تقدير موقف

الحَرْبُ على إيران… تَمْهيدُ المَيْدانِ لِمُواجَهَةِ القَرْن!

في لَحَظاتِ التَّحَوُّلِ الكُبْرى، لا تُقْرَأُ الأَحْداثُ مِنْ ظاهِرِها، بَلْ مِنْ ظِلالِها المُمْتَدَّةِ إلى ما وَراءَ الجُغْرافْيا المُباشِرَة. وَما يَجْري اليَوْمَ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ لَيْسَ اشْتِباكًا مَوْضِعِيًّا بَيْنَ إيرانَ مِنْ جِهَة، والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإِسْرائيلَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، بَل فَصْلٌ مِنْ كِتابٍ أَكْبَرَ عُنْوانُه: مَنْ يَمْلِكُ شُروطَ اللَّحْظَةِ حينَ تَبْدَأُ المَعْرَكَةُ الكُبْرى في القَرْنِ الحادي والعِشْرين؟.

الحَرْبُ على إيران… تَمْهيدُ المَيْدانِ لِمُواجَهَةِ القَرْن!

المَشْهَد، إِذا قَرَأْناهُ كامِلًا، يَتَجاوَزُ خَطَّ النّارِ المُباشِر. واشِنْطُن تَحْرِصُ على حَشْدِ المَوْقِفِ الغَرْبِيِّ حَوْلَها؛ فَفَرَنْسا دَفَعَتْ بِحامِلَةِ الطّائِراتِ "شارْل ديغول" إلى الخَليج، في إِشارَةٍ إلى اسْتِعْدادٍ عَسْكَرِيٍّ داعِم، بَيْنَما قَرَّرَتِ المَمْلَكَةُ المُتَّحِدَةُ المُشارَكَةَ في الدِّفاعِ عَنْ حُلَفائِها في المِنْطِقَةِ مِنْ دونِ الانْخِراطِ في عَمَلٍ هُجومِيٍّ مُباشِر. فيما أَعْلَنَتْ أَلمانْيا تَأْييدَها السِّياسِيَّ لِلتَّحَرُّكِ ضِدَّ إيران، واضِعَةً ثِقْلَها الدّيبْلوماسِيَّ في الْميزان.

هَذِهِ لَيْسَتْ تَحَرُّكاتٍ تَفْصيلِيَّة، بَل إِشاراتٌ إلى أَنَّ الغَرْبَ قَرَّرَ أَنْ يَضَعَ ثِقْلَه، لا لِإِدارَةِ أَزْمَةٍ عابِرَة، بَل لِضَبْطِ مَسْرَحٍ إِقْليمِيٍّ كامِل. فالدُّوَلُ الكُبْرى، حينَ تَسْتَعِدُّ لِامْتِحانٍ تارِيخِيّ، لا تَتْرُكُ أَطْرافَها سائِبَة، وَلا تَسْمَحُ بِهَوامِشَ قَلَقٍ مَفْتوحَة.

واشنطن لا تريد عقدة الشرق الأوسط مفتوحة وهي تدخل سباقًا طويل النّفس مع الصين

الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ تُدْرِكُ أَنَّ صِراعَها البُنْيَوِيَّ لَيْسَ في الخَليجِ وَلا في شَرْقِ المُتَوَسِّط، بَل في آسْيا. خَصْمُها الصّاعِدُ هُوَ الصّين، القُوَّةُ التي تُعيدُ تَشْكيلَ مَوازينِ القُوَّةِ في المُحيطَيْنِ الهِنْدِيِّ والهادِئ، حَيْثُ تَتَقاطَعُ التِّجارَةُ العالَمِيَّةُ مَعَ سِباقِ التَّفَوُّقِ البَحْرِيِّ والتِّكْنولوجِيّ. وَواشِنْطُن، مُنْذُ سَنَوات، تُعْلِنُ أَنَّ مَرْكَزَ ثِقْلِها الاسْتْراتيجِيَّ يَنْتَقِلُ شَرْقًا. غَيْرَ أَنَّ الانْتِقالَ إلى مَعْرَكَةٍ كُبْرى لا يَتِمُّ بِقَفْزَةٍ مُباشِرَة، بَل بِتَرْتيبِ المَسْرَحِ الخَلْفِيِّ وَضَبْطِ الهَوامِشِ القَلِقَةِ قَبْلَ التَّقَدُّمِ إلى ساحَةِ الاشْتِباكِ الْحاسِم.

مِنْ هُنا تَبْدُو إِعادَةُ تَشْكيلِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ جُزْءًا مِنْ مُعادَلَةٍ أَوْسَع. حينَ تُواجِهُ واشِنْطُن بِكّين، لا تُريدُ شَرْقًا أَوْسَطًا قابِلًا لِلِاشْتِعال، بَل فَضاءً مُنْضَبِطًا تُدارُ فيهِ مَصادِرُ الطّاقَةِ وَخُطوطُ الإِمْدادِ البَحْرِيَّةِ بِإيقاعٍ يُمْكِنُ التَّحَكُّمُ فيه. الهَدَفُ لَيْسَ احْتِلالًا مُباشِرًا، بَل هَنْدَسَةُ تَوازُناتٍ تَمْنَعُ الِانْفِجارَ ساعَةَ الِانْشِغالِ بِآسْيا.

المَعْرَكَةُ مَعَ إيرانَ تُفْهَمُ في هَذا السِّياق. المَسْأَلَةُ لَيْسَتْ بَرْنامَجًا نَوَوِيًّا فَحَسْب، بَل قُدْرَةُ قُوَّةٍ إِقْليمِيَّةٍ على تَعْطيلِ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ وَتَهْديدِ أَمْنِ الطّاقَةِ وَتَحْريكِ ساحاتٍ مُتَعَدِّدَة. وُجودُ هَذِهِ القُدْرَةِ يَعْني أَنَّ الشَّرْقَ الأَوْسَطَ يَبْقى عُقْدَةً مَفْتوحَة، وَهَذِهِ العُقْدَةُ لا تُريدُها واشِنْطُن وَهِيَ تَدْخُلُ سِباقًا طَويلَ النَّفَسِ مَعَ الصّين.

في الحِساباتِ الاسْتراتيجِيَّةِ الْبارِدَة، النَّفْطُ لَيْسَ سِلْعَةً فَحَسْب، بَل وَرَقَةُ ضَغْطٍ في صِراعٍ مُمتَدّ. والصّينُ أَكْبَرُ مُسْتَوْرِدٍ لِلطّاقَةِ في العالَم، واعْتِمادُها على مَمَرّاتٍ بَحْرِيَّةٍ تَمُرُّ بِمُحاذاةِ قَواعِدَ وَأَساطيلَ أَميرْكِيَّة، نُقْطَةُ ضَعْفٍ مَعْروفَةٌ في التَّفْكيرِ الاسْتراتيجِيِّ في بِكّين. فَإِذا ضَمِنَتْ واشِنْطُن بيئَةً شَرْقَ أَوْسَطِيَّةً مُنْضَبِطَة، وَمَمَرّاتٍ آمِنَةً تَحْتَ مِظَلَّةِ حُلَفائِها، فَإِنَّها تَدْخُلُ صِراعَها الآسْيَوِيَّ وَهِيَ تُمْسِكُ بِجُزْءٍ مُعْتَبَرٍ مِنْ شِرْيانِ الطّاقَةِ العالَمِيّ.

موسكو تملك ما يكفي من أدوات التعطيل والمناورة لإرباك أيّ هندسة إقليمية تُقصيها

لَكِنَّ المَشْهَدَ لَيْسَ أُحادي الاتِّجاه. فالصّينُ دَخَلَتِ الشَّرْقَ الأَوْسَطَ اقْتِصادِيًّا بِصَبْرٍ طَويلٍ: اسْتِثْماراتٌ في المَوانِئ، شَراكاتُ بُنْيَةٍ تَحْتِيَّة، اتِّفاقِيّاتُ طاقَةٍ مُمْتَدَّة. تُدْرِكُ بِكّينُ أَنَّ واشِنْطُن تَسْعى إلى تَطْويقِها بِحِزامِ تَحالُفاتٍ يَمْتَدُّ مِنَ اليابانِ إلى أُسْترالْيا، وَلِذَلِكَ تُحاوِلُ أَنْ تُبْقِيَ الشَّرْقَ الأَوْسَطَ خارِجَ الاصْطِفافِ الحاد، وَأَنْ تَسْتَفيدَ مِنْ تَناقُضاتِهِ مِنْ دونِ أَنْ تَنْغَمِسَ في نيرانِه.

وَلا يُمْكِنُ إِغْفالُ العامِلِ الرّوسِيِّ في هَذِهِ المُعادَلَة. فَروسْيا، وَإِنْ بَدَتْ مُسْتَغْرِقَةً في حَرْبِها الأوكْرانِيَّة، تَعْرِفُ أَنَّ أَيَّ إِعادَةِ تَشْكيلٍ جَذْرِيَّةٍ لِلشَّرْقِ الأَوْسَطِ تَعْني تَقْليصَ مَجالِها الحَيَوِيِّ في شَرْقِ المُتَوَسِّطِ وَإِضْعافَ أَوْراقِها في سورْيا.

مُوسْكو لا تَبْحَثُ عَنْ مُواجَهَةٍ شامِلَةٍ مَعَ واشِنْطُن في هَذا التَّوْقيت، لَكِنَّها تَمْلِكُ ما يَكْفي مِنْ أَدَواتِ التَّعْطيلِ والمُناوَرَةِ لِإِرْباكِ أَيِّ هَنْدَسَةٍ إِقْليمِيَّةٍ تُقْصيها. وَلِهَذا يَبْقى المَشْهَدُ أَبْعَدَ مِنْ ثُنائِيَّةٍ أَميرْكِيَّةٍ - صينِيَّةٍ صافِيَة؛ إِنَّهُ ساحَةٌ تَتَقاطَعُ فيها حِساباتُ قُوًى كُبْرى، لِكُلٍّ مِنْها هَواجِسُها وَحُدودُها وَأَوْراقُها المُؤَجَّلَة.

هُنا تَتَبَلْوَرُ المُعْضِلَة: إِذا نَجَحَتْ واشِنْطُن في فَرْضِ هَنْدَسَةٍ إِقْليمِيَّةٍ مُسْتَقِرَّة، فَإِنَّها تُضَيِّقُ مَساحَةَ المُناوَرَةِ الصّينِيَّةِ في أَهَمِّ خَزّانِ طَاقَةٍ في العالَم. وَإِذا فَشِلَت، وَبَقِيَ الإِقْليمُ قابِلًا لِلِاشْتِعال، فَإِنَّها تَذْهَبُ إلى مَعْرَكَتِها الآسْيَوِيَّةِ وَهِيَ تَحْمِلُ قَلَقًا دائِمًا مِنِ انْفِجارٍ خَلْفِيٍّ قَدْ يُبَدِّدُ تَرْكيزَها وَقُوَّتَها.

إيرانُ، مِنْ ناحِيَتِها، تَجِدُ نَفْسَها أَمامَ ـ أَوْ بِالأَحْرى انْدَفَعَتْ إلى قَلْبِ - هَذا الاشْتِباكِ التّاريخِيّ. إِنْ صَمَدَتْ وَفَرَضَتْ مُعادَلَةَ رَدْعٍ مُسْتَقِرَّة، أَبْقَتِ الشَّرْقَ الأَوْسَطَ عُقْدَةً عَصِيَّةً على الإِغْلاقِ الأَميرْكِيِّ الكامِل. وَإِنْ أُضْعِفَت، يُصْبِحُ الطَّريقُ أَكْثَرَ سَلاسَةً أَمامَ مَشْروعِ إِعادَةِ التَّشْكيلِ في الإِقْليمِ وَفي العالَم.

تتشكّل صورة قوس استراتيجي يمتدّ من أثينا ونيقوسيا مرورًا بتل أبيب وبعض العواصم العربية وصولًا إلى نيودلهي

غَيْرَ أَنَّ الحُروبَ الكُبْرى لا تُدارُ بِالصَّواريخِ وَحْدَها، بَل بِالتَّحالُفاتِ أَيْضًا. مِنْ هُنا تَكْتَسِبُ تَحَرُّكاتُ رَئيسِ وُزَراءِ الهِنْدِ نارينْدْرا مودي مَعَ رَئيسِ الوُزَراءِ الإِسْرائيلِيِّ بِنْيامِين نِتِنْياهو مَعْناها الأَوْسَع: شَبَكَةٌ تَمْتَدُّ أَمْنِيًّا واقْتِصادِيًّا وَتِقْنِيًّا، وَتَضُمُّ دُوَلًا مُتَوَسِّطِيَّةً وَأَطْرافًا عَرَبِيَّة، في قَوْسٍ يَرْبِطُ الطّاقَةَ بِالتِّكْنولوجْيا بِالْجُغْرافْيا.

الهِنْدُ لَيْسَتْ تَفْصيلًا في مُعادَلَةِ القَرْن؛ فَهِيَ قُوَّةٌ ديموغْرافِيَّةٌ واقْتِصادٌ صاعِدٌ وَخَصْمٌ جِيوسياسِيٌّ لِلصّينِ في آسْيا. إِدْخالُها في شَبَكَةٍ شَرْق أَوْسَطِيَّةٍ أَوْسَعَ يَعْني رَبْطَ خاصِرَةِ الصّينِ الغَرْبِيَّةِ بِتَرْتيباتٍ تَتَقاطَعُ مَعَ مَصادِرِ الطّاقَةِ وَمَمَرّاتِها، وَتَحْويلَ إِسْرائيلَ إلى عُقْدَةِ وَصْلٍ بَيْنَ آسْيا وَأوروبّا والإِقْليم.

هَكَذا تَتَشَكَّلُ صورَةُ قَوْسٍ اسْتراتيجِيٍّ يَمْتَدُّ مِنْ أَثينا وَنيقوسِيا، مُرورًا بِتَلِّ أَبيبَ وَبَعْضِ العَواصِمِ العَرَبِيَّة، وُصولًا إلى نِيودِلهي. قَوْسٌ يَجْمَعُ الطّاقَةَ والْجُغْرافْيا والتِّكْنولوجْيا في شَبَكَةٍ واحِدَة، وَيُحَوِّلُ النَّفْطَ مِنْ مَوْرِدٍ خامٍ إلى عُنْصُرٍ ضِمْنَ مَنْظومَةِ نَقْلٍ وَتَأْمينٍ واسْتِثْمارٍ تَتَحَرَّكُ في فَضاءٍ سِياسِيٍّ مُنْضَبِط.

بِكّين ـ بِالتَّأْكيد ـ لَيْسَتْ غَافِلَة. تُدْرِكُ أَنَّ تَطْويقَها لا يَتِمُّ فَقَطْ في بَحْرِ الصّينِ الجَنوبِيّ، بَل عَبْرَ خَرائِطِ الطّاقَةِ والتَّحالُفاتِ مِنَ المُتَوَسِّطِ إلى الخَليج، لِذَلِكَ تَميلُ إلى الصَّبْرِ والتَّمَدُّدِ الِاقْتِصادِيِّ الْهادِئ، وانْتِظارِ لَحْظَةِ اخْتِلالِ تَوازُنٍ لِصالِحِها.

التحوّلات الكبرى لا تمنح موقعًا لمن يكتفي بالمراقبة

ما يَجْرِي هَنْدَسَتُهُ على مَسْرَحِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ هُوَ في الْميزانِ الاسْتراتيجِيِّ إِعادَةُ رَسْمٍ لِمَسْرَحِ القَرْن. مَنْ يَرْبَحُ مَعْرَكَةَ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ اليَوْم، يَدْخُلُ مُواجَهَةَ الْغَدِ وَهُوَ أَكْثَرُ اطْمِئْنانًا إلى ظَهْرِه، وَأَكْثَرُ قُدْرَةً على الضَّغْطِ على شَرايينِ خَصْمِه.

وَيَبْقى السُّؤالُ العَرَبِيُّ المُزْمِنُ مُعَلَّقًا فَوْقَ المَشْهَدِ كُلِّه: هَل نَكونُ طَرَفًا في صِياغَةِ هَذِهِ الشَّبَكَة، أَمْ مُجَرَّدَ نِقاطِ عُبورٍ في خَرائِطِ الآخَرين؟ فالتَّحَوُّلاتُ الكُبْرى لا تَمْنَحُ مَوْقِعًا لِمَنْ يَكْتَفي بِالمُراقَبَة. امْتِلاكُ النَّفْطِ لا يَعْني امْتِلاكَ قَرارِه، والتَّحَكُّمُ بِالمَمَرّاتِ لا يُساوي التَّحَكُّمَ بِالسِّياسَة.

وَفي لَحْظَةِ إِعادَةِ تَشْكيلِ العالَم، يَكونُ الفارِقُ بَيْنَ الدَّوْرَيْنِ هُوَ الفارِقُ بَيْنَ مَنْ يَمْلِكُ تَوْزيعَ الأَوْراق، وَمَنْ يُكْتَبُ اسْمَهُ على الوَرَقَةِ مِنْ دونِ أَنْ يَمْلِكَها!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن