أَمامَ فَداحَةِ التَّداعِياتِ المُحْتَمَلَة، تَراجَعَتْ أَوْهامٌ وَثَأْرات، فَأَيُّ انْفِجارٍ إيرانِيٍّ مُحْتَمَلٍ يَضْرِبُ أَيَّ قَدْرٍ مِنَ الاسْتِقْرارِ في الإِقْلِيمِ وَيَفْتَحُ المَجالَ واسِعًا لِحُروبٍ طَائِفيةٍ وَعِرْقِيَّةٍ تُعيدُ رَسْمَ خَرائِطِهِ السِّياسِيَّةِ والجُغْرافِيَّةِ والسُّكانِيَّة.
هُناكَ ثَلاثَةُ حِساباتٍ رَئيسِيَّةٍ في تَقْريرِ مَواقِفِ الدُّوَلِ الإِقْليمِيَّةِ المُتَداخِلَةِ في المَلَفِّ الإيرانِيّ:
أَوَّلُها، خِشْيَةُ دُوَلِ الخَليج، كُلِّها لا بَعْضِها، مِنْ أَنْ تَمْتَدَّ النّيرانُ إِلَيْها وَتُلحِقَ أَضْرارًا فادِحَةً بِمَصادِرِ ثَرَواتِها النَّفْطِيَّةِ وَبُنْيَتِها التَّحْتِيَّةِ المُتَقَدِّمَة. بِصِياغَةٍ أُخْرى، فَإِنَّها تَتَحَسَّبُ بِفَوائِضِ القَلَقِ مِنْ أَنْ تَلْحَقَها ضَرَباتٌ صاروخِيَّةٌ إيرانِيَّةٌ مُباشِرَةٌ بِذَريعَةِ تَدَخُّلِها، أَوِ اسْتِخْدامِ أَراضيها، في أَيِّ ضَرْبَةٍ أَميرْكِيَّة.
إغلاق مضيق هرمز خيار شبه انتحاري بدواعي الانتقام إذا ما استهدفت الضربة الأميركية وجود النظام الإيراني
كَما أَنَّها تَتَحَسَّبُ مِنْ تَبِعاتِ إِغْلاقِ مَضيقِ هُرْمُز الاسْتْراتيجيِّ والمِحْوَريِّ في نَقْلِ نَفْطِ المِنْطَقَة، بِما يُفْضي إلى رَفْعِ أَسْعارِهِ لِمُعَدَّلاتٍ قِياسِيَّةٍ لا يَتَحَمَّلُها الاقْتِصادُ العالَمِيُّ حَيْثُ يَعْبُرُهُ خُمْسُ إِجْماليِّ النَّفْطِ في العالَم.
هَذا خِيارٌ شِبْهُ انْتِحارِيّ، لَكِنَّهُ قَدْ يَكونُ إِجْبارِيًّا بِدَواعي الانْتِقامِ إِذا ما اسْتَهْدَفَتِ الضَّرْبَةُ الأَميرْكِيَّةُ جَميعَ مَصادِرِ القُوَّةِ الإيرانِيَّةِ وَوُجودَ النِّظامِ نَفْسِه.
بادَرَتِ السُّعودِيَّة، أَكْبَرُ دُوَلِ الخَليجِ وَأَهَمُّها، بِتَبَنّي الدَّعْوَةِ إلى حَلٍّ سِياسِيٍّ لِلأَزَمَةِ وَقالَتْ إِنَّ أَراضيَها لَنْ تُسْتَخْدَمَ في الحَرْبِ على إيران. اتَّحَذَتِ المَوْقِفَ نَفْسَهُ دُوَلُ الخَليجِ الأُخْرى. وَتَوَلَّتْ قَطَرُ المُبادَرَةَ بِالوَساطَةِ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإيران. لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يَزورَ نائِبُ رَئيسِ الوُزَراءِ القَطَرِيُّ وَوَزيرُ خَارِجِيَّتِها الشَّيْخ مُحَمَّد بِن عَبْدِ الرَّحْمَنِ آل ثاني العاصِمَةَ الإيرانِيَّةَ طَهْران وَسَطَ نُذُرِ الحَرْب، إِلّا إِذا كانَ هُناكَ ضَوْءٌ أَخْضَرُ أَميرْكِيٌّ لِمُهِمَّةِ وَساطَةٍ مُحَدَّدَةٍ قَبْلَ الذَّهابِ إلى الخِيارِ الأَخير.
لَمْ تَكُنْ قَطَرُ وَحْدَها التي عَرَضَتِ التَّوَسُّطَ لِمَنْعِ الحَرْب... فَتُرْكِيا وَمِصْرُ وَروسِيا عَرَضَتِ الوَساطَةَ نَفْسَها وَتَقومُ بِها في الكَواليسِ الدّيبْلوماسِيَّة.
حَسَبَ ترامب، فَإِنَّ "الإيرانِيّينَ يُريدونَ التَّفاوُض، وَسَوْفَ نَنْظُرُ فيما سَنُقَرِّر". كانَ ذَلِكَ تَصْريحًا يَفْتَحُ قَوْسَ الخِياراتِ على مِصْراعَيْه، الحَرْبَ والتَّفاوُضَ في الوَقْتِ نَفْسِهِ. إِنَّهُ "سَلامُ القُوَّة".
حَسَبَ مُسْتَشارِ الأَمْنِ القَوْميِّ الإيرانيِّ عَلي لاريجاني، فَإِنَّهُ قَدْ جَرى التَّوَصُّلُ إلى هَيْكَلٍ لِلمُفاوَضاتِ مِنْ دونِ أَنْ يُفْصِحَ عَنْ أَوْلَوِيّاتِهِ وَجَدْوَلِ أَعْمالِهِ وَمَدى جِدِّيَّتِهِ وَمَداهُ الزَّمَنيِّ بِاسْتِثْناءِ اشْتِراطٍ عَامٍّ أَنْ يَكونَ نِدِّيًا، عادِلًا وَمُنْصِفًا.
أي تخلٍّ عن المشروع الصاروخي الباليستي والعلاقات الوثيقة مع جماعات المقاومة يُفقد النظام الإيراني شرعيّته وهيبته
لا توجَدُ أَدْنى مُشْكِلَةٍ لَدَى الإيرانِيّينَ في أَنْ يَكونَ المَشْروعُ النَّوَوِيُّ صُلْبَ أَيِّ تَفاوُضٍ على أَساسِ سِلْمِيَّتِهِ وَمِنْ دونِ تَنازُلٍ كَبيرٍ عَنْ تَخْصيبِ اليورانِيوم.
هَذا مَوْقِفٌ تَقْليدِيٌّ لا جَديدَ فيه، لَكِنَّهُ لا يَسْتَجيبُ لِلدَّواعي الحَقيقِيَّةِ لِأَيِّ عَمَلٍ عَسْكَرِيٍّ أَميرْكِيّ، وَهُوَ تَقْويضُ الدَّوْرِ الإِقْليميِّ الإيرانيِّ كامِلًا، سَواءٌ أَسَقَطَ النِّظام، أَوْ لَمْ يَسْقُط.
يَرْمُزُ المَشْروعُ الصاروخِيُّ الباليسْتِيُّ والعَلاقاتُ الوَثيقَةُ مَعَ جَماعاتِ المُقاوَمَةِ تَدْعيمًا وَتَسْليحًا إلى ذَلِكَ الدَّوْرِ الإِقْليمِيّ. أَيُّ تَخَلٍّ عَنْهُما يُقارِبُ شِبْهَ الانْتِحار، يُفْقِدُ النِّظامَ الإيرانِيَّ شَرْعِيَّتَهُ وَهَيْبَتَهُ وَدَوْرَهُ الإِقْليمِيَّ مَعًا.
المُثيرُ في مَسْأَلَةِ المَشْروعِ النَّوَوِيِّ أَنَّ ترامب يُؤَكِّدُ دَوْمًا أَنَّهُ قَدْ تَمَّ التَّخَلُّصُ مِنْهُ أَثْناءَ حَرْبِ الاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا. إِذا كانَ الأَمْرُ كَذَلِك، فَما مَوْضوعُ التَّفاوُضِ إِذَن؟ بِوُضوحٍ كامِل: إِنَّهُ الدَّوْرُ الإِقْليمِيُّ الإيرانِيُّ وَلا شَيْءَ آخَر.
ثاني الحِسابات، خِشْيَةُ الدُّوَلِ الإِقْليمِيَّةِ الوازِنَةِ تَقْليدِيًّا وَتاريخِيًّا مِثْلَ مِصْر وَتُرْكِيا، مِنْ أَنْ تُفْضِيَ الضَّرْبَةُ العَسْكَرِيَّةُ إلى خَلَلٍ فادِحٍ في مَوازينِ القُوى وَحِساباتِ النُّفوذِ لِمَصْلَحَةِ إِسْرائيل، أَوْ أَنْ تَتَعَرَّضَ تالِيًا لِضَرْبَةٍ مُماثِلَة.
إِنَّها أَشْباحُ "الحِقْبَةِ الإِسْرائيلِيَّة"، أَوِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الجَديد، الذي تَتَوَحَّشُ فيهِ إِسْرائيلُ وَتَفْرِضُ كَلِمَتَها على الإِقْليمِ كُلِّه.
مِصْرُ القَلِقَةُ على أَمْنِها تَتَحَسَّبُ مِنْ مِثْلِ هَذا السّينارْيو، إِذْ إِنَّهُ يُزَكّي مَشْروعَ التَّهْجيرِ القَسْريِّ مِنْ غَزَّة إلى سيناء، أَوْ أَنْ تَجِدَ أَمْنَها القَوْمِيَّ مُصادَرًا وَمُنْتَهَكًا تَحْتَ الوَصايَةِ الإِسْرائيلِيَّة.
خِشْيَةٌ مُماثِلَةٌ تَنْتابُ اللاعِبَ الإِقْليمِيَّ التُّرْكِيّ، الذي قَدْ يَخْسَرُ بِالتَّداعِياتِ مِنْ تَفْكيكِ إيران، أَدْوارَهُ وَأَوْزانَهُ في حِساباتِ المِنْطَقَة، أَوْ أَنْ يَفْقِدَ تَحْديدًا الزَّخَمَ الكَبير، الذي اكْتَسَبَهُ بَعْدَ التَّحَوُّلاتِ والانْقِلاباتِ التي جَرَتْ في سورْيا. الصِّراعُ على القُوَّةِ والنُّفوذِ مَعَ إِسْرائيلَ هُوَ جَوْهَرُ المَوْقِفِ التُّرْكِيّ.
أي تعويل على ترامب لكبح العدوانية الإسرائيلية وَهْمٌ كامل
ثالِثُ الحِسابات، خِشْيَةُ التَّداعِياتِ المُحْتَمَلَةِ على دُوَلِ المَشْرِقِ العَرَبِيّ، غَزَّة والضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ في فِلَسْطينَ المُحْتَلَّةِ بِالتَّوَسُّعِ الاسْتيطانيِّ والتَّهْجيرِ القَسْرِيّ، الذي قَدْ يَضْرِبُ الأُرْدُن، وَسورْيا وَلُبْنان بِفَرْضِ اتِّفاقِيّاتِ سَلامٍ إِبْراهيمِيَّةٍ تُؤَسِّسُ لِعُزْلَةٍ عَنْ مُحيطِهما العَرَبِيّ، والعِراق الذي لا يَزالُ هَشًّا وَمُمَزَّقًا بَعْدَ ثَلاثَةٍ وَثَلاثينَ عامًا مِنْ احْتِلالِه.
كانَ مُسْتَلفِتًا بِالتَّوازِي مَعَ الحُشودِ العَسْكَرِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ الضَّخْمَةِ حَوْلَ إيران بِالبَوارِجِ وَحامِلاتِ الطَّائِرات، ما لَجَأَتْ إِلَيْهِ إِسْرائيلُ في التَّوْقيتِ نَفْسِهِ مِنْ تَصْعيدٍ غَيْرِ مَسْبوقٍ في عَمَلِيّاتِها العَسْكَرِيَّةِ في جَنوبِ لُبْنان وَغَزَّة والضِّفَّةِ الغَرْبِيَّة.
لا احْتِرامَ لِقانونٍ دَوْلِيٍّ وَلا لِأَيِّ التِزاماتٍ مُوَقَّعَةٍ لِترامب، رَئيسِ ما يُسَمّى بِالِادِّعاء "مَجْلِسَ السَّلامِ العالَمِيّ"! أَيُّ تَعْويلٍ على ترامب لِكَبْحِ جِماحِ العَدْوانِيَّةِ الإِسْرائيلِيَّةِ وَهْمٌ كامِل.
التَّداعِياتُ المُحْتَمَلَةُ لِأَيِّ انْفِجارٍ إيرانِيٍّ تَنالُ مِنَ الإِقْليمِ كُلِّه، أَمْنِهِ وَمُسْتَقْبَلِه. هَذِهِ حَقيقَةٌ لا يَصِحُّ إِنْكارُها.
(خاص "عروبة 22")

