الْهَيْمَنَةُ على المِنْطَقَةِ بِأَذْرُعٍ وَميليشْياتٍ وَفِرَقِ الاسْتِغْلالِ المِلَلِيِّ والدّينِيِّ مَشْروعٌ فاشِلٌ لِضَبْطِ سَيْرورَةِ المُجْتَمَعاتِ الحَيَّةِ في مِنْطَقَتِنا، وَكَذَلِكَ تَضْخيمُ الِانْكِشَافِ العَسْكَرِيِّ والِاسْتِهانَةُ بِأَنْماطِ عَيْشِ النّاسِ وَمُعْتَقَداتِهِمْ وَتَسْريعُ تَغْييرِ خَرائِطِ الأَوْطانِ وَتَهْجيرُ السُّكّانِ وَقَلْبُ المَشْهَدِ مَشْروعٌ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُخَرِّبَ الواقِعَ فَحَسْب، أَمّا أَنَّ النّاسَ يُمْكِنُ أَنْ تَقْبَلَ بِهِ وَتَحْيا اسْتِنادًا إلى أَوْهامِهِ فَهَذا غَيْرُ قابِلٍ لِلْحُدوثِ في عَصْرِ التَّحَوُّلاتِ التِّكْنولوجِيَّةِ الكُبْرى. ذَلِكَ أَنَّ عَلاقَةَ الإِنْسانِ بِالكَوْنِ تَجاوَزَتِ السُّلوكِيّاتِ الحَيَوانِيَّةَ البَشَرِيَّةَ في القَتْل، وَرَبَطَتْ مَصيرَ البَشَرِيَّةِ بِالآلَةِ والرَّقْمَنَةِ والتَّفْكيرِ الاسْتِباقِيِّ في المَجالاتِ كافَّة.
السياسة الرشيدة تمنع تحوُّل الخطاب السياسي إلى حرب
لِذا إِنَّ ذِهْنِيَّةَ الحُروبِ التَّدْميرِيَّةِ الكُبْرى هِيَ مِنْ عَلائِقِ القُرونِ الْبائِدَةِ في السَّيْطَرَةِ والهَيْمَنَةِ وَفَرْضِ الأَمْرِ الْواقِع. والمُعْضِلَةُ الكُبْرى اليَوْمَ هِيَ في إِحْداثِ الافْتِكاكِ الحَقيقِيِّ بَيْنَ ذِهْنِيَّةِ التَّدْمير، وَذِهْنِيَّةِ التَّحْديثِ والتَّطْويرِ في هَذا العالَم.
في كِياناتٍ هَشَّةٍ كَدُوَلِنا، حَيْثُ الخَطَأُ السِّياسِيُّ قَدْ يَتَحَوَّلُ إلى انْهِيارٍ شامِل، تَأْخُذُ الواقِعِيَّةُ الْبارِدَةُ بُعْدًا خاصًّا، إِذْ كُلُّ تَصْعيدٍ قَدْ يَسْتَدْعي تَدَخُّلاتٍ أَكْبَرَ مِنَ الدُّوَلِ الكُبْرى، وَكُلُّ مُغامَرَةٍ قَدْ تُضاعِفُ الانْكِشافَ الفاضِحَ لِلْمَواقِفِ الرَّثَّةِ والقُدُراتِ شِبْهِ المَعْدومَة، كُلُّ قَرارٍ غَيْرُ مَحْسوبِ الْعَواقِبِ قَدْ يُدْفَعُ ثَمَنُهُ اجْتِماعِيًّا واقْتِصادِيًّا، إِضافَةً إلى الخَسائِرِ الكُبْرى في الأَرْواح.
لِذَلِكَ إِنَّ "البُرودَةَ" في هَذا الجَوِّ المُلْتَهِبِ هِيَ نَوْعٌ مِنْ ضَبْطِ النَّفْسِ السِّياسِيّ، وَهِيَ لَيْسَتْ حِيادًا، بَلِ امْتِناعٌ عَنِ التَّوَرُّطِ في صِراعاتٍ تَتَجاوَزُ القُدْرَةَ الذّاتِيَّةَ لِلدَّوْلَة. إِذًا عَلَيْنا تَفْعيلُ أَخْلاقِ تَقْليلِ الخَسائِرِ في عَمَلِنا السِّياسِيّ، وَذَلِكَ بِتَحْويلِ السِّياسَةِ مِنْ مَنْطِقِ "الِانْتِصارِ أَوِ الهَزِيمَة" إلى مَنْطِقِ "تَقْليصِ الكُلْفَةِ الوُجودِيَّةِ القاتِلَة".
القُوّة هي صناعة المتانة الذاتيّة وتعزيز الداخل المُجتمعي
إِنَّ فِكْرَةَ "السَّلامِ الدائِمِ" عِنْدَ إيمانُويلْ كانْط تَجْعَلُ الغايَةَ مِنَ الفِعْلِ السِّياسِيِّ مَنْعَ الحَرْبِ لا إِدارَتَها. وَإِذا كانَتِ الحَرْبُ هِيَ الامْتِدادَ الفِعْلِيَّ لِلْعَمَلِ السِّياسِيِّ كَما يَشْرَحُ كارْل فونْ كْلاوْزفيتْز، فَإِنَّ السِّياسَةَ الرَّشيدَةَ هِيَ التي تَمْنَعُ تَحَوُّلَ الخِطابِ السِّياسِيِّ اليَوْمِيِّ إلى لَحْظَةِ حَرْبٍ حَتْمِيَّة. عَلَيْنا التَّحَوُّلُ في تَفْكيرِنا وَنِضالِنا اليَوْمِيِّ مِنْ أَخْلاقِ المَجْدِ إلى أَخْلاقِ البَقاء. ثُمَّ نَسْأَلُ مِنْ بابِ التَّبَصُّرِ في مُراقَبَةِ المَشْهَد، كَيْفَ يُمْكِنُ لِكِيانٍ هَشٍّ أَنْ يَعيشَ في بيئَةٍ إِقْليميةٍ مُشْتَعِلَةٍ مِنْ دونِ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلى ساحَةِ حَرْبٍ دائِمَة؟ لُبْنانُ مَثَلًا فيهِ تَشابُكُ مَحاوِرَ وانْكِشافٌ أَمْنِيٌّ وَهَشاشَةٌ اقْتِصادِيَّة، وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسَبَبِ غِيابِ أَخْلاقِ البُطولَة، بَلْ بِسَبَبِ سُهولَةِ التَّعايُشِ مَعَ فائِضِ المُخاطَرَة، لِإِثْباتِ الذَّواتِ والوَلاءاتِ والاعْتِقادات.
هُنا نَطْرَحُ فِكْرَةَ العُبورِ الآمِنِ في الجَوِّ الخَطِر، في مُحاوَلَةٍ لِتَفْكيكِ الوَهْمِ السِّياسِيِّ الْقائِمِ على ثُنائِيَّةٍ حادَّةٍ في سَيْرورَتِها واقِعًا. فالسِّياسَةُ لَيْسَتِ الاصْطِفافَ الوِجْدانِيَّ إِمّا مَعَ اللَّوْنِ الأَبْيَضِ أَوْ مَعَ اللَّوْنِ الأَسْوَد، فَإِمّا أَنْ نَتَّبِعَ مَنْطِقَ التَّعْبِئَةِ الدّائِمَةِ وَتَغْدو السِّياسَةُ تَنْظيرًا لِحَرْبٍ مُسْتَمِرَّةٍ لا تَنْتَهي، وَإمّا أَنْ نَعْتَمِدَ مَنْطِقَ الحِيادِ السَّلْبِيّ، فَنَنْسَحِبَ بِنَوْعٍ مِنَ الخُبْثِ مِنَ الِاشْتِراكِ في الشَّأْنِ العام.
العبور الآمن هو محاولة تخصُّصيّة تُمارسها نُخبة علميّة بحيث لا يوكَل الأمر إلى زعماء طوائف أو رؤساء شركات
إِنَّ العُبورَ الآمِنَ يَقومُ على ثَلاثِ رَكائِز:
أَوَّلًا، وَعْيُ الهَشاشَة، أَيْ الِاعْتِرافُ بِحَقيقةِ قُدراتِنا في مَوْقِعِنا الجِيوسِياسِيّ.
ثانِيًا، حِسابُ الكُلْفَةِ الوُجودِيَّة، بِمَعْنى التَّعَقُّلِ في تَدْبيرِ القَرارِ السِّياسِيِّ مِنْ جِهَةِ وَعْيِ كُلْفَتِهِ على حَياةِ النّاسِ وَعلى الاقْتِصادِ وَعلى النَّسيجِ الاجْتِماعِيّ.
ثالِثًا، سِياسَةُ تَقْليلِ الخَسائِر، إِذْ عَلَيْنا تَغْييرُ ذِهْنِيَّةِ الانْتِصارِ الدّائِم، فَهَواجِسُ النَّجاحِ يَجِبُ أَنْ توصِلَنا إلى تَفادي الانْهِيارِ وَمَنْعِ التَّحَوُّلِ إلى ساحَةٍ فالِتَةٍ لِلدَّمارِ والقَتْلِ المَجَّانِيّ. فالقَرارُ السِّياسِيُّ مَسْؤولِيَّةٌ تُجاهَ حَياةِ المُجْتَمَع، مَسْؤولِيَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ بِالمَعْنى الأَخْلاقِيّ، كَما أَوْضَحَ إيمانُويلْ ليفيناس.
إِذًا لا بُدَّ مِنْ تَأْسيسِ تَوَجُّهاتٍ في السِّياسَة، وَتَخْطيطٍ واقِعِيٍّ لِإِمْكاناتِ العُبورِ الآمِن، بِحَيْثُ يُصْبِحُ التَّفْكيرُ في المُسْتَقْبَلِ اسْتِشْرافًا مَدْروسًا لِوَقائِعَ مُمْكِنَةٍ قائِمَةٍ على ذِهْنِيَّةِ وَعْيِ عُقْدَةِ التَّوازُناتِ الرّاهِنَةِ في القُوَّة. والقُوَّةُ سِياسِيًّا لا تَعْني المُبادَرَةَ الصِّدامِيَّة، بَلْ هِيَ صِناعَةُ المَتانَةِ الذّاتِيَّة، أَيْ تَعْزيزُ الدّاخِلِ المُجْتَمَعِيِّ وَتَحْييدُ المُجْتَمَعِ المُتَآلِفِ عَنِ الِانْفِجَارِ والتَّشَظّي. كَما أَنَّ إِدارَةَ الوَقْتِ لِمُواكَبَةِ الخُطَطِ التَّنْمَوِيَّةِ في البِلادِ هِيَ التي تُؤَجِّلُ تَأْثيراتِ الكَوارِثِ الكُبْرى لِلْحُروبِ الإِقْليمِيَّةِ مِنَ الفاعِلِيَّةِ المُباشِرَة. أَحْيانًا يَكونُ تَأْجيلُ الخَسارَة، أَوْ تَجَنُّبُ تَحَمُّلِها، إِنْجازًا سِياسِيًّا يُضاهِي الِانْتِصارَ الذَّكِيَّ في إِدارَةِ المَرْحَلَة.
الحكمة السياسية هي فنّ تقليل الخسائر الاستراتيجية القاتلة لا صناعة الأمجاد الزائفة
العُبورُ الآمِنُ لَيْسَ جُبْنًا في العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة، وَلا هُوَ انْسِحابٌ خائِبٌ مِنْ صِناعَةِ التّاريخ، بَلْ هُوَ مُحاوَلَةٌ تَخَصُّصِيَّة، تُمارِسُها نُخْبَةٌ عِلْمِيَّة، بِكُلِّ ما لِلْكَلِمَةِ مِنْ مَعْنًى، بِحَيْثُ لا يوكَلُ الأَمْرُ إلى زُعَماءِ طَوائِفَ أَوْ رُؤَساءِ شَرِكاتٍ وَإداراتِ أَمْوالٍ وَمَصارِف، بَلْ إلى ذَوي التَّجارِبِ النَّظَرِيَّةِ والتَّطْبيقِيَّةِ حَيْثُ كانوا في مُؤَسَّساتِهِمْ بِشَرْطِ الإِشْرافِ الأَكاديمِيِّ الحُرِّ على المَوْقِفِ التَّطْبيقِيِّ المَسْؤول، حَتّى نَتَمَكَّنَ مِنْ إِنْتاجِ أَخْلاقٍ سِياسِيَّةٍ نِضالِيَّةٍ جَديدَة، تَفي بِإِحْرازِ المُواكَبَةِ الحَداثَوِيَّةِ والاشْتِراكِ الفاعِلِ في الرَّقْمَنَةِ وَمُرْتَكَزاتِها الذَّكِيَّةِ الصُّنْعِيَّةِ الهائِلَة، في زَمَنِ الدُّوَلِ الهَشَّةِ التي نَسْكُنُها.
حانَ الوَقْتُ أَنْ نَفْهَم، في بيئَتِنا السّائِبَةِ التي يَتَحَوَّلُ فيها الخَطَأُ إلى كارِثَة، كَيْفَ تُصْبِحُ الحِكْمَةُ السِّياسِيَّةُ هِيَ فَنُّ تَقْليلِ الخَسائِرِ الاسْتراتيجِيَّةِ الْقاتِلَة، لا صِناعَةُ الأَمْجادِ الزّائِفَةِ الْقائِمَةِ على إِثْباتِ العَصَبِيّاتِ والأَوْهام!.
(خاص "عروبة 22")

