إغارة جيش الاحتلال الإسرائيلي على بلدة بيت جن في الجولان السوري استأثرت باهتمام واسع في الصحافة الإسرائيلية لأسباب متقاطعة، تبدأ من عدد الإصابات في صفوف عسكر الاحتلال؛ وتمرّ بمناخات الهستيريا الرخيصة التي صنعها وزير الحرب الإسرائيلي، حول تواجد حوثيّ في الأراضي السورية؛ كما تعرّج على تغذية رهاب إسرائيلي، قديم دائم التضخيم، حول "الجماعة الإسلامية" وارتباطاتها بكلّ من "الإخوان المسلمين" و"حماس" و"حزب الله" دفعة واحدة؛ ولا تنتهي عند استيهامات لا تقلّ هسترة أشاعتها القناة 13 الإسرائيلية حول خطط لعملية برية واسعة في الجنوب السوري.
وزارة حرب الاحتلال سعت إلى التغطية على تعثر الإغارة، بعد عدد من الإصابات غير مسبوق في تاريخ عمليات التوغل الإسرائيلي داخل الجنوب السوري منذ سقوط نظام "الحركة التصحيحية"، والاضطرار إلى تخلي عن عربة همفي ثمّ قصفها، والاكتفاء من الإغارة باعتقال ثلاثة مواطنين سوريين. هذا عدا عن الجزء الأكثر ركاكة في مستويات التضليل، أي مزاعم حماية سكان بيت جن الدروز؛ مع الإحجام عن تحديد الصفة المذهبية للسوريين الـ13 الذين استشهدوا تحت القصف الإسرائيلي، إذ من المرجح تماماً أن يكون بينهم دروز أيضاً.
ما غابت عن الاهتمام الإعلامي، ليس في دولة الاحتلال وحدها بل في عدد غير قليل من وسائل الإعلام السورية والعربية أيضاً، كانت إغارة ثانية إسرائيلية بدورها؛ غير عسكرية هذه المرّة، وإن كانت تحظى بمساندة صريحة من وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو يمثلون أقصى اليمين المتطرف القومي والعنصري والفاشي، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترش أساساً. ولأنّ الشيخ حكمت الهجري، الذي يغتصب مشيخة عقل الدروز في سوريا منذ سقوط نظام سيده السابق بشار الأسد، اختار إطلاق تسمية "جبل باشان" بديلاً لتسميات جبل العرب وجبل الدروز ومحافظة السويداء؛ فإنه يتلاقى مع هذه الإغارة الثانية مباشرة، وبالتالي يلتقي مع نتنياهو استطراداً.
ذلك لأنّ عناصر الإغارة الإسرائيلية الثانية أعضاء في مجموعة استيطانية إسرائيلية تطلق على نفسها اسم "روّاد باشان"، ومؤخراً عبر بعض عناصرها إلى بلدة بير عجم السورية الجولانية، في محاولة لتأسيس بؤرة استيطانية هناك. صحيح أنّ الإغارة كانت أقرب إلى سعار استيهامي جنوني وإجرامي من حيث الشكل، إلا أنها من حيث المضمون شكلت سابقة بالغة المغزى والخطورة، إذ قد تمتدّ لتشمل النقاط التسع التي توغلت إليها القوات الإسرائيلية وتتمركز فيها منذ سقوط النظام في كانون الأول (ديسمبر) 2024.
ولأنهم يتوهمون ريادة استيطانية في هذه الـ"باشان"، ذاتها التي يتوهم الهجري حكمها، فإنّ تناغم الإغارة على بير عجم مع مستوطنات إسرائيلية في جزء من الجولان السوري واقع تحت الاحتلال الإسرائيلي، ينتهي منطقياً إلى تطابق مع سياسات الحكومة الأكثر يمينية وتطرفاً في تاريخ الكيان الصهيوني. ومن تحصيل الحاصل، المباشر الصريح أو الالتفافي المموّه، أن يتلاقى نتنياهو مع الهجري: ليس تحت راية "باشانية" متطابقة، فحسب؛ بل طبقاً لسلّة مصالح عليا، إسرائيلية أوّلاً وأخيراً.
(القدس العربي)

