فيما انْشَغَلَ العَرَبُ بِمَعارِكِهِمُ اليَمَنِيَّة، وَالصّومالِيَّة، وَالسّودانِيَّة، بَحْثًا عَنْ نُفوذٍ قَبَليٍّ زائِف، انْشَغَلَ الأوروبِّيّون بِالدِّفاعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِاعْتِبارِهِمْ كِيانًا واحِدًا، مُدْرِكينَ حِكْمَةَ المَثَلِ العَرَبِيّ، لا الأوروبّيّ، الذي يَقولُ لَنا، مِنْ دونِ أَنْ نَسْمَعَ لَه: "أُكِلتُ يَوْمَ أُكِلَ الثَّوْرُ الأَبْيَض". وَقَفَ الأوروبِّيّون في وَجْهِ تْرامْب (البَلْطَجِيّ) دِفاعًا عَنْ أوكْرانْيا، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّها لَيْسَتْ عُضْوًا في الاتِّحادِ الأوروبِّيّ، وَدِفاعًا عَنْ الدَّنْمارْك (الصَّغيرَة)، التي لا تُمَثِّلُ شَيْئًا بِالمَقاييسِ الجِيوسِياسِيَّةِ مُقارَنَةً بِأَلمانْيا أَوْ فَرَنْسا على سَبيلِ المِثال. فَعَلَ الأوروبِّيّونَ لِلبَلَدَيْنِ ما لَمْ يَفْعَلْهُ العَرَبُ لِفِلَسْطينَ التي أَسْمَوْها في بَياناتِ كُلِّ قِمَمِهِمْ، على مَدى ثَمانينَ عامًا بـ"قَضِيَّةِ العَرَبِ المَرْكَزِيَّة".
تحرّك الأوروبيون بالتلويح بكلّ ما يملكونه من أوراق وضغوط وتداعى العرب "ليخطبوا ودّ" سيّد البيت الأبيض
في 21 نوفَمْبِر/تِشْرينَ الثّاني 2025، نَشَرَتِ الصُّحُفُ ما سُمِّيَ بِخُطَّةِ تْرامْب لِإِنْهاءِ الحَرْبِ في أوكْرانْيا، وكانَتِ الخُطَّةُ التّْرامْبِيَّة (الرّوسِيَّةُ بِامْتِياز) تَتَضَمَّنُ 28 بَنْدًا، مِنْ بَيْنِها التَّنازُلُ عَنْ أَراضٍ لِروسْيا، وَتَحْديدُ عَدَدِ القُوّاتِ المُسَلَّحَةِ الأوكْرانِيَّة، وَالتَّعَهُّدُ بَعَدَمِ الانْضِمامِ "مُسْتَقْبَلًا" إلى حِلْفِ شَمالِ الأَطْلَسِيّ… إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بُنودٍ لا تَهْدِفُ إلى "السَّلام"، بِالمَعْنى الذي نَعْرِفُه، بَل إلى إِنْهاءِ الحَرْب، لِصالِحِ الأَقْوى "وَبِأَيِّ ثَمَن".
لَمْ تَمْضِ أَيّام، انْتَفَضَ فيها الأوروبِّيّونَ يَسْتَنْكِرونَ مِثْلَ هَكَذا خُطَّةٍ حَتّى جَرى تَعْديلُها جَذْرِيًّا، أَوْ بِالأَحْرى "أوروبِّيًّا" لِتَقْتَصِرَ على 20 بَنْدًا، تَتَضَمَّنُ الاعْتِرافَ بِسِيادَةِ أوكْرانْيا الكامِلَةِ على أَراضيها، مع اعْتِبارِ السَّيْطَرَةِ الرّوسِيَّةِ في الشَّرْق "احْتِلالًا مُؤَقَّتًا" يَخْضَعُ لِمُفاوَضاتٍ سِياسِيَّةٍ طَويلَةِ الأَمَد (على غِرارِ نَموذَجِ أَلمانْيا الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّة).
في المُقارَنَةِ بَيْنَ خُطَّةِ تْرامْب الأولى، وَتِلْكَ التي عَدَّلَتْها الضُّغوطُ الأوروبِّيَّة، كَثيرٌ مِنَ التَّفاصيل، التي لَنْ يَتَّسِعَ لَها هَذا المَقال. ما يَهُمُّنا هُنا هُوَ المُقارَنَةُ بَيْنَ ما جَرى لِخُطَّةِ تْرامْب بِشَأْنِ أوكْرانْيا (وَتَعْديلِها أوروبِّيًّا)، وَما جَرى لِخُطَّتِهِ بِشَأْنِ غَزَّة (وَتَعْديلِها إِسْرائيلِيًّا).
كَما وَصَفَ غْرينْلانْد في أَغُسْطُس/آب 2019 بِأَنَّها "صَفْقَةٌ عَقارِيَّةٌ ضَخْمَة"، قالَ دونالد تْرامْب في أُكْتوبَر/تِشْرينَ الأَوَّلِ 2024 إِنَّ غَزَّةَ تَمْتَلِكُ مَوْقِعًا جُغْرافِيًّا "أفضل من موناكو" وَإِنَّها يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ مَقْصَدًا سِياحِيًّا رائِعًا. وَهِيَ الفِكْرَةُ ذاتُها التي عَبَّرَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَواتٍ بِمُصْطَلَحِهِ الشَّهيرِ "ريفْييرا الشَّرْقِ الأَوْسَطِ" (فِبْرايِر/شُباط 2025)، لاحِظوا مِنْ فَضْلِكُمْ أَنَّ تَصْريحَهُ ذَلِك، الذي عَبَّرَ فيهِ عَنْ نِيَّتِهِ "تَمَلُّكَ" غَزَّةَ لِتَحْويلِها إلى مُنْتَجَعٍ سِياحِيٍّ، وَما تَطْلُبُهُ خُطَّتُهُ تِلْكَ مِنْ تَهْجيرٍ لِلفِلَسْطينِيّينَ إلى الدُّوَلِ المُجاوِرَة، كانَ في مُؤْتَمَرٍ صَحافِيٍّ بَعْدَ اجْتِماعٍ مُطَوَّلٍ مع رَئيسِ الوُزَراءِ الإِسْرائيليِّ بِنْيامينَ نِتِنْياهو.
كَما تَحَرَّكَ الأوروبِّيّونَ لِإِجْهاضِ خُطَطِ تْرامْب بِشَأْنِ أوكْرانْيا وَغْرينْلانْد، بِالتَّلويحِ بِكُلِّ ما يَمْلِكونَهُ مِنْ أَوْراقٍ وَضُغوط، تَداعى العَرَبُ إلى "قِمَّةٍ قاهِرِيَّة"، لا "لِيَخْطُبوا" فَقَطْ كَعادَتِهِمْ، بَل وَ"لِيَخْطُبوا وُدَّ" سَيِّدِ البَيْتِ الأَبْيَض، عَساهُ يَتَراجَع، وَلَوْ قَليلًا عَنْ بَعْضِ التَّفاصيل، التي تُؤَرِّقُ هَذِهِ الدَّوْلَةَ "الجارَة"، أَوْ تِلْك. لا ضُغوطَ هُناك، وَلا حَتّى التَّلويحُ بِها. وَهُوَ ما فَصَّلناهُ في مَقالٍ نُشِرَ في هَذه المِنَصَّةِ في حينِه.
نجح الأوروبيون في تعديل بنود خطة ترامب بشأن غرينلاند وسكت العرب عن التعديل "الإسرائيلي" لخطته بشأن غزّة
عِنْدَما غابَتِ الضُّغوط، أَوْ حَتّى التَّذْكيرُ "بِأَنَّنا نَمْلِكُها"، كانَ مِنَ الطَّبيعيِّ أَنْ يَجْتَمِعَ "الرَّئيس"، بِعَدَدٍ مِنَ القادَةِ العَرَبِ وَالمُسْلِمينَ على هامِشِ الجَمْعِيَّةِ العامَّة، في سِبْتَمْبِر/أَيْلولَ الماضي لِيُناقِشَ بُنودَ خُطَّتِهِ "الاسْتِثْمارِيَّة" تِلْك، التي كانَ مِنَ اللّافِتِ (وَالدَّالِّ) أَنَّهُ لَمْ يُعْلِنْ عَنْها رَسْمِيًّا (بِبُنودِها العِشْرين) إِلّا بَعْدَ اجْتِماعٍ مع بِنْيامينَ نِتِنْياهو (29 سِبْتَمْبِر/أَيْلولَ 2025). يَوْمَها أَعْلَنَ وَزيرُ الخارِجِيَّةِ الباكِسْتانِيُّ بِكُلِّ وُضوحٍ أَنَّ النُّقاطَ العِشْرينَ التي أَعْلَنَها الرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ دونالد تْرامْب ضِمْنَ خُطَّتِهِ بِشَأْنِ غَزَّة، وَبِحُضورِ رَئيسِ الوُزَراءِ الإِسْرائيلِيّ، تَخْتَلِفُ جَذْرِيًّا عَمّا كانَ قَدِ اتُّفِقَ عَلَيْهِ مع مَنْ اجْتَمع بِهِمْ مِنْ قادَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَالإِسْلامِيَّة.
نَجَحَ الأوروبِّيّونَ إِذَنْ في تَعْديلِ بُنودِ خُطَّةِ تْرامْب بِشَأْنِ غْرينْلانْد، وَسَكَتَ العَرَبُ عَنِ التَّعْديلِ "الإِسْرائيليّ" لِما كانوا سَمِعوهُ مِنْ تْرامْب مِنْ بُنودٍ لِخُطَّتِهِ بِشَأْنِ غَزَّة، وَالذي سَنَرى نَتائِجَهُ حَتْمًا في مُقْبِلِ الأَيام.
أَمّا لِماذا نَجَحَ هَؤُلاء، وَسَكَتَ أولَئِك؟ فَفي هَذا حَديثٌ يَطول.
هَل كانَ لَدى العَرَبِ ما يَفْعَلونَه؟ نَعَم... وَناقَشْنا الأَمْرَ هُنا مِنْ قَبْل.
يَبْقى فَقَطْ مُلاحَظَةُ أَنَّ العَرَبَ الذينَ كانوا قَدْ تَداعَوْا لِقِمَّةٍ في مارِس/آذارَ الماضي رَدًّا على تَصْريحاتِ تْرامْب حَوْلَ تَحْويلِ غَزَّةَ إلى "ريفْييرا الشَّرْقِ الأَوْسَط"، كانوا هُمْ أَنْفُسَهُمُ الذينَ سارَعُوا إلى تَلبِيَةِ دَعْوَتِه، بَعْدَ عامٍ واحِدٍ لِلانْضِمامِ إلى ما أَسْماهُ "مَجْلِسَ السَّلام" وَالذي شَهِدَ الإِعْلانُ عَنْهُ قَبْلَ أَيامٍ في دافوسْ عَرْضًا تَقْديمِيًّا قامَ بِهِ صِهْرُهُ لِخُطَّةِ تَحْويلِ غَزَّةَ إلى "ريفْييرا الشَّرْقِ الأَوْسَط" (ذاتِها). يا لَها مِنْ مُفارَقَةٍ كاشِفَة!.
(خاص "عروبة 22")

