"الهُروبُ الكَبير" !الهِجْرَةُ غَيْرُ النِّظامِيَّةِ في العالَمِ العَرَبيِّ وَتَحَوُّلاتُ العَلاقَةِ بَيْنَ ضَفَّتَيْ المُتَوَسِّط

لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا فَهْمُ مَوْجاتِ الهِجْرَةِ المُتَصاعِدَةِ مِنَ المَغْرِبِ وَمِنْ بَقِيَّةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ نَحْوَ أوروبّا بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحَوُّلاتِ التي عَرَفَتْها المُجْتَمَعاتُ العَرَبِيَّةُ نَفْسُها، في مُقَدِّمَتِها تَآكُلُ الطَّبَقَةِ الوُسْطى وانْسِدادُ آفاقِ الإِدْماجِ الاقْتِصاديِّ وَفَشَلُ مَنْظوماتِ التَّعْليمِ والتَّشْغيلِ في اسْتيعابِ الكُتْلَةِ الشَّبابِيَّة، إلى جانِبِ تَراجُعِ أَدْوارِ الوَساطَةِ التَّقْليدِيَّةِ مِنْ أَحْزابٍ وَمُجْتَمَعٍ مَدَنِيٍّ وَأُسْرَةٍ وَإِعْلام. كَما لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا فَصْلُ هَذِهِ الدّينامِيّاتِ عَنِ التَّحَوُّلاتِ المُقابِلَةِ التي شَهِدَتْها الضَّفَّةُ الشَّمالِيَّةُ لِلمُتَوَسِّط، حَيْثُ تَشَدُّدُ سِياساتِ الهِجْرَة، وَتَزايُدُ الحاجَةِ الاقْتِصادِيَّةِ إلى اليَدِ العامِلَة، وَتَنامي النَّزْعَةِ البْراغْماتِيَّةِ في تَوْظيفِ مَلَفِّ الهِجْرَةِ كَوَرَقَةِ تَفاوُضٍ وَضَغْطٍ سِياسِيّ.

لَقَدْ شَكَّلَ ما باتَ يُعْرَفُ إِعْلامِيًّا بِـ"الهُروبِ الكَبير" نَحْوَ مَدينَةِ "سَبْتَة" المُحْتَلَّةِ أَواخِرَ سَنَةِ 2024، وَما تَلاها مِنْ مُحاوَلاتٍ لِلهُروبِ الجَماعيِّ طيلَةَ السَّنَةِ الماضِيَة، لَحَظاتٍ رَمْزِيَّةً مُكَثَّفَةً لِهَذِهِ التَّحَوُّلات، لَيْسَ لِأَنَّها أَحْداثٌ غَيْرُ مَسْبوقَةٍ في ذاتِها، بَلْ لِأَنَّها كَشَفَتْ بِشَكْلٍ فَجٍّ حَجْمَ القَطيعَةِ بَيْنَ فِئاتٍ واسِعَةٍ مِنَ الشَّبابِ العَرَبيِّ وَمُحيطِهِمُ الوَطَنِيّ، وَأَظْهَرَتْ كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الهِجْرَةُ مِنْ خِيارٍ فَرْدِيٍّ مَحْفوفٍ بِالمَخاطِرِ إلى ثَقافَةٍ جَماعِيَّة، وَمِنْ فِعْلٍ صامِتٍ إلى مَشْهَدٍ جَماهيرِيٍّ تُغَذّيهِ وَسائِلُ التَّواصُلِ الاجْتِماعيِّ وَيُعادُ إِنْتاجُهُ سِياسِيًّا وَإِعْلامِيًّا.

الهِجْرَةُ كَمِرْآةٍ لِاخْتِلالاتِ التَّنْمِيَةِ العَرَبِيَّة

لَمْ تَعُدِ الهِجْرَةُ غَيْرُ النِّظامِيَّةِ في السِّياقِ المَغْرِبيِّ والعَرَبيِّ ظاهِرَةً اجْتِماعِيَّةً ظَرْفِيَّةً مُرْتَبِطَةً فَقَطْ بِالفَقْرِ أَوِ البَطالَة، بَلْ أَضْحَتْ مَعْطًى بُنْيَوِيًّا يَعْكِسُ عُمْقَ التَّحَوُّلاتِ الاقْتِصادِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ التي تَعْرِفُها المُجْتَمَعاتُ العَرَبِيَّة، كَما يَكْشِفُ عَنْ اخْتِلالاتٍ تَراكُمِيَّةٍ في نَماذِجِ التَّنْمِيَة، وَمَنْظوماتِ التَّعْليمِ والتَّكْوين، وَسِياساتِ التَّشْغيل، وَآلِيّاتِ الإِدْماجِ الِاجْتِماعيِّ وَإِنْتاجِ الأَمَلِ الجَماعِيّ. وَفي هَذا الإِطار، شَكَّلَتِ الأَحْداثُ التي سَبَقَ أَنْ شَهِدَتْها مَدينَةُ سَبْتَةَ المُحْتَلَّة، وَما اصْطُلِحَ على تَسْمِيَتِهِ إِعْلامِيًّا بِـ"الهُروبِ الكَبير"، لَحْظَةً مَفْصَلِيَّةً أَعادَتْ مَلَفَّ الهِجْرَةِ غَيْرِ النِّظامِيَّةِ إلى واجِهَةِ النِّقاشِ العُمومِيّ، لَيْسَ فَقَطْ مِنْ حَيْثُ الحَجْمِ غَيْرِ المَسْبوقِ لِلتَّدَفُّقاتِ البَشَرِيَّة، بَلْ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الدَّلالاتِ الرَّمْزِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ التي حَمَلَها هَذا الحَدَث.

غَيْرَ أَنَّ مُقارَبَةَ "الهُروبِ الكَبيرِ" كَحادِثٍ اسْتِثْنائِيٍّ أَوْ كَاخْتِلالٍ أَمْنِيٍّ عابِرٍ تُفْقِدُ الظاهِرَةَ عُمْقَها التَّحْليلِيّ. فالحَدَثُ في جَوْهَرِهِ امْتِدادٌ لِمَسارٍ طَويلٍ مِنَ الهِجْرَةِ غَيْرِ النِّظامِيَّةِ التي عَرَفَها المَغْرِبُ مُنْذُ عُقود، مَعَ فارِقٍ أَساسِيٍّ يَتَمَثَّلُ في السِّياقِ الجَديدِ الذي وَقَعَ فيه: سِياقٌ رَقْمِيٌّ ضاغِط، تَعْبِئَةٌ جَماعِيَّةٌ عَبْرَ وَسائِلِ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيّ، حُضورٌ لافِتٌ لِلقاصِرين، وَتَزامُنٌ سِياسِيٌّ وَديبْلوماسِيٌّ حَسّاسٌ حَوَّلَ الهِجْرَةَ فَجْأَةً مِنْ مَسْأَلَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ إلى قَضِيَّةٍ سِيادِيَّةٍ وَجِيوسِياسِيَّة.

الانتقال من الهجرة كقرار فردي محْفوف بالمخاطر إلى حدث جماعي جماهيري تُغذّيه وسائل التواصل الاجتماعي

وَما يَنْسَحِبُ على الحالَةِ المَغْرِبِيَّة، يَصْدُقُ بِدَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ على عَدَدٍ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّة. فَفي مِصْر، تُظْهِرُ الهِجْرَةُ غَيْرُ النِّظامِيَّةِ طابَعًا أَقَلَّ عَلَنِيَّةً لَكِنَّها أَكْثَرُ رُسوخًا واسْتِمْرارِيَّةً، بِفِعْلِ الضَّغْطِ الدّيموغْرافِيّ، واتِّساعِ الفَجْوَةِ بَيْنَ التَّكْوينِ وَسوقِ الشُّغْل، وَعَجْزِ النُّمُوِّ الِاقْتِصاديِّ عَنِ اسْتيعابِ الكُتْلَةِ الشَّبابِيَّةِ المُتَزايِدَة. وَعلى الرَّغْمِ مِنَ المُقارَباتِ الأَمْنِيَّةِ الصّارِمَة، لَمْ يَتَراجَعْ مَنْطِقُ الهِجْرَة، بَلْ أَعادَ تَشْكيلَ مَساراتِه، بِما يُؤَكِّدُ مَحْدودِيَّةَ المُعالَجَةِ الأَمْنِيَّةِ في غِيابِ إِصْلاحاتٍ تَنْمَوِيَّةٍ عَميقَة.

أَمّا في تُونُس، فَقَدْ تَحَوَّلَتِ "الحَرْقَةُ" إلى ظاهِرَةٍ شِبْهِ مُطَبَّعَةٍ اجْتِماعِيًّا، في سِياقِ تَآكُلِ الطَّبَقَةِ الوُسْطى، وارْتِفاعِ بَطالَةِ حامِلي الشَّهادات، وَتَراجُعِ قُدْرَةِ الدَّوْلَةِ على بَلْوَرَةِ سِياساتِ إِدْماجٍ فَعّالَةٍ بَعْدَ 2011. وَفي الجَزائِر، تَعْكِسُ هِجْرَةُ "الحَرّاقَةِ" مُفارَقَةً صارِخَةً بَيْنَ وَفْرَةِ المَوارِدِ الطَّاقِيَّةِ وَضَعْفِ تَحْويلِها إلى فُرَصٍ فِعْلِيَّةٍ لِلِانْدِماجِ الاجْتِماعِيّ، بِما وَلَّدَ أَزْمَةَ ثِقَةٍ عَميقَةً لَدى الشَّباب، تَتَقاطَعُ في الكَثيرِ مِنْ مَلامِحِها مَعَ الحالَةِ المَغْرِبِيَّة.

وَفي ليبْيا وَسورْيا وَلُبْنان، تَأْخُذُ الهِجْرَةُ بُعْدًا أَكْثَرَ مَأْساوِيَّة، إِذْ لَمْ تَعُدْ خِيارًا لِتَحْسينِ شُروطِ العَيْش، بَل اسْتْراتيجِيَّةَ بَقاءٍ في سِياقِ انْهِيارِ الدَّوْلَةِ أَوْ تَآكُلِها، وَتَفَكُّكِ المُؤَسَّساتِ وَغِيابِ الأَمْنِ والخِدْمات. في هَذِهِ الحالات، تَتَحَوَّلُ الهِجْرَةُ مِنْ ظاهِرَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ إلى أَزْمَةٍ وُجودِيَّةٍ تَمَسُّ جَوْهَرَ العَقْدِ الِاجْتِماعِيّ، وَتُفْرِغُ المُجْتَمَعاتِ مِنْ رَأْسِمالِها البَشَرِيّ، خاصَّةً مِنَ الكَفاءاتِ الطِّبِّيَّةِ والعِلمِيَّة.

الهِجْرَةُ بَيْنَ الفُرْجَةِ الرَّقْمِيَّةِ والرِّهانِ الجِيوسِياسيّ

يَتَمَثَّلُ أَحَدُ أَهَمِّ التَّحَوُّلاتِ التي مَيَّزَتِ "الهُروبَ الكَبيرَ" في الانْتِقالِ مِنَ الهِجْرَةِ كَقَرارٍ فَرْدِيٍّ مَحْفوفٍ بِالمَخاطِرِ إلى حَدَثٍ جَماعِيٍّ جَماهيرِيٍّ، تُغَذّيهِ وَسائِلُ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ وَتُعيدُ إِنْتاجَهُ رَمْزِيًّا. فَقَدْ تَحَوَّلَتِ المِنَصّاتُ الرَّقْمِيَّةُ إلى فَضاءٍ بَديلٍ لِإِنْتاجِ خِطابِ الهِجْرَة، لا بِاعْتِبارِها مَسارًا اضْطِرارِيًّا، بَل بِاعْتِبارِها طَريقًا مُخْتَصَرًا نَحْوَ النَّجاحِ السَّريع، والاعْتِرافِ الاجْتِماعِيّ، والكَسْبِ مِنْ دونِ جُهْدٍ طَويلٍ. وَتَمَّ تَضْخيمُ نَماذِجَ شَبابِيَّةٍ نَجَحَتْ - أَوْ ادَّعَتِ النَّجاح - عَبْرَ الهِجْرَةِ غَيْرِ النِّظامِيَّة، ما خَلَقَ تَمَثُّلاتٍ جَماعِيَّةً جَديدَة، خاصَّةً لَدى القاصِرين، جَعَلَتْ مِنَ "العُبورِ" حُلْمًا مَشْروعًا، وَمِنَ المُخاطَرَةِ قيمَةً إيجابِيَّة.

في هَذا السِّياق، لَمْ يَعُدْ قَرارُ الهِجْرَةِ قَرارًا عَقْلانِيًّا فَرْدِيًّا بِقَدْرِ ما أَصْبَحَ سُلوكًا جَماعِيًّا مَشْحونًا نَفْسِيًّا، تُغَذّيهِ الرَّغْبَةُ في الانْتِماءِ إلى "الحَدَث"، والهُروبِ مِنْ واقِعٍ يَوْمِيٍّ مَأْزومٍ، في ظِلِّ تَراجُعِ أَدْوارِ الوَساطَةِ التَّقْليدِيَّةِ لِلأَحْزابِ السِّياسِيَّةِ التي فَقَدَتْ قُدْرَتَها التَّأْطيرِيَّة، أَوْ أَدْوارِ المُجْتَمَعِ المَدَنيِّ الذي أَضْحى مَحْدودَ الأَثَر، والإِعْلامِ الوَطَنيِّ الذي غَدا عاجِزًا عَنْ إِنْتاجِ خِطابٍ بَديلٍ عَقْلانِيّ، إلى جانِبِ الأُسْرَةِ التي تَعيشُ بِدَوْرِها تَحَوُّلاتٍ عَميقَةً جَعَلَتْ قُدْرَتَها على الضَّبْطِ والتَّوْجيهِ مَوْضِعَ تَساؤُل.

غَيْرَ أَنَّ البُعْدَ الاجْتِماعِيَّ لا يَسْتَنْفِدُ تَفْسيرَ الظّاهِرَة. فَـ"الهُروبُ الكَبيرُ" وَقَعَ في سِياقٍ سِياسيٍّ وَديبْلوماسيٍّ دَقيقٍ، تَمَيَّزَ بِتَوَتُّرِ العَلاقاتِ المَغْرِبِيَّة - الإِسْبانِيَّة، ما فَتَحَ البابَ أَمامَ تَساؤُلاتٍ مَشْروعَةٍ حَوْلَ حُدودِ العَفْوِيَّة، وَإِمْكانِيَّةِ تَوْظيفِ الهِجْرَةِ كَوَرَقَةِ ضَغْطٍ سِياسِيَّة. لَقَدْ أَبْرَزَ الحَدَثُ حَقيقَةً مَرْكَزِيَّةً مَفادُها أَنَّ ضَبْطَ الحُدودِ الجَنوبِيَّةِ لِأوروبّا يَظَلُّ رَهينًا بِتَعاوُنِ دُوَلِ الجِوار، وَعلى رَأْسِها المَغْرِب، وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَحَوَّلَتْ إلى عُنْصُرٍ بُنْيَوِيٍّ في مُعادَلَةِ التَّفاوُضِ وَإِعادَةِ تَرْتيبِ الشَّراكاتِ بَيْنَ ضَفَّتَيْ المُتَوَسِّط.

ما لم تُستَعَد ثقَة الشباب في إمكانية العيش بكرامة داخل أوطانهم سيظلّ "الهروب" يتّخذ أشكالًا جديدة

الأَخْطَرُ في هَذا السِّياقِ هُوَ التَّحَوُّلُ البُنْيَوِيُّ الذي تَعْرِفُهُ الهِجْرَةُ المَغْرِبِيَّةُ والعَرَبِيَّةُ عُمومًا، حَيْثُ لَمْ تَعُدْ مُقْتَصِرَةً على الفِئاتِ الهَشَّة، بَلِ امْتَدَّتْ إلى الطَّبَقَةِ الوُسْطى، والى الكَفاءاتِ المُؤَهَّلَةِ مِنْ أَطِبّاءَ وَمُهَنْدِسينَ وَتِقْنِيّين. وَتُمَثِّلُ هَذِهِ الهِجْرَةُ خَسارَةً مُزْدَوِجَةً، فَهِيَ تُعَدُّ نَزيفًا ديموغْرافِيًّا وَكَفاءاتِيًّا مِنْ جِهَةٍ، وَإِهْدارًا لِلاسْتِثْمارِ العُموميِّ في التَّكْوينِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، بِما يُفاقِمُ الخَصاصَ في المَوارِدِ البَشَرِيَّةِ وَيُضْعِفُ جَوْدَةَ الخِدْماتِ العُمومِيَّة.

الهِجْرَةُ لَيْسَتْ قَدَرًا مَحْتومًا، لَكِنَّها تَتَحَوَّلُ إلى ذَلِكَ حينَ يَفْقِدُ الشَّبابُ الثِّقَةَ في إِمْكانِيَّةِ العَيْشِ بِكَرامَةٍ داخِلَ أَوْطانِهِم. وَما لَمْ تُسْتَعَدْ هَذِهِ الثِّقَة، سَيَظَلُّ "الهُروبُ" يَتَّخِذُ أَشْكالًا جَديدَة، مَهْما تَغَيَّرَتِ المَساراتُ وارْتَفَعَتِ الأَسْوار.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن