تقدير موقف

إيرانُ على أَبْوابِ تَحَوُّلٍ كَبير!

سَتَنْتَهي الحَرْبُ نِهايَةَ هَذا الشَّهْرِ أَوْ بِداياتِ الشَّهْرِ المُقْبِل، وَقَدْ تَنْتَهي بِمُنْتَصِرٍ وَمَهْزومٍ أَوْ بِلا نَصْرٍ أَوْ هَزيمَة، وَلَكِنَّها على خِلافِ حَرْبِ العامِ الماضي التي انْتَهَتْ بِنَتائِجَ "رَمادِيَّة" فَإِنَّ هَذِهِ الحَرْبَ سَتَنْتَهي "بِتَغْييرِ إيران"، وَهُوَ لا يَعْني بِالضَّرورَةِ سُقوطَ النِّظامِ أَوْ إِحْداثَ تَغْييرٍ مُصَنَّعٍ أَميرْكِيًّا على طَريقَةِ ما جَرى في العِراقِ عامَ 2003، إِنَّما سَيَعْني أَنَّ إيرانَ لَنْ تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الحَرْبِ كَما كانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَها وَسَتَشْهَدُ المِنْطَقَةُ تَحَوُّلاتٍ كَبيرَةً ما زالَ أَمامَ العالَمِ العَرَبِيِّ فُرْصَةٌ لِكَيْ يُؤَثِّرَ فيها.

إيرانُ على أَبْوابِ تَحَوُّلٍ كَبير!

إِنَّ المَشْهَدَ الحالِيَّ يَقولُ إِنَّ إيرانَ خَسِرَتْ جانِبًا مِنْ قُدْراتِها العَسْكَرِيَّةِ وَعَجِزَ دِفاعُها الجَوِّيُّ عَنْ إيقافِ الغاراتِ والصَّواريخِ الأَميرْكِيَّة - الإِسْرائيلِيَّة. والسُّؤالُ الذي يُطْرَحُ في حالِ خَسِرَتْ إيرانُ المَعْرَكَةَ العَسْكَرِيَّة، هَل سَتَتَفَكَّكُ القُوّاتُ النِّظامِيَّةُ وَسَتَفْقِدُ القِيادَةُ السَّيْطَرَةَ على عَناصِرِها، أَمْ سَتَحْتَفِظُ بِتَماسُكِها وَسَتَعْتَرِفُ بِأَنَّها خَسِرَتِ الحَرْبَ وَسَتَقْبَلُ القِيادَةُ الجَديدَةُ بِشُروطِ المُجْتَمَعِ الدَّوْلِيِّ في إِنْهاءِ المَشْروعِ النَّوَوِيِّ والصّاروخِيّ؟.

الحَقيقَةُ أَنَّ "التَّحَوُّلَ المُنْتَظَرَ" نَتيجَةَ هَذِهِ الحَرْبِ لَنْ يَخْرُجَ عَنْ ثَلاثَةِ سينارْيوات:

الأَوَّل، هُوَ أَنْ تَصْمُدَ إيرانُ بِمَعْنى أَنْ تَفْشَلَ الهَجَماتُ الأَميرْكِيَّةُ - الإِسْرائيلِيَّةُ في إِسْقاطِ النِّظامِ أَوْ إِحْداثِ تَغْييرٍ جِذْرِيٍّ في سُلوكِهِ وَتَوَجُّهاتِه، وَيَكْتَفي بِإِجْراءِ تَغْييراتٍ شَكْلِيَّةٍ مَحْدودَة. في الوَقْتِ نَفْسِهِ يَنْجَحُ في تَوْجيهِ ضَرَباتٍ إلى المَصالِحِ الأَميرْكِيَّةِ في الخَليجِ وَيُؤَثِّرُ على حَرَكَةِ التِّجارَةِ العالَمِيَّةِ وَيَرْفَعُ أَسْعارَ النَّفْطِ وَيُكَلِّفُ الاقْتِصادَ الأَميرْكِيَّ خَسائِرَ فادِحَةً بَعْدَ أَنْ يَنْجَحَ في إِطالَةِ أَمَدِ الحَرْب. وَهُنا قَدْ تُقْدِمُ أَميرْكا على مُغامَرَةِ إِرْسالِ قُوّاتٍ بَرِّيَّةٍ إلى إيرانَ أَوْ قُوّاتٍ كُرْدِيَّةٍ مَدْعومَةٍ أَميرْكِيًّا، وَتَكونُ بِذَلِكَ سَهَّلَتْ مُهِمَّةَ النِّظامِ الإيرانِيِّ في إِحْداثِ تَعْبِئَةٍ وَطَنِيَّةٍ خَلْفَهُ مِنْ أَجْلِ مُواجَهَةِ الغُزاةِ الجُدُد.

صواريخ "حزب الله" لم تردع إسرائيل ولم تنصر إيران وأضرّت بلبنان

والحَقيقَةُ أَنَّ فُرَصَ تَحْقيقِ هَذا السّينارْيو ضَعيفَة، خاصَّةً بَعْدَ أَنْ اتَّضَحَ عُنْفُ الضَّرَباتِ الأَميرْكِيَّةِ وَتَراجُعُ أَذْرُعِ إيرانَ في التَأْثيرِ على مَسارِ الحَرْبِ حَتّى بَعْدَ دُخولِها في المُواجَهات، وَيَكْفي حَجْمُ الضَّرَرِ الإِنْسانِيِّ والمادِّيِّ الذي أَصابَ لُبْنانَ عَقِبَ إِطْلاقِ "حِزْبِ اللهِ" لِعَدَدٍ مِنَ الصَّواريخِ على إِسْرائيلَ لَمْ تَرْدَعْها وَلَمْ تَنْصُرْ إيران، وَأَضَرَّتْ بِلُبْنان.

أَمّا السّينارْيو الثّاني، فَهُوَ أَنْ يَجْرِيَ اسْتِنْساخُ نَموذَجِ فِنِزْويلا (مَعَ وَعْيِنا بِاخْتِلافِ السِّياقِ بَيْنَ البَلَدَيْنِ) فَتُحافِظُ أَميرْكا على جِسْمِ النِّظامِ بَعْدَ أَنْ اسْتَهْدَفَتْ رَأْسَهُ في اليَوْمِ الأَوَّلِ لِلحَرْب، وَتَعْمَلُ على تَطْويعِ أَوْ اخْتِراقِ النِّظامِ الجَديدِ/القَديم، وعلى تَغْييرِ طَبيعَتِهِ وَسُلوكِه، وَسَنَكونُ في هَذِهِ الحالَةِ أَمامَ نِظامٍ جَديدٍ غَيْرِ مُنْفَصِلٍ تَمامًا عَنِ القَديمِ وَيَحْتَفِظُ بِمُؤَسَّساتِهِ وَشَكْلِه، وَلَكِنَّهُ سَيَكونُ مُطالَبًا بِتَقْديمِ تَنازُلاتٍ لأَميرْكا والمُجْتَمَعِ الدَّوْلِيّ.

هَذا السّينارْيو الذي نُرَجِّحُه، أَهَمّيَتُهُ أَوْ ميزَتُهُ أَنَّهُ يَفْتَحُ "نافِذَةَ تَسْوِيَة" توقِفُ الحَرْبَ وَيَقْبَلُها نِظامٌ جَديدٌ يَخْرُجُ مِنْ رَحِمِ النِّظامِ القَديم، وَيَكونُ قادِرًا على إِجْراءٍ إِصْلاحاتٍ سِياسِيَّةٍ جِراحِيَّةٍ تَحْفَظُ لإيرانَ تَماسُكَها وَوَحْدَتَها، وَتَشْمَلُ إِنْهاءَ المَشْروعِ النَّوَوِيِّ الإيرانِيِّ وَتَجْميدَ المَشْروعِ الصّاروخِيّ.

ستنتهي الحرب في حال فتحت إيران نافذة سياسية جديدة بتقديم شكل ومضمون جديد للنظام

صَحيحٌ أَنَّ البَعْضَ سَيَتَساءَلُ عَنْ أَنَّ قَبولَ إيرانَ بِوَقْفِ الحَرْبِ وِفْقَ الشُّروطِ الأَميرْكِيَّةِ يَعْني أَنَّها سَتَتَنازَلُ عَنْ أَوْراقِ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ التي تَمْلِكُها، وَلَكِنَّهُ يَنْسى أَوْ يَتَناسى أَنَّ الخَوْفَ مِنَ المَزيدِ مِنَ الإِضْعافِ أَوْ انْهِيارِ النِّظامِ والمُؤَسَّساتِ الإيرانِيَّةِ صارَ أَحَدَ "مَصادِرِ القُوَّة" في يَدِ النِّظامِ الحالِيّ، لأَنَّ حِساباتِ العالَمِ والمِنْطَقَةِ في ما يَتَّصِلُ بتَداعِياتِ سُقوطِه، مِنْ فَوْضى وَعُنْفٍ وَإِرْهاب، صارَ أَحَدَ الأَسْبابِ وَراءَ حِرْصِ الكَثيرِينَ على الحِفاظِ عَلَيْهِ والاكْتِفاءِ بِتَغْييرِ تَوَجُّهاتِه.

إِنَّ اغْتِيالَ المُرْشِدِ فَتَحَ البابَ أَمامَ فُرْصَةِ التَّغْييرِ والإِصْلاحِ الدّاخِلِيِّ بِقَبولٍ دَوْلِيٍّ (وَلَوْ على مَضَض) لأَنَّ صَلاحِيّاتِ المُرْشِدِ في النِّظامِ السِّياسِيِّ الإيرانِيِّ ظَلَّتْ مَحَلَّ نَقْدٍ في الدّاخِلِ والخارِج، وَبَقِيَ هُناكَ تَيّارٌ إِصْلاحِيٌّ يَرى أَنَّ صَلاحِيّاتِ المُرْشِدِ يَجِبُ أَنْ تَظَلَّ روحِيَّةً وَدينِيَّةً رَمْزِيَّةً وَلَيْسَتْ سِياسِيَّة، أَمّا في الخارِجِ وَتَحْديدًا بِالنِّسْبَةِ لِترامب وَإِسْرائيل، فَرُبَّما عارَضوهُ على مُمَيِّزاتِه.

سَتَنْتَهي الحَرْبُ في حالِ فَتَحَتْ إيرانُ نافِذَةً سِياسِيَّةً جَديدَةً تَسْتَفيدُ مِنْ غِيابِ المُرْشِدِ بِتَقْديمِ شَكْلٍ وَمَضْمونٍ جَدِيدٍ لِلنِّظام، وَهُوَ خِيارٌ يُواجِهُ تَحَدِّياتٍ مَعَ تَصاعُدِ التَّوَجُّهاتِ المُتَشَدِّدَةِ التي يُمَثِّلُها الحَرَسُ الثَّوْرِيّ، وَمَعَ الإِصْرارِ الإِسْرائيلِيِّ على هَدْمِ النِّظامِ بِرُمَّتِهِ وانْهِيارِ مُؤَسَّساتِه، حَتّى لَوْ كانَ الثَّمَنُ فَوْضًى وَعُنْفًا وَإِرْهابًا في كُلِّ دُوَلِ المِنْطَقَة.

الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات النظام الإيراني وإصلاحها وتغيير سياستها هو السيناريو الآمن للجميع

وَهُنا نَكونُ دَخَلْنا في السّينارْيو الثّالِثِ الْكارِثِيِّ والذي سَيَعْني سُقوطَ النِّظامِ وانْهِيارَ المُؤَسَّساتِ الإيرانِيَّةِ بِصورَةٍ تُذَكِّرُنا بِما جَرى في العِراقِ عَقِبَ الغَزْوِ الأَميرْكِيِّ في 2003. إِنَّ تَفْكيكَ النِّظامِ بِالقُوَّةِ وَفَرْضَ نِظامٍ جَديدٍ بِالقُوَّةِ سَيَكونُ كارِثَةً مُكْتَمِلَةَ الأَرْكانِ على الجَميع، وَسَتَتَحَوَّلُ بَقايا النِّظامِ القَديمِ وَبَقايا "الحَرَسِ الثَّوْرِيّ" إلى تَنْظيماتٍ وَفَصائِلَ أَكْثَرَ شَراسَةً وَعُنْفًا وانْتِقامًا مِنَ الجَميع.

سَيَبْقى الحِفاظُ على ما تَبَقّى مِنْ مُؤَسَّساتِ النِّظامِ الإيرانِيّ (مَهْما كانَ الرَّأْيُ فيها) وَإِصْلاحُها وَتَغْييرُ سِياسَتِها هُوَ السّينارْيو الآمِنُ لِلجَميع، وَمُشْكِلَتُهُ أَنَّ الأَميرْكيين يُفَكِّرُونَ فيه، وَلَكِنَّهُمْ يَتَراجَعونَ عَنْهُ حينَ يَسْتَمِعونَ لِنَصائِحِ الحُكومَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ التي تُرَحِّبُ بِكُلِّ كارِثَةٍ تَحُلُّ بِشُعوبِ المِنْطَقَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن