إِنَّ عَمَلِيَّةَ التَّوصيفِ هاتِهِ قَد غَلَّبَت كَفَّةَ الشَّرِّ والإِرْهابِ والتَّطَرُّفِ ناحِيَةَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ والإِسْلامِيَّةِ الَّتي تَنْأى أَو تُخالِفُ التَّوَجُّهاتِ الغَرْبِيَّةَ في بُعْدِها العَلْمانيِّ المُتعارَفِ عَلَيْه، أَي أَنَّنا أَمامَ تَقديمِ مَنْظورٍ مِعْيارِيٍّ يَقومُ على أَساسِ تَصَوُّرٍ مَانَوِيٍّ مَفادُهُ صَبْغُ الطَّرَفِ القَويِّ بِشُحْنَةٍ إيجابِيَّةٍ والطَّرَفِ الآخَرِ بِالشُّحْنَةِ السَّلْبِيَّةِ لانْتِمائِهِ الدّينِيِّ (الإِسْلامِ) بِغَضِّ النَّظَرِ عن طَبيعَةِ الأَنْظِمَةِ السِّياسِيَّةِ المُشَكِّلَةِ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّة.
السياق العربي/الإسلامي وقع في التباس هوياتي ما أدى إلى السقوط في التبعية والوصاية الغربية والتشرذم والتطرّف
لَقَدِ ارْتَبَطَ هَذا الاِسْتِخدامُ أَيْضًا بِمَسارٍ طَويلٍ مِنَ التَّمْويلِ البَحْثيِّ والثَّقافيِّ والسِّياسيِّ والإِعْلاميِّ لِتَعْزيزِ هَذا التَّصْنيفِ مَعْرِفِيًّا وسِياسِيّا، فَرَسَمَ الغَرْبُ لِنَفْسِهِ جُغْرافْيا فَوْقِيَّةً في مُواجَهَةِ الأَحْداثِ الجِيوسِياسِيَّةِ الكُبرى في العالَمِ العَرَبِيّ، الَّذي أَصْبَحَ يَسيرُ في الحَقيقَةِ وَفْقَ نَوْعٍ مِنَ الوِصايَةِ الفَوْقِيَّةِ الَّتي تَعْمَلُ بِاسْتِمرارٍ على الرُّؤْيَةِ السَّلبِيَّةِ لاِسْتِحْضارِ الدّينِ في الحَقْلِ السِّياسيِّ لِمَفْهومِ الدَّوْلَة، لِهَذا فَقَد تَمَّ رَبْطُ اسْتِحْضارِ البُعْدِ الدّينيِّ في العَمَلِيَّةِ السِّياسِيَّةِ أَو تَغْليبِ كَفَّةِ الدّينيِّ في الدَّوْلَةِ المَدَنِيَّةِ بِالإِرْهابِ أَو بِالشَّرِّ أَو الاِنْحِطاطِ والتَّخَلُّف.
يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ السِّياقَ العَرَبِيَّ/الإِسْلامِيَّ قَد وَقَعَ في الْتِباسٍ وغُموضٍ هُوِيّاتِيٍّ جَرّاءَ مَسارٍ تَاريخِيٍّ لِمَجْرًى سِياسِيٍّ لَم يَتَحكَّم مُنْذُ قَرنَيْنِ في رَسْمِ مَسارِه، فَأَخْضَعَ مَسارَهُ لِلرُّؤْيَةِ المِعْيارِيَّةِ الَّتي تَرْبِطُ بَيْنَ هُوِيَّتِهِ التُّراثِيَّةِ ومَسارِهِ المُسْتَقْبَلِيّ، الأَمْرُ الَّذي أَفْقَدَهُ بُوصَلَةَ الحَرَكِيَّةِ التّارِيخِيَّةِ وأدى إلى السُّقوطَ في المُقابِلِ في مَسارِ التَّبَعِيَّةِ والوِصايَةِ الغَرْبِيَّةِ والتَّشرْذُمِ والتَّطَرُّفِ الدّينِيّ، حَيْثُ تَرْجَمَ الدّاخِلُ الوَطَنِيُّ صِراعًا قُطْبِيًّا بَيْنَ تَوَجُّهَيْن: دينِيٍّ ويَسارِيّ، وهوَ ما خَلَقَ مَعْرَكَةً وَهْمِيَّةً عَطَّلَت مَأْسَسَةَ حَقْلِ التَّجْرِبَةِ التّاريخِيَّةِ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وكَيْفِيَّةِ تَوجيهِها نَحْوَ أُفُقٍ انْتِظارِيٍّ قَد يَتَوَلَّدُ عن سِياقِ تَجارِبِها التّاريخِيَّةِ الخاصَّة.
مِمّا سَبَقَ يُمْكِنُ استِخلاصُ الآتي:
ــ التَّوَجُّهُ الغَرْبِيُّ المِعْيارِيُّ في عَمَلِيَّةِ تَصنيفِ العالَمِ العَرَبيِّ الإِسْلاميِّ تَعْكِسُهُ العُدَّةُ المَفْهومِيَّةُ الجاهِزَةُ الَّتي تَنْهَلُ مِنَ البُعْدِ الأَخْلاقيِّ لِتُعَبِّرَ عن سِياقٍ سِياسِيٍّ في عَمَلِيَّةِ التَّصنيفِ القُطْبِيّ، مِمّا يَجْعَلُ المَنْطِقَ الغَرْبِيَّ المُتَفَوِّقَ مَنْطِقًا مُتَعالِيًّا عن غَيْرِهِ ومُنغَلِقًا في المُقابِلِ على ذاتِه؛ يَسْتَخْدِمُ في الغالِبِ العُدَّةَ التَّصنيفِيَّةَ لِخِدْمَةِ مَصالِحِهِ في المِنْطَقَة؛ وقَد يَكونُ تاريخُ القِيادَةِ السّورِيَّةِ الحالِيَّةِ مَعَ مَفْهومِ الإِرْهابِ نَموذَجًا مُصَغَّرًا لِذَلِك.
ــ مَفْهومُ الإِرْهابِ مَفْهومٌ مُعَقَّدٌ ومُرَكَّب، غَيْرَ أَنَّ عَمَلِيَّةَ تَبْسيطِهِ ــ وَهَذا أَمْرٌ خَطيرٌ يَخْلِقُ تَداعِياتٍ لا حَصْرَ لَها على مُسْتَوى التَّشْخيصِ المَعْرِفيِّ والمُمارَسَةِ السِّياسِيَّةِ ــ تَهْدِفُ لِخَلْقِ أَرْضِيَّةٍ لِشَرْعَنَةِ فِعْلٍ سِياسِيٍّ لا يَرْتَبِطُ بِطَبيعَةِ أَو ماهِيَّةِ مَفْهومِ الإِرْهابِ في حَدِّ ذاتِه؛ مِمّا يَجْعَلُنا أَمامَ نَمَطٍ يُساهِمُ، بِشَكْلٍ ما، في خَلْقِ مُبَرِّرٍ لإيجادِ فِعْلٍ سِياسِيٍّ يَتَعالى عن أَيِّ مَنْطِقٍ أَخْلاقِيٍّ أَو إِنْسانِيّ؛ وهوَ ما يَجْعَلُهُ في المُقابِلِ يَتَجاوَزُ المُقارَبَةَ الإِيدْيولوجِيَّة.
طبيعة الإرهاب تتولّد عن الإقصاء والنفي الذي تمارسه الأنظمة السياسية العربية
ــ الخِطابُ الغَرْبِيُّ تُجاهَ العالَمِ العَرَبيِّ الإِسْلامِيِّ يَحْكُمُ عَلَيْهِ البُعْدُ المِعْيارِيُّ الَّذي يَكيلُ بِمِكْيالَيْن؛ مَفادُهُ تَهْيِئَةُ أَرْضِيَّةٍ مَفْهومِيَّةٍ قائِمَةٍ على الإِرْهابِ والتَّطَرُّفِ الدّينِيّ، مِمّا يَجْعَلُ مِن وَصْمِ العَالَمَيْنِ العَرَبيِّ والإِسْلاميِّ بِالإِرْهابِ نَمَطًا جِيوسِياسِيًّا لِإِرادَةٍ غَرْبِيَّةٍ فَوْقِيَّةٍ تَهْدِفُ لِتَغْليبِ كَفَّةِ تَوجُّهاتِها بِناءً على عَمَلِيَّةِ الإِقْصاءِ وخَلْقِ التَّشَرْذُمِ الإِقْليمِيّ.
ــ لا يَنْتُجُ التَّطَرُّفُ في السِّياقِ العَرَبيِّ الإِسْلامِيِّ عن طَبيعَةِ الدّينِ في حَدِّ ذاتِه، بِقَدْرِ ما قَد يُمَثِّلُ أَيْضًا رَدًّا دِفاعِيًّا أَمامَ طَرْحٍ يَنفي أَو يَسْتَبْعِدُ البُعْدَ الدّينِيَّ ويَسْتَلهِمُ الطَّرْحَ العَلْمانِيَّ الغَرْبِيَّ كَبَديل، مِمّا أَنْتَجَ نَوْعًا مِنَ الشُّعورِ بِالاِضْطِهادِ والنَّفْي، كَأَنَّنا أَمامَ تَطَرُّفٍ تَوَلَّدَ عن تَطَرُّفٍ ذي طابِعٍ سِياسِيٍّ وَفْقَ نَموذَجٍ إِرْشادِيٍّ غَرْبِيٍّ جاهِز؛ بِناءً عَلَيْهِ تَمَّ الإِعلاءُ مِن قيمَةِ التَّوَجُّهاتِ اليَسارِيَّةِ والعَلْمانِيَّةِ على حِسابِ التَّوَجُّهاتِ الدّينِيَّة؛ فَصِرْنا أَمامَ تَراكُمِ الشُّعورِ بِالمَظْلومِيَّةِ والاِضْطِهادِ المَبْنيِّ على الانْتِماءِ الدّينِيّ؛ مِمّا اسْتَوْجَبَ ضَرورَةَ الدِّفاعِ عن الهُوِيَّة، ما أَدْخَلَنا في مَعارِكِ صِراعٍ وَهْمِيَّةٍ تَقومُ على تَوَجُّهاتٍ مِعْيارِيَّةٍ لا تَبْني مُقارَبَةً مَعْرِفِيَّةً بِقَدْرِ ما تَنحو نَحْوَ نَفْيٍ مُتَبادَلٍ تَتبَنّاهُ أَطرَافٌ مُتَحارِبَةٌ على تَوَجُّهاتٍ إيدْيولوجِيَّةٍ إِقْصائِيَّة، وهوَ ما تَمَّ تَوْظيفُهُ خارِجِيّا، وَفْقَ سِياقاتٍ سِياسِيَّةٍ مُخْتَلِفَة، لِإِعادَةِ هَيْكَلَةِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ بِما يَتَناسَبُ ومَصالِحَ الغَرْب.
لا يقتصر التطرّف الديني على العالم العربي/الإسلامي بل هو حاضر بأشكال متفاوتة في جلّ الثقافات
ــ إِنَّ وَظيفَةَ مَفْهُومِ الإِرْهابِ هِيَ ما تَخْلُقُ طَبيعَتَه، وما دامَ أَنَّ وَظيفَتَهُ تَرْتَبِطُ بِالبُعْدَيْنِ السِّياسيِّ والدّينِيّ، فَإِنَّ طَبيعَتَهُ تَتَوَلَّدُ عن الإِقْصاءِ والنَّفْيِ الَّذي تُمارِسُهُ الأَنْظِمَةُ السِّياسِيَّةُ العَرَبِيَّة، وقَد يَكونُ الاِحْتِكاكُ بِالفِعْلِ السِّياسيِّ مُناسَبَةً لِخَلْقِ العَديدِ مِنَ المُراجَعاتِ لِبَعْضِ التَّيّاراتِ الَّتي تَرْفَعُ شِعارَ "الإِسلامِ السِّياسِيّ". يُمْكِنُ الإِشارَةُ هُنا إلى نَموذَجِ "العَدالَةِ والتَّنمِيَةِ" في المَغْرِبِ أَو تركيا.
ــ لا يَقْتَصِرُ التَّطَرُّفُ الدّينِيُّ على العَالَمِ العَرَبيِّ / الإِسْلامِيّ، بَل هُوَ حاضِرٌ بِأَشْكالٍ مُتَفاوِتَةٍ في جُلِّ الثَّقافات؛ فَمَعَ أَنَّ مُعْظَمَ الدُّوَلِ الأوروبِّيَّةِ تَعْرِفُ مُبْدَئِيًّا انْفِصالًا ما بَيْنَ الدَّوْلَةِ والكَنيسَة، فَإِنَّ هذِهِ العَلْمَنَةَ لَم تَقُمْ بِشَكْلٍ قَطْعِيٍّ بِاسْتِئْصالِ هذِهِ الصِّلَة، بِغَضِّ النَّظَرِ عن دَرَجَةِ الوَعْيِ بِهَذا الأَمْرِ أَو غِيابِه، بَيْنَ الشُّعوبِ وحَتّى بَيْنَ المَسيحِيَّةِ والتَّوَجُّهِ العَلْمانيِّ في هذِهِ الدُّوَل، فَنَكونُ هُنا أَقْرَبَ إلى تَحَيُّزٍ دينِيٍّ لِتَوْصيفِ تَحَيُّزٍ دينِيٍّ مُغايِرٍ بِالتَّطَرُّف.
(خاص "عروبة 22")

