يُتِيحُ لِلْعالِم العَرَبيِّ اسْتِقْلالًا اقْتِصادِيًّا وَتَخْفيضًا بُنْيَوِيًا للتَّكْلِفَةِ الصِّناعِيَّةِ وَالزِّراعِيَّة.

خِتامًا، لا يَسْتَقيمُ رَفْعُ الْإِنْتاجِ وَخَفْضِ التَّكْلِفَةِ عَرَبِيًّا إِلا بِرُؤْيَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ تَعْتَبِرُ الِاقْتِصادَ مَجالًا لِإبْداعِ الْعَقْلِ وَتَجاوُزِ القُيودِ، وبِناءً على مُعْطَياتٍ اقْتِصادِيَّةٍ تُؤَكِّدُ مَرْكَزِيَّةَ التِّكْنولوجْيا وَالتَّنْظيمِ، وَعلى مُسْتَوًى اسْتْراتيجيٍّ يُعِيدُ تَعْريفَ القُوَّةِ الإنْتاجِيَّةِ بِاعْتِبارِها نِتاجًا لِلتَّكامُلِ، وَالمَعْرِفَةِ، وَالحَوْكمةِ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ انْعِكاسٍ لِلمَوارِدِ المُتاحَة. بِتَوَفُّرِ هَذِهِ العَناصِرِ يُصْبِحُ الِاقْتِصادُ العَرَبيُّ قادِرًا عَلَى تَحْقيقِ الانْتِقالِ مِنْ اقْتِصادٍ رَخْوٍ إلى اقْتِصادٍ قَوِيٍّ ذي تَكْلِفَةٍ مُنْخَفِضَةٍ وَقيمَةٍ إنْتاجِيَّةٍ عالِيَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن