الأمن القومي العربي

ميليشْياتُ العِراقِ الإيرانيةُ الخارِجَةُ عَنِ الدَّوْلَة: المَخاطِرُ والتَّحَدِّيات!

مَعَ احْتِدامِ الحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيليةِ على إيران، وَجَدَ العِراقُ نَفْسَهُ مُجَدَّدًا في أَتونِ مُعْضِلَةِ الْميليشْياتِ المُسَلَّحَةِ المَسْكوتِ عَنْها بِسَبَبِ وَلاءِ مُعْظَمِها لِإيران، وَمُحاوَلَةِ جَرِّ البِلادِ إلى وَرْطَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ إِضافية. وَيُعْتَبَرُ العِراقُ رابِعَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، بَعْدَ اليَمَنِ والسّودانِ وَليبْيا، التي تُعاني مِنْ ظاهِرَةِ الفَواعِلِ المُسَلَّحَةِ والْميليشْيات، حَيْثُ كَشَفَتْ تَطَوُّراتُ الحَرْبِ ضُلوعَ ميليشْياتٍ عِراقِيَّةٍ مُوالِيَةٍ لِإيرانَ فيها، بغْيَةَ دَعْمِ طهران على حِسابِ الدَّوْلَةِ العِراقِيَّة.

ميليشْياتُ العِراقِ الإيرانيةُ الخارِجَةُ عَنِ الدَّوْلَة: المَخاطِرُ والتَّحَدِّيات!

بِحَسَبِ مُحَلِّلين، وَصَلَ "التَّكامُلُ بَيْنَ الحَرَسِ الثَّوْرِيِّ الإيرانِيِّ والْميليشْياتِ العِراقِيَّةِ إلى مُسْتَوًى عَمَلِيّاتِيّ، لِاسْتِخْدامِ الأَراضي العِراقِيَّةِ كَمِنَصَّةٍ لِإِرْسالِ رَسائِلَ إِقْليمِيَّةٍ بِالوِكالَة".

وبَيْنَما يُصِرُّ مُحَمَّد شِيّاع السّودانيّ رَئيسُ الحُكومَةِ العِراقِيَّة، على أَنَّ "الدَّوْلَةَ هِيَ صاحِبَةُ القَرارِ الوَحيدِ حَرْبًا وَسِلْمًا"، تَكْشِفُ الصَّواريخُ المُنْطَلِقَةُ مِنْ أَراضي العِراقِ بِاتِّجاهِ أَهْدافٍ إِقْليمِيَّة، ضَعْفَ حُدودِ سُلْطَتِهِ الفِعْلِيَّة، حَيْثُ يَبْدو كَمَنْ يُديرُ الأَزْمَةَ ولا يَقودُ القَرارَ في ظِلِّ تَغَوُّلِ الفَصائِلِ المَعْروفَةِ بِالوَلائِيَّة.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ تَجْديدِ "تْرويْكا الرِّئاساتِ العِراقِيَّة" في اجْتِماعٍ نادِرٍ، مَوْقِفَ العِراقِ بِرَفْضِ اسْتِخْدامِ أَراضيهِ مُنْطَلَقًا لِلاعْتِداءِ على دُوَلِ الجِوارِ أَوْ تَهْديدِ أَمْنِها، امْتَثَلَ بَعْضُ الفَصائِلِ رَسْمِيًّا لِلحِفاظِ على الوَضْعِ الْقانونِيِّ داخِلَ "الحَشْد"، بَيْنَما صَعَّدَتْ فَصائِلُ أُخْرى مُواليةٌ لِإيرانَ وَهَدَّدَتْ بِـ"إِعادَةِ الحِساباتِ" مَعَ الحُكومَة.

وَذَهَبَتْ "حَرَكَةُ النُّجَباء"، أَبْرَزُ الفَصائِلِ المُواليةِ لِإيران، إلى التَّصْعيدِ المُباشِرِ ضِدَّ الحُكومَة، وَأَكَّدَتْ، إلى جانِبِ "كَتائِبِ سَيِّدِ الشُّهَداءِ" وَ"حِزْبِ اللَّه"، "الجاهِزِيَّةَ التّامَّةَ لِلرَّدِّ على العُدْوانِ" بَعْدَ الضَّرَباتِ التي اسْتَهْدَفَتْ مَقَرّاتِ "الحَشْد"، واعْتَبَرَتْ الِاعْتِداءاتِ الأَخيرَةَ التي اسْتَهْدَفَتْها "انْتِهاكًا لِلسِّيادَةِ العِراقِيَّة".

ازْدِواجِيَّةُ القِيادَة

كَما أَعْلَنَتْ "لَجْنَةُ تَنْسيقِ المُقاوَمَةِ الإِسْلامية" اسْتِمْرارَ الهَجَماتِ بِالطّائِراتِ المُسَيَّرَةِ على قَواعِدَ أَميرْكِيَّة، خِلافًا لِتَعْليماتِ السّوداني، الذي تَصْطَدِمُ مُحاوَلَتُهُ "مَأْسَسَةَ الحَشْدِ الشَّعْبِيِّ" بِالْكامِلِ ليكونَ تَحْتَ إِمْرَتِهِ فِعْلِيًّا، دائِمًا بِـ"الاسْتِقْلالِيَّةِ العَمَلياتِيَّةِ" لِلفَصائِلِ الوَلائِيَّة.

وَتَظْهَرُ هُنا خُطورَةُ "الازْدِواجِيَّةِ القِيادِيَّة"، حَيْثُ يُصْدِرُ السّوداني أَوامِرَ بِضَبْطِ الحُدود، بَيْنَما تَتَحَرَّكُ الفَصائِلُ بِناءً على إِشاراتٍ مِنْ طَهْرانَ أَوْ "غُرْفَةِ عَمَلِيّاتِ المُقاوَمَة"...

وَباتَ الوَضْعُ الْميليشْياوِيُّ في العِراقِ مُعَقَّدًا لِلغايَةِ وَمُتَشابِكًا مَعَ بُنْيَةِ الدَّوْلَة، خاصَّةً بَعْدَما وَصَلَتْ هَذِهِ الفَصائِلُ إلى مَرْحَلَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مِنَ النُّفوذِ السِّياسِيِّ والعَسْكَرِيّ.

جُذورُ التَّبَخُّر

على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الجَيْشَ العِراقِيَّ لَمْ يُهْزَمْ بِشَكْلٍ كامِلٍ في المَعارِكِ الرَّئيسِيَّة، التي أَدَّتْ إلى إِسْقاطِ نِظامِ الرَّئيسِ الرّاحِلِ صَدّام حُسَيْن، لَكِنَّهُ تَبَخَّرَ عَمَلِيًّا خِلالَ الغَزْوِ الأَميرْكِيِّ - البَريطانِيِّ عام 2003.

الجَيْشُ الذي كانَ يَضُمُّ حَوالَيْ 1.3 مِلْيونَ مُقاتِل، لَمْ يَعُدْ لَهُ وُجودٌ فِعْلِيٌّ على الأَرْضِ تَحْتَ وَطْأَةِ خِياناتِ بَعْضِ كِبارِ قادَتِه، وَتَعَمَّقَتْ مَأْساتُهُ بِقَرارِ حَلِّهِ الذي وَصَفَهُ الرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ دونالْد تْرامْب، بِالأَحْمَقِ والخاطِئ، ووَقَّعَهُ بول بريمر الحاكِمُ المَدَنِيُّ الأَميرْكِيُّ لِلعِراق، بِدَعْوى أَنَّ الجَيْشَ كانَ رَمْزًا لِلنِّظامِ البَعْثِيّ.

دَفَعَ الفَراغُ العَسْكَرِيُّ والأَمْنِيُّ وَغِيابُ قُوَّةٍ عَسْكَرِيَّة، الْميليشْياتِ المُسَلَّحَةَ إلى الظُّهورِ تَدْريجِيًّا، حَتّى تَكَرَّسَتْ ظاهِرَةُ الفَواعِلِ عام 2014، بِتَعْبِئَةِ أَكْثَرَ مِنْ 100 أَلْفِ مُقاتِلٍ شِيعِيٍّ وَبَعْضِ السُّنَّةِ العَرَبِ لِمَلْءِ الفَراغِ اسْتِنادًا لِفَتْوى آيَةِ اللَّهِ السّيسْتانِيّ بِدَعْوَةِ جَميعِ العِراقِيّينَ الْقادِرِينَ جَسَدِيًّا إلى الدِّفاعِ عَنْ بِلادِهِمْ.

وَسَمَحَ الفَراغُ العَسْكَرِيُّ الذي خَلَّفَهُ حَلُّ الجَيْش، بِتَكْوينِ ميليشْياتٍ داخِلَ المُؤَسَّسَةِ العَسْكَرِيَّةِ الجَديدَة، مِمّا جَعَلَها رَهينَةَ الأَحْزابِ السِّياسِيَّة، ما دَفَعَ البَعْضَ إلى اتِّهامِ الأَميركيينِ بِالتَّواطُؤِ مَعَها لِتَدْميرِ المُؤَسَّسَةِ العَسْكَرِيَّة.

بِحَلِّ الْجَيْشِ العِراقِيّ، دَفَنَتْ الوِلاياتُ المُتَّحِدَة، لِتَحْقيقِ مَصْلَحَةِ إِسْرائيل، عُقودًا مِنَ الخِبْرَةِ العَسْكَرِيَّةِ العِراقِيَّة، بَعْدَما تَعَمَّدَتْ حُصولَ انْفِلاتٍ أَمْنِيٍّ لِتَسودَ الفَوْضى والخَراب، لِنَهْبِ نَفْطِ العِراقِ وَثَرَواتِهِ وَفَرْضِ السَّيْطَرَةِ على مُقَدَّراتِه.

جَيْشٌ مُوازٍ وَإِمْبَراطورِيَّةٌ مالِيَّة

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ اعْتِرافِ زَعيمِ التَّيارِ الصَّدْرِيِّ مُقْتَدى الصَّدْر، بِخُطورَةِ الْميليشْياتِ على وَحْدَةِ الجَيْشِ وَهَيْبَتِه، تَتَوَزَّعُ هَيْكَلِيَّةُ "هَيْئَةِ الحَشْدِ الشَّعْبِيِّ" في العِراقِ كَجَيْشٍ مُوازٍ يَضُمُّ نَحْوَ 200 أَلْفِ مُقاتِل، لَكِنَّها تَنْقَسِمُ وَلائِيًّا إلى ثَلاثَةِ تَيّاراتٍ مُتَصارِعَة.

وَبَيْنَما يَلتَزِمُ "حَشْدُ العَتَباتِ" بِمَرْجِعِيَّةِ النَّجَفِ والِانْضِباطِ الحُكومِيّ، وَتَتْبَعُ "سَرايا السَّلامِ" الصَّدْرَ، تَبْرُزُ "الفَصائِلُ الوَلائِيَّةُ" الأَخْطَرُ والأَقْوى لِارْتِباطِها العَقائِدِيِّ والعَمَلِيّاتِيِّ المُبَاشِرِ بِطَهْران.

وَلَمْ تَعُدْ هَذِهِ الفَصائِلُ تَضُمُّ مُجَرَّدَ عناصرِ مِنَ المُشاة، بَلْ تَحَوَّلَتْ إلى قُوَّةٍ تَمْتَلِكُ تِكْنولوجِيا المُسَيَّراتِ والصَّواريخِ بَعيدَةَ المَدى، مِمّا مَكَّنَها مِنْ بِناءِ "دَوْلَةٍ داخِلَ الدَّوْلَة" وَتُعْلِنُ الحَرْبَ بِمَعْزِلٍ عَنْ قَرارِ بَغْداد، مُسْتَفيدَةً مِنْ "شَرْعَنَةِ" وُجودِها عَبْرَ مُوازَناتٍ رَسْميةٍ ضَخْمَةٍ تَجاوَزَتْ 3.5 مِلْياراتِ دولارٍ في الْعامَيْنِ الْماضِيَيْن.

هَذا التَّغَوُّلُ الْميليشْياوِيُّ المُتَشابِكُ مَعَ بُنْيَةِ الدَّوْلَة، باتَ يُقَوِّضُ السِّيادَةَ الوَطَنِيَّة، وَيَضَعُ العِراقَ في عُزْلَةٍ دَوْلِيَّةٍ وَتَحْتَ طائِلَةِ العُقوبات، خاصَّةً مَعَ اسْتِهْدافِ المَصالِحِ الأَجْنَبِيَّةِ وَتَصاعُدِ نُفوذِ الفَصائِلِ سِياسِيًّا وَعَسْكَرِيًّا.

مُعْجِزَةٌ وَشُموع

طِبْقًا لِمَعْهَدِ "واشِنْطُن لِسِياسَةِ الشَّرْقِ الأَدْنى"، "تُسَيْطِرُ الْميليشْياتُ على مَمَرّاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ حَيَوِيَّةٍ وَتَمْتَلِكُ تَرْسانَةً عَسْكَرِيَّةً تُهَدِّدُ سِيادَةَ الْعِراقِ واسْتِقْرارَ جيرانِه".

وَذَهَبَتْ تَقاريرُ إلى أَنَّ "المُشْكِلَةَ في العِراقِ لَيْسَتْ في وُجودِ السِّلاحِ فَقَط، بَلْ في 'شَرْعَنَةِ' هَذا السِّلاحِ عَبْرَ ميزانِيّاتِ الدَّوْلَة، مِمّا يَجْعَلُ تَفْكيكَ هَذِهِ الفَصائِلِ مُعْضِلَةً سِياسِيَّةً واقْتِصادِيَّة، قَبْلَ أَنْ تَكونَ عَسْكَرِيَّة".

وَلَطالَما وَثَّقَتْ تَقاريرُ حُقوقِيَّة، تَوَرُّطَ فَصائِلَ مُسَلَّحَةٍ في عَمَلِيّاتِ إِخْفاءٍ قَسْرِيٍّ وَقَمْعٍ لِلِاحْتِجاجَاتِ الشَّعْبِيَّة، مُسْتَفيدَةً مِنَ الحَصانَةِ الْقانونِيَّةِ التي يُوَفِّرُها غِطاءُ "الحَشْدِ الشَّعْبِيّ".

وَبَيْنَما يَتَرَقَّبُ العِراقِيّونَ مُعْجِزَةً تُعيدُ لَهُم جَيْشَهُم، تُطْفِئُ الْميليشْياتُ بِكَثافَةِ نيرانِها "الصَّديقَة"، شُموعَ قَرْنٍ على تَأْسيسِه، ليظَلَّ العَبَثُ المُسَلَّحُ هُوَ سَيِّدَ المَوْقِف في البلاد!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن