العرب وتغيّر المناخ

مِنْ تَدْبيرِ النُّدْرَةِ إلى تَدْبيرِ الوَفْرَة!التَّحَوُّلُ المُناخِيُّ وَإِعادَةُ تَوْجيهِ السِّياساتِ الاقْتِصادِيَّةِ في دُوَلِ المَغْرِبِ العَرَبي

شَهِدَتْ دُوَلُ المَغْرِبِ العَرَبِيِّ خِلالَ العَقْدِ الأَخيرِ تَحَوُّلاتٍ مُناخِيَّةً عَميقَةً أَعادَتْ طَرْحَ سُؤالِ العَلاقَةِ بَيْنَ البيئَةِ والسِّياساتِ الاقْتِصادِيَّةِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مَسْبوق. فَبَعْدَ سَنَواتٍ طَويلَةٍ اتَّسَمَتْ بِنُدْرَةِ المَوارِدِ الْمائِيَّة، وَتَوالي مَوْجاتِ الجَفاف، وَتَراجُعِ مَنْسوبِ السُّدودِ إلى مُسْتَوَياتٍ حَرِجَة - حَيْثُ هَبَطَتْ نِسَبُ المَلْءِ في بَعْضِ الفَتَراتِ إلى أَقَلَّ مِنْ 23% في المَغْرِب، وَإلى مُسْتَوَياتٍ مُماثِلَةٍ في الجَزائِرِ وَتونِس - انْخَرَطَتْ هَذِهِ الدُّوَلُ في مُراجَعَةٍ شامِلَةٍ لِسِياساتِها الْمائِيَّةِ والفَلاحِيَّةِ والطّاقِيَّة. غَيْرَ أَنَّ التَّحَوُّلَ المُفاجِئَ الذي عَرَفَتْهُ نِهايَةُ السَّنَةِ الْماضِيَةِ وَبِدايَةُ السَّنَةِ الْجارِيَة، والمُتَمَثِّلَ في تَساقُطاتٍ مَطَرِيَّةٍ وَثَلْجِيَّةٍ غَيْرِ مَسْبوقَة، رافَقَتْها فَيَضاناتٌ مُدَمِّرَةٌ في عَدَدٍ مِنَ المَناطِق، أَعادَ طَرْحَ الإِشْكالِ مِنْ زاوِيَةٍ مُغايِرَة.

مِنْ تَدْبيرِ النُّدْرَةِ إلى تَدْبيرِ الوَفْرَة!
التَّحَوُّلُ المُناخِيُّ وَإِعادَةُ تَوْجيهِ السِّياساتِ الاقْتِصادِيَّةِ في دُوَلِ المَغْرِبِ العَرَبي

عانَتْ دُوَلُ المَغْرِبِ العَرَبِيّ، وَعلى رَأْسِها المَغْرِبُ والجَزائِرُ وَتونِس، خِلالَ السَّنَواتِ السَّبْعِ إلى العَشْرِ الأَخيرَة، مِنْ دَوْراتِ جَفافٍ مُتَتالِيَةٍ أَدَّتْ إلى تَراجُعِ الإِنْتاجِ الفَلاحِيّ، وارْتِفاعِ مُعَدَّلاتِ التَّضَخُّمِ الغِذائِيّ، وَزِيادَةِ الضَّغْطِ على الْميزانِيّاتِ العُمومِيَّة.

فَفي المَغْرِب، تَراجَعَتْ نِسْبَةُ مَلْءِ السُّدودِ في بَعْضِ الفَتَراتِ إلى أَقَلَّ مِنْ 23%، وَهُوَ ما انْعَكَسَ مُباشَرَةً على النّاتِجِ الدّاخِلِيِّ الْخامّ، بِالنَّظَرِ إلى مُساهَمَةِ القِطاعِ الفَلاحِيِّ التي قَدْ تَصِلُ في بَعْضِ السَّنَواتِ إلى ما بَيْنَ 12% وَ14%. كَما شَهِدَتِ الجَزائِرُ وَتُونِسُ أَوْضاعًا مُشابِهَة، حَيْثُ تَقَلَّصَتِ المَوارِدُ السَّطْحِيَّةُ والْجَوْفِيَّة، وارْتَفَعَتْ تَكاليفُ الاسْتيرادِ الغِذائِيّ.

التحوّل المناخي المفاجئ الذي عرفته المنطقة كشف عن هشاشة البنيات التحتية

أَمامَ هَذا الوَضْع، اتَّجَهَتِ الدُّوَلُ الثَّلاثُ إلى تَبَنّي سِياساتٍ تَقومُ على تَعْزيزِ العَرْضِ المائِيِّ عَبْرَ تَحْلِيَةِ مِياهِ البَحْر، وَهُوَ خِيارٌ كانَ يُنْظَرُ إِلَيْهِ سابِقًا بِاعْتِبارِهِ مُكْلِفًا وَغَيْرَ مُسْتَدام. فَقَدْ أَطْلَقَ المَغْرِبُ بَرْنامَجًا طَموحًا لِبِناءِ مَحَطّاتِ تَحْلِيَةٍ جَديدَةٍ في الدّارِ البَيْضاءِ وَأكاديرَ والنّاظور، مَعَ هَدَفِ بُلوغِ قُدْرَةٍ إِنْتاجِيَّةٍ تَتَجاوَزُ 1.7 مِلْيارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ سَنَوِيًّا في أُفُقِ 2030. كَما عَزَّزَتِ الجَزائِرُ قُدُراتِها في التَّحْلِيَةِ لِتَصِلَ إلى أَكْثَرَ مِنْ 2.5 مِلْيونِ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ يَوْمِيًّا، فيما اتَّجَهَتْ تونِسُ إلى تَطْويرِ مَشاريعَ مُماثِلَةٍ على الرَّغْمِ مِنْ صُعوباتِها الْمالِيَّة. إلى جانِبِ ذَلِك، فَرَضَتِ النُّدْرَةُ الْمائِيَّةُ مُراجَعَةَ الخَريطَةِ الزِّراعِيَّة، والتَّقْليصَ مِنَ الزِّراعاتِ المُسْتَهْلِكَةِ لِلمِياه، واعْتِمادَ تِقْنِيّاتِ الرَّيِّ المَوْضِعِيّ، والِانْتِقالَ نَحْوَ مَحاصيلَ أَكْثَرَ مُقاوَمَةً لِلجَفاف. كَما تَمَّ إِدْماجُ البُعْدِ المُناخِيِّ في التَّخْطيطِ الطّاقِيّ، خاصَّةً مِنْ خِلالِ الاسْتِثْمارِ في الطّاقاتِ المُتَجَدِّدَةِ لِتَقْليلِ كُلْفَةِ التَّحْلِيَةِ وَضَمانِ اسْتِدامَتِها.

غَيْرَ أَنَّ التَّحَوُّلَ المُناخِيَّ المُفاجِئَ الذي عَرَفَتْهُ المِنْطَقَة، والمُتَمَثِّلَ في تَساقُطاتٍ قِياسِيَّةٍ وَفَيَضاناتٍ مُدَمِّرَة - كَما حَدَثَ في القَصْرِ الكَبيرِ في المَغْرِب، وَفي عَدَدٍ مِنَ المَناطِقِ الجَزائِرِيَّةِ التي سَجَّلَتْ عَشَراتِ الوَفَيَات - كَشَفَ عَنْ هَشاشَةِ البُنْياتِ التَّحْتِيَّةِ أَمامَ الأَمْطارِ الغَزيرَة، وَأَظْهَرَ أَنَّ الإِشْكالَ لَمْ يَعُدْ فَقَطْ في النُّدْرَة، بَل في عَدَمِ انْتِظامِ المَوارِد. فارْتِفاعُ دَرَجاتِ الحَرارَةِ يُؤَدّي إلى زِيادَةِ مُعَدَّلاتِ التَّبَخُّر، ما يُعَزِّزُ شِدَّةَ الْعَواصِفِ الشَّتَوِيَّةِ حينَ تَتَشَكَّلُ المُنْخَفَضاتُ الجَوِّيَّة. وَهَكَذا انْتَقَلَتِ المِنْطَقَةُ مِنْ مَنْطِقِ "نَقْصٍ دائِمٍ في المِياه" إلى مَنْطِقِ "تَقَلُّبٍ حادٍّ بَيْنَ الجَفافِ والفَيَضانات".

بَيْنَ السِّياساتِ المُنْفَرِدَةِ والحاجَةِ إلى مُقارَبَةٍ مَغارِبِيَّةٍ مُشْتَرَكَة

على الرَّغْمِ مِنَ التَّشابُهِ البُنْيَوِيِّ في التَّحَدِّياتِ المُناخِيَّةِ التي تُواجِهُ المَغْرِبَ والجَزائِرَ وَتُونِس، فَإِنَّ السِّياساتِ المُعْتَمَدَةَ تَظَلُّ ذاتَ طابِعٍ وَطَنِيٍّ مُنْفَرِد، في ظِلِّ جُمودِ مُؤَسَّساتِ اتِّحادِ المَغْرِبِ العَرَبِيّ، واسْتِمْرارِ الخِلافاتِ السِّياسِيَّةِ التي تَحولُ دونَ بَلْوَرَةِ رُؤْيَةٍ إِقْليمِيَّةٍ مُشْتَرَكَة. فَكُلُّ دَوْلَةٍ تَتَحَمَّلُ بِمُفْرَدِها كُلْفَةَ التَّكَيُّفِ المُناخِيّ، سَواءٌ مِنْ حَيْثُ تَمْويلِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ أَوْ مُواجَهَةِ الكَوارِثِ الطَّبيعِيَّة.

في المَغْرِب، يَتِمُّ تَمْويلُ جُزْءٍ مُهِمٍّ مِنَ الْمَشاريعِ الْمائِيَّةِ عَبْرَ شَراكاتٍ دَوْلِيَّةٍ وَمُؤَسَّساتِ تَمْويلٍ مُتَعَدِّدَةِ الأَطْراف، مَعَ اعْتِمادِ اِسْتراتيجِيَّةِ "السُّدودِ الكُبْرى" وَتَحْلِيَةِ المِياهِ والطّاقاتِ المُتَجَدِّدَة. وَفي الجَزائِر، تَسْتَفيدُ الدَّوْلَةُ مِنْ مَوارِدِها الطّاقِيَّةِ لِتَمْويلِ بَرامِجِ التَّحْلِيَةِ والسُّدود، غَيْرَ أَنَّ هَشاشَةَ التَّنْويعِ الاقْتِصادِيِّ تَظَلُّ عائِقًا أَمامَ اسْتِدامَةِ هَذِهِ السِّياسات. أَمّا تونِس، فَتُواجِهُ صُعوباتٍ مالِيَّةً تَجْعَلُ قُدْرَتَها على الاسْتِثْمارِ في البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ المُناخِيَّةِ مَحْدودَة، مِمّا يَزيدُ مِنْ هَشاشَتِها أَمامَ التَّقَلُّبات.

غياب التنسيق المغاربي يُـمثّل نقطة ضعف استراتيجية

يُمَثِّلُ غِيابُ تَنْسيقٍ مَغارِبِيٍّ فَعّالٍ في مَجالِ إِدارَةِ المَوارِدِ المائِيَّة، وَرَصْدِ الظَّواهِرِ المُناخِيَّة، وَتَبادُلِ المُعْطَياتِ العِلْمِيَّة، نُقْطَةَ ضَعْفٍ اسْتْراتيجِيَّةً واضِحَةً في مُواجَهَةِ التَّحَوُّلاتِ المُناخِيَّةِ المُتَسارِعَة. فالْمُناخُ بِطَبيعَتِهِ ظاهِرَةٌ عابِرَةٌ لِلحُدود، إِذْ لا تَعْتَرِفُ مَوْجاتُ الجَفافِ أَوِ الفَيَضاناتُ بِالحُدودِ السِّياسِيَّة، بَل تَمْتَدُّ آثارُها غالِبًا إلى أَكْثَرَ مِنْ دَوْلَةٍ في الوَقْتِ نَفْسِه.

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الاقْتِصارَ على مُقارَباتٍ وَطَنِيَّةٍ مُنْفَرِدَةٍ يَحُدُّ مِنْ فَعّالِيَّةِ التَّدَخُّلاتِ وَيُضاعِفُ الكُلْفَة. وَكانَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يُشَكِّلَ إِنْشاءُ مَرْصَدٍ مَغارِبِيٍّ مُشْتَرَكٍ لِلمُناخ، أَوِ اعْتِمادُ آلِيَّةٍ إِقْليمِيَّةٍ لِلإِنْذارِ المُبَكِّرِ وَتَبادُلِ البَياناتِ الْهيدْرولوجِيَّة، خُطْوَةً نَوْعِيَّةً نَحْوَ تَقاسُمِ المَخاطِرِ وَتَوْحيدِ الجُهودِ وَتَعْزيزِ القُدْرَةِ الاسْتِباقِيَّةِ في مُواجَهَةِ الكَوارِثِ الطَّبيعِيَّة.

استمرار التوترات السياسية بين بلدان المنطقة يجعل كلّ دولة تتحمّل منفردة كلفة التكيّف مع التغيّـرات المناخية

كَما أَنَّ الِانْتِقالَ مِنْ مَنْطِقِ تَدْبيرِ النُّدْرَةِ إلى مَنْطِقِ إِدارَةِ الوَفْرَةِ المُتَقَلِّبَةِ يَفْرِضُ تَبَنّي سِياساتٍ تَكامُلِيَّةٍ تَتَجاوَزُ الحُلولَ الظَّرْفِيَّة، مِنْ قَبيلِ تَطْويرِ شَبَكاتِ الرَّبْطِ الْمائِيِّ بَيْنَ الدُّوَلِ لِتَعْزيزِ التَّضامُنِ في فَتَراتِ العَجْز، وَتَنْسيقِ الاسْتْراتيجِيّاتِ الزِّراعِيَّةِ لِتَفادي الاسْتِنْزافِ غَيْرِ المُتَوازِنِ لِلمَوارِدِ المُشْتَرَكَة، والاسْتِثْمارِ الجَماعِيِّ في البَحْثِ العِلْمِيِّ المُناخِيِّ لِبِناءِ مَعْرِفَةٍ دَقيقَةٍ بِطَبيعَةِ التَّحَوُّلاتِ الْجارِيَة، إِضافَةً إلى تَوْحيدِ الْمَواقِفِ التَّفاوُضِيَّةِ في المَحافِلِ الدَّوْلِيَّةِ المَعْنِيَّةِ بِتَمْويلِ المُناخ. غَيْرَ أَنَّ اسْتِمْرارَ التَّوَتُّراتِ السِّياسِيَّةِ بَيْنَ بُلْدانِ المِنْطَقَةِ يُعَرْقِلُ بَلْوَرَةَ مِثْلِ هَذِهِ المُقارَبَةِ المُشْتَرَكَة، وَيَجْعَلُ كُلَّ دَوْلَةٍ تَتَحَمَّلُ مُنْفَرِدَةً كُلْفَةَ التَّكَيُّفِ مَعَ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّة، بِما لِذَلِكَ مِنَ انْعِكاساتٍ اقْتِصادِيَّةٍ واجْتِماعِيَّةٍ مُتَزايِدَةٍ على المَدى المُتَوَسِّطِ والبَعيد.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن