تَضافَرَتْ عَوامِلُ عِدَّةٌ لِجَعْلِ مِصْرَ مَحَطَّ أَنْظارِ شَرِكاتِ السَّيّاراتِ العالَمية، أَبْرَزُها تَعْويمُ الجُنَيْهِ في عامِ 2024 الذي حَقَّقَ اسْتِقْرارًا لِلاقْتِصادِ مَعَ انْخِفَاضِ الجُنَيْهِ أَمامَ الدّولارِ مِمّا جَعَلَ الأُجورَ في مِصْرَ مُنْخَفِضَةً مُقَارَنَةً بِالدُّوَلِ المُنافِسَة، إِضافَةً لِتَحْسينِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ وَانْخِفَاضِ أَسْعارِ الطَّاقَةِ مُقَارَنَةً بِالمُنافِسين.
وَبِالطَّبْعِ هُناكَ مَوْقِعُ مِصْرَ في قَلبِ العالَمِ العَرَبيِّ وَأَفْريقْيا وَالقَريبِ من أوروبا، وَالذي لَيْسَ بِبَعيدٍ عَنْ سَلاسِلِ تَوْريدِ السَّيّاراتِ الأَساسِيَّةِ في شَرْقِ آسْيا.
كَما تُوَفِّرُ قَناةُ السّوَيْسِ وَالمَناطِقُ الصِّناعِيَّةُ المُجاوِرَةُ لَها ميزَةً كَبيرَةً لاسْتيرادِ مُكَوِّناتِ السَّيّاراتِ وَسُهولَةِ التَّصْديرِ عَبْرَ المَوَانِئِ المُتَعَدِّدَةِ على البَحْرَيْنِ المُتَوَسِّطِ وَالأَحْمَر.
وَخِلالَ الفَتْرَةِ الماضِيَة، أَعْطَتْ مِصْرُ هَذِهِ الصِّناعَةَ أَوْلَوِيَّةً كَبيرَةً وَحَدَّثَتْ اسْتراتيجِيَّةَ صِناعَةِ السَّيّاراتِ وَوَفَّرَتْ تَسْهيلاتٍ كَبيرَةً لِلمُصَنِّعين.
يمكِن أن تصبح القاهرة قاعدة لتصدير السيارات الصينية المُصَنّعة في مصر إلى الاتحاد الأوروبي من دون جمارك
وَلَدَى مِصْرَ أَيْضًا ميزَةٌ كَبيرَةٌ هِيَ سِلسِلَةٌ واسِعَةٌ من اتِّفَاقِيّاتِ التِّجارَةِ الحُرَّةِ مَعَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَالاتِّحادِ الأوروبيِّ وَبَريطانْيا وَتُرْكِيا وَدُوَلِ شَرْقِ وَجَنوبِ أَفْريقْيا وَتَجَمُّعِ الـ"ميركوسور" الذي يَضُمُّ أَغْلَبَ دُوَلِ أَميرْكا الجَنوبِيَّة.
وَيُعَزِّزُ فُرَصَ نُهوضِ صِناعَةِ السَّيّاراتِ المِصْرِيَّةِ عَوامِلُ خَارِجِيَّة، أَبْرَزُها تَراجُعُ القُدُراتِ التَّنافُسِيَّةِ لِلكَثيرِ مِنَ الدُّوَلِ التي تُعَدُّ تَقْليدِيًّا مُتَلَقِّيَةً لاسْتِثْماراتِ شَرِكاتِ السَّيّاراتِ العالَمِيَّةِ، فَتُرْكِيا تُعاني من تَضَخُّمٍ كَبيرٍ وَارْتِفاعِ الأُجور، وَالهِنْدُ بَدَأَتْ الأُجورُ فيها بِالارْتِفاعِ وَكَذَلِكَ المَغْرِب، كَما أَنَّ أَغْلَبَ المُنافِسينَ لا يَسْتَطيعونَ مُضاهاةَ مِصْرَ في وَفْرَةِ الأَراضي الصَّحْراوِيَّةِ الرَّخيصَة.
وَالصّينُ المُصَنِّعُ الأَكْبَرُ لِلسَّيّاراتِ عالَمِيًّا تُواجِهُ حَرْبًا تِجارِيَّةً ضَرُوسًا، وَمن مَصْلَحَتِها جَعْلُ مِصْرَ قاعِدَةً لِلتَّصْديرِ إلى العالَمِ العَرَبيِّ وَأَفْريقْيا حَيْثُ يَتَواجَدُ قِلَّةٌ مِنَ المُنافِسين، وَلَكِنَّ الأَهَمَّ أَنَّ القاهِرَةَ يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ قاعِدَةً لِتَصْديرِ السَّيّاراتِ الصّينِيَّةِ المُصَنَّعَةِ في مِصْرَ إلى الاتِّحادِ الأوروبيِّ من دونِ جَمارِكَ بِفَضْلِ اتِّفاقِيَّةِ الشَّراكَةِ المِصْرِيَّة - الأوروبِيَّة، وَهُوَ ما يُعْطيها ميزَةً على السَّيّاراتِ المُصَنَّعَةِ في الصّين.
وَلَكِنْ هُناكَ تَحَدِّياتٌ عِدَّةٌ أَمامَ الاسْتِفادَةِ الكامِلَةِ من هَذِهِ الفُرْصَةِ الذَّهَبِيَّة.
أولى هَذِهِ التَّحَدِّياتِ هِيَ صِغَرُ السّوقِ المِصْرِيَّةِ نِسْبِيًّا، خاصَّةً بَعْدَ ارْتِفاعِ أَسْعارِ السَّيّاراتِ مَحَلِّيًّا، وَعلى الرَّغْمِ من ذَلِكَ يُمْكِنُ تَوَقُّعُ أَنْ يَزْدادَ حَجْمُ هَذِهِ السّوقِ مَعَ نُمُوِّ الاقْتِصادِ وَالتَّحَسُّنِ المُتَوَقَّعِ لِلدَّخْل، وَلَكِنْ سَيَظَلُّ ذَلِكَ غَيْرَ كافٍ لِبِناءِ سوقٍ كَبيرَةٍ تَسْتَوْعِبُ الإِنْتاجَ الكَمِّي لِلسَّيّاراتِ الذي يَكونُ عادَةً بِعَشَراتِ الآلافِ لِكُلِّ سَيارَة.
يجب إعطاء عناية خاصّة للصناعات المُغذّية للسيارات
وَمن هُنا تَأْتي ضَرورَةُ إيلاءِ أَوْلَوِيَّةٍ لِتَشْجيعِ الشَّرِكاتِ العالَمِيَّةِ على تَحْويلِ مِصْرَ إلى مِنَصَّةٍ لِلتَّصْدير، وَهَذا يَتَطَلَّبُ اهْتِمامًا كَبيرًا بِجَوْدَةِ التَّصْنيع، وَهِيَ عَمَلِيَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ تُساهِمَ الحُكومَةُ فيها بِتَوْفيرِ التَّدْريبِ لِلعَمالَة، وَكَذَلِكَ فَرْضِ شَكْلٍ مِن أَشْكالِ الرَّقابَةِ وَمَنْحِ شَهاداتٍ لِلجَوْدَة.
كَما يَجِبُ إِعْطاءُ عِنايَةٍ خاصَّةٍ لِلصِّناعاتِ المُغَذِّيَةِ لِلسَّيّاراتِ التي ما زالَتْ قاعِدَتُها مَحْدودَةً نِسْبِيًّا وَتُعانِي أَحْيانًا من مُشْكِلاتٍ بِالجَوْدَةِ وَالتَّسْعيرِ بِسَبَبِ عَدَمِ اعْتِيادِ الشَّرِكاتِ المَحَلِّيَّةِ على المُنافَسَةِ الدَّوْلِيَّةِ في ظِلِّ اضْطِرارِ شَرِكاتِ السَّيّاراتِ لِشِراءِ مُنْتَجاتِها لِلوَفَاءِ بِنِسَبِ الإِنْتاجِ المُقَرَّرَة.
وَلِذا يَجِبُ تَوْفيرُ دَعْمٍ ماليٍّ وَفَنّيٍّ لِلشَّرِكاتِ الوَطَنِيَّةِ المُنْتِجَةِ لِلصِّناعاتِ المُغَذِّيَةِ لِلسَّيّاراتِ مَعَ تَشْجيعِ إيجادِ مُنافِسينَ لَها سَواءً مِنَ المُنْتِجينَ المَحَلّيّينَ الجُدُدِ أَوِ الصِّغارِ أَوْ تَشْجيعِ اسْتِثْماراتِ الشَّرِكاتِ الأَجْنَبِيَّةِ لِتَوْسيعِ حَجْمِ هَذِهِ الصِّناعَةِ وَتَحْسينِ جَوْدَتِها.
من أبرز التحديات تجنّب الوقوع في فخّ أن تظلّ مصر مجرّد منصّة للتجميع المحدود للسيارات الأجنبية
وَأَحَدُ التَّحَدِّياتِ التي طَرَأَتْ مُؤَخَّرًا هُوَ ارْتِفاعُ سِعْرِ الجُنَيْهِ المِصْريِّ أَمامَ الدّولار، وَعلى الرَّغْمِ من أَنَّ هَذا مُؤَشِّرٌ إلى تَحَسُّنِ الاقْتِصادِ وَيُخَفِّضُ التَّضَخُّمَ نِسْبِيًّا، وَلَكِنَّهُ يُضْعِفُ تَنافُسِيَّةَ السَّيّاراتِ المِصْرِيَّةِ أَمامَ مُنافِسيها الخَارِجيّين. وَهُناكَ تَحَدٍّ آخَرُ هُوَ احْتِمالُ ارْتِفاعِ الأُجورِ في مِصْرَ خِلالَ السَّنَواتِ المُقْبِلَةِ مَعَ تَحَسُّنِ الاقْتِصاد، وَهُوَ ما يَسْتَلزِمُ مِنَ الشَّرِكاتِ المُصَنِّعَةِ وَضْعَ ذَلِكَ بِالاعْتِبارِ وَالعَمَلَ على زِيادَةِ الآلاتِ وَالأَتْمَتَةِ وَعَدَمِ الارْتِكانِِ إلى انْخِفاضِ الأُجورِ بِاعْتِبارِهِ ظاهِرَةً طَويلَةَ الأَمَد، وَهَذا يَتَطَلَّبُ بِدَوْرِهِ مَزيدًا مِنَ التَّدْريبِ لِلعَمالَةِ لِلتَّعامُلِ مَعَ التِّكْنولوجْيا المُتَقَدِّمَة.
وَلَكِنْ يَظَلُّ واحِدًا من أَبْرَزِ التَّحَدِّياتِ أَمامَ مِصْرَ وَالعَديدِ مِنَ الاقْتِصاداتِ النّاشِئَةِ هُوَ تَجَنُّبُ الوُقوعِ في فَخِّ أَنْ تَظَلَّ مُجَرَّدَ مِنَصَّةٍ لِلتَّجْميعِ المَحْدودِ لِلسَّيّاراتِ الأَجْنَبِيَّة، وَهَذا يَتَطَلَّبُ مَزيجًا مِنَ الإِغْراءاتِ وَالجَزاءاتِ لِلشَّرِكاتِ الأَجْنَبِيَّةِ لِزِيادَةِ المُكَوِّنِ المَحَلّيِّ مَعَ جَداوِلَ زَمَنِيَّةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّرامَةِ وَالمُرونَة، وَكَذَلِكَ دَفْعِها لِتَوْطينِ التِّكْنولوجْيا الأَمْرَ الذي يَحْتاجُ بِدَوْرِهِ لِتَشْجيعِ البَحْثِ العِلميِّ المُتَعَلِّقِ بِصِناعَةِ السَّيّاراتِ في الجامِعاتِ وَمَراكِزِ الأَبْحاثِ وَرَبْطِهِ بِالصِّناعَةِ التِّجارِيَّةِ وَإِرْسالِ بَعْثَاتٍ عِلمِيَّةٍ إلى الخارِجِ لاكْتِسابِ المَعْرِفَةِ اللّازِمَة، وَقَدْ تَحْتاجُ مِصْرُ لإِنْشاءِ أَكادِيمِيَّةٍ أَوْ مَعْهَدٍ تَعْليميٍّ وَبَحْثيٍّ مُتَخَصِّصٍ في تِكْنولوجْيا السَّيّارات.
من المهمّ أن تتعاون مصر مع محيطها العربي لأنّه سوقها الأهم
وَلَقَدْ عَمِلَتِ الحُكومَةُ بِالفِعْلِ على تَحْفيزِ زِيادَةِ المُكَوِّنِ المَحَلّيِّ بِالسَّيّاراتِ. وَلِتَعْزيزِ القيمَةِ المُضافَةِ لِصِناعَةِ السَّيّاراتِ في الاقْتِصادِ الوَطَنيِّ، هُناكَ حاجَةٌ لِتَعْزيزِ الشَّراكَةِ المالِيَّةِ وَالتِّكْنولوجِيَّةِ بَيْنَ الشَّرِكاتِ العالَمِيَّةِ وَشُرَكائِها المَحَلّيّين، وَمِصْرُ لَدَيْها بِالفِعْلِ عَدَدٌ مِنَ الشَّرِكاتِ الخاصَّةِ الكَبيرَةِ العامِلَةِ في مَجالِ السَّيّارات، وَلَكِنْ أَغْلَبَها يُحَقِّقُ الجُزْءَ الأَكْبَرَ من أَرْباحِهِ مِنَ الاسْتيراد، حَتَّى لَوْ تَعْمَلُ جُزْئِيًّا بِالتَّجْميعِ المَحَلّيّ، وَهُناكَ حاجَةٌ لِتَحَوُّلِ بَعْضِ هَذِهِ المُؤَسَّساتِ مِنَ الطّابَعِ التِّجاريِّ إلى الصِّناعيِّ بِحَيْثُ تُصْبِحُ مَصالِحُها مُتَطابِقَةً مَعَ نُمُوِّ صِناعَةِ السَّيّاراتِ الوَطَنِيَّة.
وَمِنَ المُهِمِّ أَنْ تَتَعاوَنَ مِصْرُ مَعَ مُحيطِها العَرَبيِّ لأَنَّهُ في الأَغْلَبِ سَيَكونُ سوقُها الأَهَمّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ عَبْرَ تَشْجيعِ بَعْضِ الشَّرِكاتِ الخَليجِيَّةِ على الاسْتِثْمارِ الصِّناعيِّ في مِصْر، وَهُوَ ما بَدَأَتْ تَقارِيرُ تَتَحَدَّثُ عَنْهُ بِالفِعْل، وَكَذَلِكَ تَشْجيعِ التَّبادُلِ التِّجاريِّ مَعَ صِناعَةِ السَّيّاراتِ وَمُكَوِّناتِها النّاشِئَةِ في بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لِتَجَنُّبِ أَيِّ حالَةٍ تَنافُسِيَّةٍ مَعَ صِناعَةِ السَّيّاراتِ المِصْرِيَّةِ بِحَيْثُ تَلعَبُ الأَخِيرَةُ دَوْرًا رِيادِيًّا في صِناعَةِ السَّيّاراتِ العَرَبِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

