بصمات

.. عَنِ المُفَكِّرِ الإِشْكاليِّ مُراد وَهْبَة!

عَنْ عُمْرٍ ناهَزَ المِئَةَ عام، رَحَلَ الدُّكْتورُ مُراد وَهْبَة، أُسْتاذُ الفَلْسَفَةِ المَرْموق، مَطْلَعَ هذا العامّ، مُخَلِّفًا وَراءَهُ جَدَلًا غَيْرَ مَسْبوق، بَيْنَ مَنْ يَراهُ فَيْلَسوفًا رائِدًا، حَمَلَ مِشْعَلَ التَّنْويرِ وَالعَلْمانِيَّة، عاشَ مَهْمومًا بِنَشْرِ العَقْلانِيَّةِ وَبِناءِ الدَّوْلَةِ المَدَنِيَّة، وَبَيْنَ مَنْ يَعْتَبِرُهُ مُجَرَّدَ أُسْتاذِ فَلْسَفَةٍ مارِقٍ عَلى الثَّقافَةِ العَرَبِيَّة، حابى الصُّهْيونِيَّةَ وَحاوَلَ نَشْرَ العَلْمانِيَّةِ وَالإِلْحادِ في مِصْرَ وَالعالَمِ العَرَبِيّ، وَبَيْنَ مَنْ يَسْتَكْثِرُ عَلَيْهِ رَحْمَةَ الله، فَأَبى أَنْ يَطْلُبَها لَهُ، بَلِ اسْتَنْكَرَ مَوْقِفَ مَنْ يَرَوْنَهُ أَهْلًا لَها، وَكَأَنَّهُمْ يَمْلِكونَ صُكوكَ غُفْرانٍ يوزِّعونَها عَلى مَنْ يَشاءونَ وَيَحْجُبونَها عَمَّنْ لا يُريدون.

.. عَنِ المُفَكِّرِ الإِشْكاليِّ مُراد وَهْبَة!

الحَقُّ أَنَّ أَحَدًا لا يُمْكِنُهُ إِنْكارُ أَهَمِّيَّةِ مُراد وَهْبَة كَأُسْتاذٍ لِلْفَلْسَفَة، تَرَأَّسَ قِسْمَها في جامِعَةِ "عَيْنِ شَمْسٍ" لِتِسْعِ سَنَوات، وَعَمِلَ أُسْتاذًا زائِرًا في جامِعاتِ "موسْكو" وَ"الخَرْطومِ" وَ"هارْفارْد". وَلا القيمَةَ العِلْمِيَّةَ لِمُؤَلَّفاتِهِ الأولى: المَذْهَبُ في فَلْسَفَةِ بَرْجسون، وَالمُعْجَمُ الفَلْسَفِيّ. أَوْ لِدِراساتِهِ الجادَّة: فَلْسَفَةُ الإِبْداع، وَيوسُف مُراد وَالمَذْهَبُ التَّكامُلِيّ، وَقِصَّةُ الدِّيالِكْتيك، وَمُفارَقَةُ ابْنِ رُشْد، وَمُسْتَقْبَلُ الأَخْلاق. لٰكِنَّنا نَنْفي عَنْهُ صِفَةَ الفَيْلَسوف، الّتي أَفْرَطَ مُريدوهُ في إِضْفائِها عَلَيْه، وَالّتي تَتَطَلَّبُ مواصَفاتٍ لَمْ تَتَوافَرْ لَه، إِذْ لَمْ يَتْرُكْ لَنا مَذْهَبًا فَلْسَفِيًّا، أَوْ إِسْهامًا في نَظَرِيَّةِ المَعْرِفَة. بَلْ نَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُفَكِّرًا مَوْسوعِيًّا، وَلَمْ يَنْهَضْ بِأَعْباءِ مَشْروعٍ مُتَكامِلٍ لِلتَّجْديدِ الثَّقافيِّ كَمُحَمَّد عابِد الجابِريّ أَوْ زَكِيّ نَجيب مَحْمود، عَلى سَبيلِ المِثال، خُصوصًا وَقَدِ انْشَغَلَ مُنْذَ الثَّمانينِيّاتِ الماضِيَةِ بِالنَّشاطِ الفَلْسَفيِّ العابِرِ لِلْقارّات، فَأَسَّسَ وَتَرَأَّسَ وَشارَكَ في تَأْسيسِ العَديدِ مِنَ المُنْتَدَياتِ الفَلْسَفِيَّةِ وَأَشْرَفَ عَلى عَشَراتِ المُؤْتَمَراتِ الفِكْرِيَّةِ في مِصْرَ وَالعالَم.

تناقُضٌ بين رغبته في نشر التنوير بين الناس وبين تبنّيه نمطًا راديكاليًا من التنوير صادمًا لهؤلاء الناس

شَغَلَتْهُ فِكْرَةٌ أَثيرَةٌ حاوَلَ التَّرْويجَ لَها وَهِيَ فِكْرَةُ القَضاءِ عَلى الفَجْوَةِ بَيْنَ النُّخْبَةِ وَالشَّارِع، وَالّتي كانَ مُلْهِمُهُ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ صاغَها في ثُنائِيَّةِ الخاصَّةِ أَوْ خَواصِّ النّاسِ ذَوي العُقولِ العارِفَةِ الّذينَ يَسْتَطيعونَ فَهْمَ وَتَداوُلَ الخِطابِ الفَلْسَفيِّ / البُرْهانِيّ، وَبَيْنَ عَوامِّ النّاس، الّذينَ لا تَسْتَسيغُ عُقولُهُمْ هذا الخِطابَ البُرْهانِيَّ وَيُفَضِّلونَ عَلَيْهِ الخِطابَ الجَدَلِيَّ / الدَّعَوِيّ. أَخْلَصَ الرَّجُلُ لِفِكْرَتِهِ مُتَصَوِّرًا أَنَّها الطَّريقُ إلى انْتِشارِ التَّنْويرِ في المُجْتَمَعِ المِصْريِّ وَالمُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّة، حَتّى أَنَّهُ مِنْ فَرْطِ حَماسَتِهِ أَقامَ مُؤْتَمَرًا فَلْسَفِيًّا مُنْتَصَفَ الثَّمانينِيّاتِ في مِصْرَ تَحْتَ عُنْوان: الفَلْسَفَةُ وَالشّارِع، لاقى مُعارَضَةً مِنَ الكَثيرين، وَدارَ حَوْلَهُ جَدَلٌ مَعَ مُفَكِّرينَ كِبار، كَزَكيّ نَجيب مَحْمود الّذي لَمْ يَسْتَسِغِ الفِكْرَة، بَلْ رَأى فيها ابْتِذالًا لِلْفَلْسَفَة. وَفي اعْتِقادي الشَّخْصيِّ أَنَّ المُشْكِلَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَمْ تَكُنْ كامِنَةً في جَوْدَةِ الفِكْرَةِ نَظَرِيًّا، بَلْ في صُعوبَةِ تَطْبيقِها عَمَلِيًّا، بِدَليلِ أَنَّ المُؤْتَمَرَ عُقِدَ وَلَمْ تَنْتَشِرِ الفَلْسَفَةُ بَيْنَ النّاس، وَلَمْ يُصْبِحِ الخِطابُ البُرْهانِيُّ هُوَ خُبْزَ النّاسِ العَقْلِيَّ وَمَدارَ نِقاشِهِمُ اليَوْميِّ كَما تَصَوَّرَ الرَّجُل.

أَمَّا المُشْكِلَةُ الأَكْبَرُ فَتَمَثَّلَتْ في التَّناقُضِ بَيْنَ رَغْبَةِ وَهْبَة في نَشْرِ التَّنْويرِ بَيْنَ النّاس، وَبَيْنَ تَبَنّيهِ نَمَطًا راديكالِيًّا مِنَ التَّنْويرِ صادِمًا لِهؤُلاءِ النّاس، لَعَلَّهُ اسْتَعارَهُ مِنْ تَجْرِبَةِ التَّنْويرِ اليَعْقوبِيّ / الفَرَنْسِيّ في أَعْقابِ الثَّوْرَةِ البورْجُوازِيَّة، وَخُصوصًا في عَهْدِ الإِرْهابِ (1789 ـ 1794)، الّتي نَهَضَتْ عَلى أَساسِ مُعاداةِ المَسيحِيَّةِ التَّقْليدِيَّة، وَمُحاوَلَةِ إِقامَةِ دينٍ مَدَنِيٍّ عَلى أَنْقاضِها، فَجَرى فَصْلُ كَثيرٍ مِنَ القُسُسِ في كَنائِسِ باريسَ وَغَرْبِ فَرَنْسا مِنْ وَظائِفِهِم، بَلْ هُدِمَ بَعْضُها وَتَمَّ تَحْويلُها إِلى مَراقِصَ وَمَلاهٍ لَيْلِيَّةٍ وَمَحالَّ لِبَيْعِ الخُمورِ أَوْ بَيْعِ الأَحْذِيَة، عَلى نَحْوٍ أَثارَ قَلاقِلَ شَديدَةً لَمْ تَهْدَأْ حِدَّتُها إِلّا عِنْدَما أَصْدَرَ نابُلْيونُ بونابَرْت "مَرْسومَ نانْت"، وَلَمْ تَتَوَقَّفْ تَمامًا إِلّا بِصُدورِ "قانونِ العَلْمانِيَّةِ 1905"، الذي فَصَلَ الكَنيسَةَ عَنِ الدَّوْلَة، وَحَرَّمَ عَلَيْها أَيَّ دَوْرٍ سِياسِيّ، وَفي المُقابِلِ أَتاحَ لَها العَمَلَ بِحُرِّيَّةٍ في إِطارِ المُجْتَمَعِ كَأَيِّ هَيْئَةٍ أَوْ مُؤَسَّسَةٍ مَدَنِيَّة.

تحوّلت العلمانية لديه من وسيلة لبلوغ الديموقراطية إِلى غاية يكفي مجرّد وجودها ولو رافقها الاستبداد والفساد والفقر

لَقَدْ عانى وَهْبَة مِنَ المُفارَقَةِ بَيْنَ رَغْبَتِهِ في نَشْرِ التَّنْويرِ بَيْنَ النّاسِ، وَبَيْنَ تَبَنّيهِ نَمَطًا تَنْويرِيًّا صادِمًا لَهُمْ، مُسْلِمينَ وَمَسيحِيِّين. وَإِزاءَ التَّحْريضِ الأُصوليِّ ضِدَّهُ مِنْ مَنابِرَ وَأَصْواتٍ عِدَّة، وَافْتِقادِهِ لِقاعِدَةٍ جَماهيريَّةٍ تَحْميهِ مِنْ شُرورِهِمْ، شَعَرَ بِالخَوْفِ وَالْتَحَمَ بِالسُّلْطَةِ القائِمَةِ طيلَةَ العُصورِ الّتي شَهِدَتْ خُروجَهُ إِلى الحَياةِ العَمَلِيَّة (تَخَرَّجَ عامَ 1947) وَبِدايَةِ انْشِغالاتِهِ الفِكْرِيَّة. وَهُنا يَكْمُنُ جَوْهَرُ المُفارَقَة، فَالرَّجُلُ الّذي تَبَنّى التَّنْويرَ في أَكْثَرِ أَنْماطِهِ جِذْرِيَّة، وَالعَلْمانِيَّةَ في أَكْثَرِ تَجَلِّياتِها مُعاداةً لِلدّين، بِهَدَفِ المواجَهَةِ الفَعّالَةِ لِلأُصولِيَّةِ وَالاسْتِبْدادِ الدّينِيّ، قَدْ غَضَّ الطَّرْفَ عَنِ الاسْتِبْدادِ السِّياسِيّ، وَلَمْ يُجاهِرْ قَطُّ بِطَلَبِ الحُرِّيَّةِ وَالدّيموقراطيَّة، خَشْيَةَ أَنْ يُغْضِبَ سُلْطَةً تَحْميهِ مِنْ ضُغوطِ الأُصولِيّين، فيما تَتَلاعَبُ بِالدَّساتيرِ لِتَأْبيدِ الحُكْم. وَهكَذا تَحَوَّلَتِ العَلْمانِيَّةُ لَدى وَهْبَة مِنْ وَسيلَةٍ لِبُلوغِ الدّيموقْراطيَّة، طَلَبًا لِلْحُرِّيَّةِ الفَرْدِيَّةِ وَحُكْمِ الأَغْلَبِيَّةِ وَرُشْدِ القَرارِ السِّياسِيّ، إِلى غايَةٍ في ذاتِها، يَكْفي مُجَرَّدُ وُجودِها وَلَوْ رافَقَها الاسْتِبْدادُ وَالفَسادُ وَالفَقْر، الأَمْرُ الّذي يَعْكِسُ قُصورًا في الرُّؤْيَة، وَرُبَّما افْتِقادًا لِلشَّجاعَةِ الأَدَبِيَّةِ وَالأَخْلاقِيَّة. لِيَرْحَمِ اللهُ الرَّجُل، بِكُلِّ ما لَهُ وَما عَلَيْه، وَيَمْنَحْ روحَهُ السَّكينَةَ وَالسَّلام.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن