أَهَمُّ ما أَدْلى بِهِ رَجُلُ الأَعْمالِ حَسَنْ هَيْكَل لِمُعالَجَةِ مَأْزَقِ الدُّيونِ الداخِلِيَّة، هُوَ نَقْلُ الدَّوْلَةِ لِمِلْكِيَّةِ قَناةِ السُّوَيْسِ كُلِيًّا إلى البَنْكِ المَرْكَزيِّ بِقيمَةٍ تُعادِلُ 10 تْريلْيوناتِ جُنَيْه، مُقابِلَ تَحَمُّلِهِ دُيونًا مَحَلِّيَّةً تُعادِلُها، وَنَقْلُ مِلْكِيَّةِ البُنوكِ العامَّةِ المَمْلوكَةِ لِلدَّوْلَةِ كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا إلى البَنْكِ المَرْكَزِيّ، مُقابِلَ تَصْفيرِ باقي الدُّيونِ المَحَلِّيَّةِ التي أَشارَ إلى أَنَّ مَجْموعَها يَبْلُغُ 13 تْريلْيونَ جُنَيْهٍ مِصْرِيّ. واقْتَرَحَ أَنْ يُسَدِّدَ البَنْكُ المَرْكَزِيُّ الدُّيونَ التي انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ، مِنْ خِلالِ طِباعَةِ النُّقودِ في حُدودِ 300 مِليارِ جُنَيْهٍ سَنَوِيًّا، وَيا لَهُ مِنْ "حَلّ"، فالدَّوْلَةُ لا تَحْتاجُ إلى نَقْلِ مِلْكِيَّةِ تِلْكَ الأُصولِ إلى البَنْكِ المَرْكَزيِّ لِتَحْقيقِ ذَلِك، إِذْ يُمْكِنُها أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ طِباعَةَ النُّقودِ لِسَدادِ دُيونِها، فَهُوَ لا يَمْلِكُ اسْتِقْلالِيَّةَ "البونْدِسْبَنْك" في زَمَنِه، أَوْ "الاحْتِياطيِّ الفَيْدِراليِّ" الأَميرْكيِ حالِيًّا، وَهِيَ تَقومُ بِذَلِكَ فِعْلِيًّا، في سِياسَةٍ تُغَذّي التَّضَخُّمَ نَتيجَةَ زِيادَةِ المَعْروضِ النَّقْدِيّ!.
كَما أَنَّ مَطْلوباتِ سَدادِ فَوائِدِ وَأَقْساطِ الدَّيْنِ المَحَلّي في مُوازَنَةِ عامِ 2025/2026 تَبْلُغُ 3651 مِليارَ جُنَيْه، فَماذا سَتَفْعَلُ الـ300 مِليارِ جُنَيْهٍ التي يَقْتَرِحُ أَنْ يَطْبَعَها البَنْكُ المَرْكَزِيُّ لِتَمْويلِ سَدادِ الفَوائِدِ والأَقْساط؟! وَحَتّى لَوْ أَضَفْنا الإيراداتِ المُحْتَمَلَةَ لِقَناةِ السُّوَيْسِ في أَقْصى مُسْتَوًى بَلَغَتْهُ عامَ 2022/2023 والبالِغِ 8760 مِلْيونَ دولارٍ، أَيْ ما يُعادِلُ 420 مِليارَ جُنَيْه، فَإِنَّ مَجْموعَهُما مَعًا يَقِلُّ عَنْ خُمْسِ المَبْلَغِ المَطْلوبِ لِسَدادِ فَوائِدِ وَأَقْساطِ الدُّيونِ المَحَلِّيَّة!.
قناة السويس أصلٌ سياديّ لكلّ أجيال الأمّة ولا يحقّ لجيل غير كفء في إدارة الاقتصاد أن يهدره ومعه السيادة الوطنية
أَمّا إِذا كانَ الهَدَفُ النِّهائِيُّ هُوَ بَيْعُ قَناةِ السُّوَيْسِ والبُنوكِ العامَّةِ بِاعْتِبارِ أَنَّ عائِدَ البَيْعِ هُوَ وَحْدَهُ الكَفيلُ فِعْلِيًّا بِسَدادِ الدُّيون، فَدونَها الطّوفان.. فالقَناةُ أَصْلٌ دَفَعَتْ أَجْيالٌ مُتَتابِعَةٌ مِنْ أَبْناءِ مِصْرَ ثَمَنَهُ دَمًا واحْتِلالًا وَحُروبًا وَأَمْوالًا اقْتُطِعَتْ مِنْ لَحْمِها الحَيّ، وَهُوَ أَصْلٌ سِيادِيٌّ هائِلٌ مَمْلوكٌ لِكُلِّ أَجْيالِ الأُمَّة، وَلا يَحِقُّ لِجيلٍ غَيْرِ كُفْءٍ في إِدارَةِ الِاقْتِصاد، أَنْ يُهْدِرَهُ وَمَعَهُ السِّيادَة الوَطَنِيَّة، لِسَدادِ مَدْيونِيّاتِهِ تَحْتَ أَيِّ ظَرْف. أَمّا بُنوكُ القِطاعِ العامِّ الباقِيَةُ بِحَوْزَةِ الدَّوْلَةِ فَهِيَ الآلِيَّةُ التي يُمْكِنُها مِنْ خِلالِها ضَخُّ الدَّمِ في الِاقْتِصاد، وَتَحْريكُ النُّمُوِّ والتَّشْغيلِ عَبْرَ الاسْتِثْماراتِ الجَديدَة.
الشَّعْبُ مُسْتَنْزَفٌ ضَريبِيًّا وَيُمْكِنُ زِيادَةُ الضَّرائِبِ المُباشِرَةِ على الأَثْرِياءِ فَقَط
اقْتَرَحَ رَجُلُ الأَعْمالِ زِيادَةَ الضَّرائِبِ والأَوْعِيَةِ الضَّريبِيَّة. والحَقيقَةُ أَنَّ السُّلطَةَ في مِصْرَ فَرَضَتْ مِنَ الضَّرائِبِ والغَراماتِ على المِصْرِيّينَ خِلالَ عَشَرَةِ أَعْوامٍ ما لا يُمْكِنُهُمْ تَحَمُّلُهُ أَصْلًا، حَيْثُ رَفَعَتْ ضَريبَةَ المَبيعاتِ بِنِسْبَةِ 40% بَعْدَ تَحْويلِها لِمُسَمَّى ضَريبَةِ القيمَةِ المُضافَة. كَما فَرَضَتْ ضَريبَةً على اتِّصالاتِ المَحْمولِ بِنِسْبَةِ 30%، وَطَبَّقَتْ ضَريبَةَ التَّصَرُّفاتِ العَقارِيَّةِ بِنِسْبَةِ 2,5% مِنْ قيمَةِ العَقار. وَتَمَّ تَطْبيقُها على الأَشْخاصِ الحَقيقِيّة (الطَّبَقَةِ الوُسْطى غَالِبًا)، دونَ الِاعْتِبارِيّة أَيِ الشَّرِكاتِ (الرَّأْسْمالِيَّة)، وَهُوَ تَمْييزٌ فَجٌّ ضِدَّ الطَّبَقَةِ الوُسْطى، وَمُحَاباةٌ لِلرَّأْسْمالِيَّةِ المَدَنِيَّةِ وَغَيْرِ المَدَنِيَّة. وَطَبَّقَتْ غَراماتٍ مِنْ أَجْلِ تَقْنينِ عَمَلِيّاتِ البِناءِ مِنْ دونِ تَرْخيص، وَلَمْ تَدْخُل غالِبِيَّتُها لِلْمُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ في ظِلِّ غِيابِ وَحْدَةِ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَة، والشَّعْبُ لا يَحْتَمِلُ أَيَّ ضَرائِبَ جَديدَة، إِلّا إِذا كانَتْ ضَرائبَ مُباشِرَةً تَسْتَهْدِفُ مُمَوِّلينَ مِنَ الشَّرائِحِ العُلْيا لِلدَّخْلِ فَقَط.
أَمّا الجانِبُ الذي يُمْكِنُ الاتِّفاقُ مَعَهُ فَهُوَ زِيادَةُ الأَوْعِيَةِ الضَّريبِيَّةِ لِتَشْمَلَ المَكاسِبَ الرَّأْسْمالِيَّة، والنَّشاطَ الاقْتِصادِيَّ المَدَنِيَّ لِشَرِكاتِ الأَجْهِزَةِ السِّيادِيَّةِ لِلدَّوْلَة، لِزِيادَةِ الإيراداتِ العامَّةِ وَلِتَحْقيقِ العَدالَةِ في مُجْتَمَعِ الأَعْمال.
الجباية الحكومية من ضرائب وغرامات لم تترك للقطاع العائلي مجالًا للادّخار
وَهُناكَ مُؤَشِّرٌ يَحْمِلُ الكَثيرَ مِنَ المَخاطِرِ يَتَعَلَّقُ بِمُعَدَّلِ الاسْتِهْلاكِ الخاصِّ الذي ارْتَفَعَ مِنْ 78,9% مِنَ النّاتِجِ المَحَلّيِ الإِجْماليِّ عامَ 2022/2023، إلى 87,6% عامَ 2023/2024، ثُمَّ إلى 93,6% في الأَشْهُرِ التِّسْعَةِ الأولى مِنْ عامِ 2024/2025. وَهَذا يَعْني أَنَّ الجِبايَةَ الحُكومِيَّةَ مِنْ ضَرائبَ وَغَراماتٍ لَمْ تَتْرُكْ لِلقِطاعِ العائِليِّ مَجالًا لِلِادِّخار، وَهُوَ المُساهِمُ بِأَرْبَعَةِ أَخْماسِ المُدَّخَراتِ بِالعُمُلَةِ المَحَلِيَّة، وَقُرابَةِ ثُلُثَيِ المُدَّخَراتِ بِالعُمُلاتِ الأَجْنَبِيَّة. وَأَيُّ فَرْضٍ لِضَرائبَ غَيْرِ مُباشِرَةٍ جَديدَةٍ تَسْتَهْدِفُ الفُقَراءَ والطَّبَقَةَ الوُسْطى، سَيَعْني على الأَرْجَحِ انْهِيارًا كُلِّيًّا لِمُعَدَّلِ الادِّخارِ البائِسِ أَصْلًا.
كَما طالَبَ بِتَخْفيضِ الفائِدَةِ إلى 15%، مُسْتَشْهِدًا بِعَدَمِ مَعْقولِيَّةِ صافي أَرْباحِ البُنوكِ التي تَتَجاوَزُ رَأْسَمالَها كُلَّ عامٍ بِسَبَبِ الفارِقِ الكَبيرِ بَيْنَ ما تَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْ عَوائِدِ أَذونِ الخِزانَةِ المِصْرِيَّة، والفَوائِدِ التي تَدْفَعُها لِلْمودِعينَ لَدَيْها. وَقَدَّمَ نَماذِجَ لِبُنوكٍ عِدَّة، وَمِنْها بَنْكٌ تِجارِيٌّ بَلَغَ صافي أَرْباحِهِ 110 مِلياراتِ جُنَيْهٍ في العام، بَيْنَما بَلَغَ رَأْسَمالُهُ السّوقِيُّ أَوْ حُقوقُ المِلْكِيَّةِ لِحَمَلَةِ أَسْهُمِهِ 85 مِليارَ جُنَيْه، أَيْ إِنَّ صافِيَ الرِّبْحِ يُعادِلُ 129% مِنْ رَأْسِمالِهِ السّوقِيّ.
وَيُمْكِنُ الاتِّفاقُ على ضَرورَةِ تَحْريكِ سِعْرِ الفائِدَةِ تِبْعًا لِلتَّغَيُّرِ في مُعَدَّلِ التَّضَخُّم، على أَنْ يَكونَ سِعْرُ الفائِدَةِ أَعْلى مِنْ مُعَدَّلِ التَّضَخُّمِ بِصورَةٍ مُحَفِّزَةٍ لِلادِّخارِ في بَلَدٍ يُعاني مِنْ بُؤْسِ مُعَدَّلِ الادِّخارِ الذي بَلَغَ وَفْقًا لِلبَياناتِ الرَّسْمِيَّةِ نَحْوَ 6,3% مِنَ النّاتِجِ المَحَلّيِ الإِجْماليِّ عامَ 2023/2024، مُقارَنَةً بِنَحْوِ 26% في المُتَوَسِّطِ العالَمِيّ.
لكي يتمّ تخفيض سعر الفائدة لا بدّ من تخفيض معدّل التضخّم
وَلِلعِلمِ فَإِنَّ مُعَدَّلَ التَّضَخُّمِ الرَّسْمِيَّ بَلَغَ 24,4%، وَ33,3%، وَ20,4% في الأَعْوامِ 2023، وَ2024، وَ2025 على التَّوالي. وَبِالتالي فَإِنَّ سِعْرَ الفائِدَةِ الذي ارْتَفَعَ عامَ 2024 إلى 27% كانَ أَقَلَّ مِنْ مُعَدَّلِ التَّضَخُّمِ بِما يَعْني أَنَّ الفائِدَةَ الحَقيقِيَّةَ كانَتْ سَلبِيَّة. أَمّا الفائِدَةُ التي بَلَغَتْ 21% عامَ 2025 فَهِيَ تَزيدُ بِشَكْلٍ هامِشِيٍّ على مُعَدَّلِ التَّضَخُّم.
وَلِضَبْطِ الأَرْباحِ المَصْرِفِيَّةِ الخَيالِيَّةِ مِنْ دونِ عَمَلٍ أَوْ مُخاطَرَة، مِنَ الضَّرورِيِّ تَضْييقُ الهامِشِ بَيْنَ فائِدَةِ الوَدائِعِ المَصْرِفِيَّة، والفائِدَةِ الأَعْلى على أَذونِ الخِزانَة، مَعَ قَصْرِ تَداوُلِ الأَخيرَةِ على المِصْرِيّينَ لِغَلْقِ مَنْفَذٍ هائِلٍ لِتَسَرُّبِ رَصيدِ مِصْرَ الدّولارِيِّ إلى الخارِج. وَلِكَيْ يَتِمَّ تَخْفيضُ سِعْرِ الفائِدَة، لا بُدَّ مِنْ تَخْفيضِ مُعَدَّلِ التَّضَخُّمِ عَبْرَ قَبولِ المُنْتِجينَ والتُّجّارِ أَصْحابِ المَصْلَحَةِ في تَخْفيضِها، لِمُعَدَّلاتِ رِبْحٍ مُعْتَدِلَةٍ في بَلَدٍ يُعاني مِنْ فَوْضى سِعْرِيَّةٍ، حَيْثُ يَقْتَصِرُ دَوْرُ جِهازِ حِمايَةِ المُسْتَهْلِكِ على مُواصَفاتِ السِّلَعِ دونَ الأَسْعارِ.
أَمّا الكَيْفيةُ التي يُمْكِنُ لِمِصْرَ مِنْ خِلالِها أَنْ تُعالِجَ مَأْزَقَ الدُّيونِ الداخِليةِ والخَارِجِيَّةِ في إِطَارِ إِصْلاحٍ اقْتِصادِيٍّ شامِلٍ، فَإِنَّهُ مَوْضوعٌ لِمَقالٍ خِتامِيٍّ بِشَأْنِ هَذِهِ القَضِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

