اقتصاد ومال

النَّفْطُ والغازُ في الحَرْب: أَطْماعٌ أَميرْكِيَّةٌ وَخَسائِرُ أوروبِيَّةٌ وأرْباحٌ روسِيَّة!

تَناثَرَتْ شَظايا عُدْوانِ الحِلْفِ "الصُّهْيو-أَميرْكِيّ" على إيرانَ لِتَحْطيمِ بَرْنامَجِها النَّوَوِيِّ السِّلْمِيّ، وَقُدُراتِها الصّاروخِيَّة، وَلِلهَيْمَنَةِ على قِطاعِ الطّاقَةِ فيها، في كُلِّ دُوَلِ الخَليجِ بَعْدَ أَنْ رَدَّتْ إيرانُ على ذَلِكَ العُدْوانِ بِاسْتِهْدافِ القَواعِدِ والسِّفاراتِ الأَميرْكِيَّةِ وَغَيْرِها من المُنْشَآتِ الحَيَوِيَّةِ في مِنْطَقَةِ الخَليجِ والعِراق، ثُمَّ تَجاوَزَتْها إلى إِعْلانِ السَّيْطَرَةِ على "مَضيقِ هُرْمُزَ" الذي يَمُرُّ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ خُمْسِ الصّادِراتِ النَّفْطِيَّةِ الْعالَمِيَّة، وَأَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ الصّادِراتِ النَّفْطِيَّةِ العالَمِيَّةِ المَنْقولَةِ عَبْرَ البِحار. وَلا يَبْدو في الأُفُقِ أَنَّ الرَّئيسَ الأَميرْكِيَّ الهَمَجِيَّ وَوَزيرَ حَرْبِهِ الأَكْثَرَ هَمَجِيَّة، لَدَيْهِما أَيُّ خُطَّةٍ لِإِنْهاءِ الحَرْب.

النَّفْطُ والغازُ في الحَرْب: أَطْماعٌ أَميرْكِيَّةٌ وَخَسائِرُ أوروبِيَّةٌ وأرْباحٌ روسِيَّة!

فَضَحَ جارود إيغن (Jarrod Egan) المُديرُ التَّنْفيذِيُّ لِـ"المَجْلِسِ الوَطَنِيِّ لِلهَيْمَنَةِ على الطّاقَة" الذي شَكَّلَهُ الرَّئيسُ الأَميرْكِيّ، أَطْماعَ بِلادِهِ في الثَّرْوَةِ الإيرانِيَّةِ مِنَ النَّفْطِ والْغاز، حَيْثُ صَرَّحَ في حِوارٍ لَهُ مَعَ قَناةِ "فوكْس نيوز" بِأَنَّ بِلادَهُ تَعْتَزِمُ السَّيْطَرَةَ الْكامِلَةَ على احْتِياطِيّاتِ النَّفْطِ الإيرانِيَّة.

وَتَمْلِكُ إيرانُ 208,6 مِلْياراتِ بَرْميلٍ تُعادِلُ 15,5% مِنَ الاحْتِياطِيِّ الْعالَمِيّ، وَهُوَ ثاني أَكْبَرِ احْتِياطِيٍّ نَفْطِيٍّ في العالَمِ بَعْدَ السُّعودِيَّة. كَما يَبْلُغُ احْتِياطِيُّها مِنَ الْغازِ 34 تْريلْيونَ مِتْرٍ مُكَعَّب، تُعادِلُ نَحْوَ 15,9% مِنَ الإِجْمالِيِّ العالَمِيّ، وَهُوَ ثاني أَكْبَرِ احْتِياطِيٍّ في الْعالَمِ بَعْدَ روسْيا. وَمِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّ مَنْ يُسَيْطِرُ على تِلكَ الاحْتِياطِيّاتِ الْهائِلَةِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْكِمَ قَبْضَتَهُ على السّوقِ الْعالَمِيَّة.

تَعْطيلُ الإِمْداداتِ النَّفْطِيَّةِ مِنْ مَضيقِ هُرْمُز... أوروبّا الخاسِرُ الأَكْبَرُ والوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ لا تَتَأَثَّر

شَهِدَتْ أَسْعارُ وَأَسْواقُ النَّفْطِ اضْطِراباتٍ كَبيرَةً مُنْذُ بَدْءِ الحَرْب. وَعلى الرَّغْمِ مِنَ اسْتِخْدامِ المَخْزوناتِ النَّفْطِيَّةِ لِلسَّيْطَرَةِ على الأَسْعار، قَفَزَ سِعْرُ البَرْميلِ مِنْ خامِ بْرِنْت إلى أكثر من 100 دولار لِلبَرْميلِ مَعَ تَوَقُّعاتٍ بِصُعودِهِ إلى 120 دولارًا في حالِ اسْتِمْرارِ الحَرْب، عِلْمًا بِأَنَّ سِعْرَ البَرْميلِ مِنْ سَلَّةِ "خاماتِ أوبِك"، بَلَغَ 62,3 دولارًا في يَنايِر/كانونَ الثّاني 2026.

منع شحنات النفط سوف يخلق أزمة في المعروض والأسعار

وَفي بِدايَةِ هَذا الْعام، بَلَغَ المَخْزونُ النَّفْطِيُّ التِّجارِيُّ لِدُوَلِ "مُنَظَّمَةِ التَّعاوُنِ الاقْتِصادِيَّةِ والتَّنْمية" نَحْوَ 2872 مِلْيونَ بَرْميل، وَبَلَغَ المَخْزونُ الاسْتْراتيجِيُّ نَحْوَ 1565 مِلْيونَ بَرْميل. وَبَلَغَ المَخْزونُ لَدى الدُّوَلِ خارِجَ تِلْكَ المُنَظَّمَةِ نَحْوَ 3614 مِلْيونَ بَرْميل. وَتِلْكَ المَخْزوناتُ مُجْتَمِعَةً تُعادِلُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفَ الشَهْرِ مِنَ الصّادِراتِ النَّفْطِيَّةِ الْعالَمِيَّة، وَنَحْوَ 13 شَهْرًا مِنْ حَجْمِ الصّادِراتِ النَّفْطِيَّةِ التي تَمُرُّ عَبْرَ مَضيقِ هُرْمُز.

وَمِنْ بَيْنِ 20 مِلْيونَ بَرْميلٍ مِنَ النَّفْطِ تَخْرُجُ عَبْرَ مَضيقِ هُرْمُز يَوْمِيًّا، يَتَوَجَّهُ قُرابَةُ 3 مَلايينَ بَرْميلٍ إلى دُوَلٍ أوروبِيَّةٍ تُؤَيِّدُ في غالِبِيَّتِها العُدْوانَ الأَميرْكِيَّ - الصُّهْيونِيَّ على إيران. وَيَتَوَجَّهُ نَحْوَ نِصْفِ مِلْيونِ بَرْميلٍ إلى الوِلاياتِ المُتَّحِدَة. وَسَوْفَ يُؤَدّي مَنْعُ شِحْناتِ النَّفْطِ المُتَّجِهَةِ إلى أوروبّا والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَدُوَلٍ مُسْتَوْرِدَةٍ أُخْرى، إلى خَلْقِ أَزْمَةٍ في المَعْروضِ والأَسْعارِ في أوروبّا وَبَعْضِ الدُّوَلِ المُسْتَوْرِدَة، بِكُلِّ تَأْثيراتِهِ على التَّضَخُّم، وَعلى تَجْميدِ رَأْسِ المالِ في صورَةِ ذَهَبٍ جَرى التَّسابُقُ لِشِرائِهِ وارْتَفَعَتْ أَسْعارُهُ بِاعْتِبارِهِ مَلاذًا آمِنًا وَقْتَ الحَرْب.

شركات النفط الأميركية والغربية ستحقّق فوائد كبرى من ارتفاع أسعار النفط لكنّ ارتفاع الأسعار سيعني رفع معدّلات التضخّم

أَمّا الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ فَهِيَ الأَقَلُّ تَأَثُّرًا، بِحَيْثُ بَلَغَتْ صادِراتُها مِنَ النَّفْطِ وَمُنْتَجاتِهِ 11,2 مِلْيونَ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا، وَبَلَغَتْ وارِداتُها مِنْهُما نَحْوَ 7,9 مَلايينَ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا، بِما يَعْني أَنَّها مُصَدِّرَةٌ صافيةٌ لِنَحْوَ 3,3 مَلايينَ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا مِنْهُما، وَبِالتّالِي يُمْكِنُها اسْتيعابُ تَوَقُّفِ نِصْفِ مِلْيونِ بَرْميلٍ مِنْ وارِداتِها. لَكِنَّ شَرِكاتِ النَّفْطِ الأَميرْكِيَّةَ والغَرْبِيَّةَ عُمومًا الْعامِلَةَ في مِنْطَقَةِ الخَليجِ والعِراقِ سَتَتَعَرَّضُ لأَضْرارٍ مِنَ التَّوَقُّفِ الجُزْئِيِّ لِإِنْتاجِها وَصادِراتِها، لَكِنَّها في المُقابِلِ سَتُحَقِّقُ فَوائِدَ كُبْرى مِنَ ارْتِفاعِ أَسْعارِ النَّفْط، وَمِنْ بَيْعِ مَخْزوناتِها التِّجارِيَّةِ وَحِصَصِها الإِنْتاجِيَّةِ في دُوَلٍ أُخْرى بِأَسْعارٍ مُرْتَفِعَة. لَكِنَّ ارْتِفاعَ الأَسْعارِ سَيَعْني رَفْعَ مُعَدَّلاتِ التَّضَخُّم، وَتَعْويقَ تَخْفيضِ أَسْعارِ الفائِدَةِ كَمَطْلَبٍ لِتَنْشيطِ الاقْتِصاداتِ الرَّأْسْمالِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ التي تُراوِحُ على حَافَّةِ الرُّكود، حَيْثُ إِنَّ مُعَدَّلَ نُمُوِّها 1,8% هَذا الْعام، وَرُبَّما يَنْزَلِقُ بَعْضُها إلى الرُّكودِ في ظِلِّ ارْتِفاعِ أَسْعارِ النَّفْطِ والغاز.

وَيَتَوَجَّهُ نَحْوَ 16,5 مِلْيونَ بَرْميلٍ مِنَ النَّفْطِ الذي يَتِمُّ تَصْديرُهُ عَبْرَ مَضيقِ هُرْمُز إلى الدُّوَلِ الآسْيَوِيَّةِ وَعلى رَأْسِها الصّينُ والهِنْدُ وَكورِيا الجَنوبِيَّةُ واليابان. وَبِما أَنَّ عَلاقَةَ إيرانَ مَعَ الصّينِ قَوِيَّةٌ لِلغايَةِ وَبَيْنَهُما شَراكَةٌ اسْتْراتيجِيَّةٌ مُنْذُ عامِ 2020، وَتَتَضَمَّنُ ضَخَّ الصّينِ اسْتِثْماراتٍ مُباشَرَةً قيمَتُها 400 مِلْيارِ دولارٍ على مَدارِ 25 عامًا بِواقِعِ 16 مِلْيارَ دولارٍ سَنَوِيًّا، وَمِنْها 280 مِلْيارَ دولارٍ لِقِطاعِ النَّفْطِ والغازِ الإيرانِيّ، فَإِنَّ إيرانَ لَنْ تَقومَ بِعَمَلٍ يَضُرُّ بِالمَصالِحِ الصّينِيَّة، وَبِالتّالي فَإِنَّها سَتَعْمَلُ على التَّمْريرِ الانْتِقائِيِّ لِشِحْناتِ النَّفْطِ لِتَسْمَحَ بِمُرورِهِ لأَصْدِقائِها وَعلى رَأْسِهِم الصّين، وَتَمْنَعُهُ عَنْ أَعْدائِها.

قِطاعُ النَّفْطِ الرّوسِيُّ هُوَ الرّابِحُ الأَكْبَر

يَبْدو قِطاعُ الطّاقَةِ الرّوسِيُّ هُوَ المُسْتَفيدَ الأَكْبَرَ مِنْ تَداعِياتِ العُدْوانِ "الصُّهْيو-أَميرْكِيِّ" على إيران، فَهُوَ وَحْدَهُ الْجاهِزُ لِسَدِّ النَّقْصِ في إِمْداداتِ النَّفْطِ والغازِ لأوروبّا والدُّوَلِ المُسْتَوْرِدَةِ بِصورَةٍ فَوْرِيَّةٍ مِنْ خِلالِ الطّاقاتِ الإِنْتاجِيَّةِ المُتَوَفِّرَةِ لَدَيْهِ والتي كَانَتْ تَمُدُّ أوروبّا بِأَغْلَبِ احْتِياجاتِها مِنَ الْغاز، وَجانِبٍ مُهِمٍّ مِنْ احْتِياجاتِها مِنَ النَّفْطِ قَبْلَ فَرْضِ العُقوباتِ على روسِيا بِسَبَبِ الْحَرْبِ مَعَ أوكْرانْيا. وَقَدْ أَعْفَتْ وِزارَةُ الْمالِيَّةِ الأَميرْكِيَّة، الْمَصافِيَ الهِنْدِيَّةَ مِنَ العُقوباتِ لِمُدَّةِ شَهْرٍ في حالَةِ اسْتيرادِها النَّفْطَ الرّوسِيّ، وَهِيَ دَعْوَةٌ لَها لاسْتيرادِهِ وَتَكْريرِهِ لِإِمْدادِ أوروبّا واليابانِ وَكورْيا الجَنوبِيَّةِ بِمُنْتَجاتِه.

لو طالت الحرب سوف يتجرّع الغرب السُّمّ ويقبل بعودة صادرات النفط والغاز الروسية كمُنقذ لاقتصاداته

وَتَمْلِكُ روسْيا احْتِياطِيًّا نَفْطِيًّا يَبْلُغُ 80 مِلْيارَ بَرْميل، وَتُنْتِجُ نَحْوَ 10,6 مَلايينَ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا. كَما تَتَصَدَّرُ دُوَلَ العالَمِ في احْتِياطِيِّها مِنَ الْغازِ البالِغِ 47,8 تْريلْيونَ مِتْرٍ مُكَعَّب، وَتُنْتِجُ نَحْوَ 630 مِلْيارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ في الْعام. وَلَوْ طالَتِ الحَرْبُ سَيُضْطَرُّ الْغَرْبُ إلى تَخْفيفِ عُقوباتِهِ على روسْيا في مَجالِ النَّفْطِ والْغاز، وَسَوْفَ يَتَجَرَّعُ السُّمَّ وَيَقْبَلُ بِعَوْدَةِ صادِراتِها كَمُنْقِذٍ لاقْتِصاداتِهِ مِنْ أَزْمَةِ طاقَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَهْوِيَ بِها إلى هُوَّةِ الرُّكودِ التي تُراوِحُ على حَافَّتِها أَصْلًا.

أَمّا تَأْثيرُ الحَرْبِ على الاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّة، فَهُوَ مَوْضوعٌ لِمَقالٍ آخَر.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن