لَئِنْ بَدَتِ الجُهودُ الإِصْلاحِيَّةُ الرّاهِنَةُ جادَّةً بِحُكْمِ أَنَّهَا تَحْتَ إِشْرافٍ مُباشِرٍ مِنَ الهَياكِلِ الرَّسْمِيَّة، فَإِنَّها لا تَخْلو مِن عَديدِ المُفارَقات. فَمِن ذَلِكَ تَرْكيزُها على المَسائِلِ الشَّكْلِيَّةِ وَالبيداغوجِيَّةِ بَدلَ التَّوجُّهِ إلى مُعالَجَةِ عُمْقِ الأَزْمَةِ الَّتِي تُؤشِّرُ عَديدُ المُعْطَياتِ إلى طابِعِها البُنْيَويِّ الهَيْكَلِيّ. وَهوَ ما يَعْني عَدمَ جَدْوى مُواصَلَةِ اعْتِمَادِ المُسَكِّناتِ وَالحُلولِ التَّرْقيعِيَّةِ في اسْتِصْلاحِ مَنْظومَةٍ أَثْبَتَت فَشَلَها الذَّريعَ في مُسْتَوى الجَوْدَةِ وَالمَرْدودِيَّةِ النَّوْعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّسيجِ الطُّلّابيِّ التّونِسِيّ.
عِنْدَما تَمْتَدُّ سِياسَةُ مُلاحَقَةِ النَّماذِجِ على ما يُقارِبُ السَّبعَةَ عُقود، فَإِنَّ تَساؤُلاتٍ كَثيرَةً تُطْرَح. إِذْ لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ مُنْدَرِجًا في نِطاقِ الانْفِتاحِ الحَضاريِّ وَالاسْتِئناسِ بِتَجارِبِ الآخَرِ النّاجِحَة، وَإِنَّما صارَ عَلامَةً دالَّةً على عَطالَةٍ ذِهْنِيَّةٍ وَانْسِدادٍ تاريخِيٍّ وَإِذْعَانٍ لِلتَّبَعِيَّة. لِذا فَإِنَّ تَبْريرَ بَعْضِهِم لاسْتيرادِ النَّموذَجِ الفَرَنْسيِّ مِن مُنْطلَقاتٍ تاريخِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ يُغْفِلُ عَديدَ الحَقائِقِ الَّتِي يُمْكِنُ اخْتِزالُها في مُسْتَوَيَيْن: يَهُمُّ المُسْتَوى الأَوَّلُ نَوْعِيَّةَ النَّتائِجِ المُتَرَتِّبَةِ عن اسْتِنْساخِ المِنْوالِ الفَرَنْسيِّ مُنْذُ اسْتِقلالِ تونِسَ وَإِلى اليَوْم. وَهِيَ نَتائِجُ مُتَذَبْذِبَةٌ وَمُخَيِّبَةٌ لِلآمال، لا سِيَّما في مُسْتَوى عَدَمِ وُضوحِ الفَلْسَفَةِ التَّرْبَوِيَّةِ المُعْتَمَدَة، وَتَفاقُمِ أَزَماتِ النِّظامِ التَّرْبَويِّ مِن عَشْرِيَّةٍ إِلى أُخْرى، على الرَّغمِ مِن حَديثِ بَعْضِهِم عن تَبايُنٍ بَيْنَ عَشْرِيَّتَيْ الوَزيرَيْنِ المَسْعَديّ وَمَزالي وَعَهْدَيْ بورْقيبَة وَبِن عَلي. أَمَّا المُسْتَوى الثَّاني فَهُوَ خارِجِيٌّ يُحيلُ إلى تَراجُعِ النَّموذَجِ التَّعْليميِّ الفَرَنْسيِّ في التَّقْييماتِ الدَّوْلِيَّةِ بِحُكْمِ اكتِساحِ اللُّغَةِ الإِنْجليزِيَّةِ لِمُخْتَلَفِ الفَضاءاتِ حَتّى داخِلَ فَرَنْسا ذاتِها.
الحداثة ليست وصفة جاهزة تُستورد وإنما تُخلق من رحم المجال التداولي الخاص بكلّ ثقافة
قَد يَبْدو الحَديثُ عن أَزْمَةِ اسْتيرادِ النَّماذِجِ التَّعْليمِيَّةِ مُفْتَعَلًا أَو تَحْويلًا لِوَجْهَةِ ذَلِكَ الجَدَل، إِلّا أَنَّ واقِعَ الحالِ يُثْبِتُ وِجاهَةَ ذَلِكَ الطَّرْحِ بِاعْتِبارِهِ أَشْبَهَ ما يَكونُ بِعَمَلِيَّةِ عَزْفٍ على وَتَرٍ حَسّاس. إِذ تُثارُ عَديدُ الإِشْكالِيّاتِ المُرْتَبِطَةِ بِمَدى اسْتِقلالِيَّةِ القَرارِ الوَطَنيِّ وَحِمايَةِ الأَمْنِ الفِكْريِّ وَالقَوْميِّ وَبِناءِ الشَّخْصِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ وَوَظائِفِ الجامِعَةِ وَعَلاقَةِ المَعْرِفيِّ بِالإِيدْيولوجِيّ. لِذَلِكَ، لَيْسَ مِنَ المُبالَغَةِ القَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ الجَدَلَ يُوَجِّهُنا إِلى قَضِيَّةٍ أَكْبَرَ مُتَعَلِّقَةٍ بِكَيْفِيَّةِ تَحْقيقِ الحَداثَةِ في العالَمِ العَرَبِيّ، الَّتي أَثْبَتَت مُخْتَلِفُ التَّجارِبِ التّاريخِيَّةِ اسْتِحالَةَ تَحَقُّقِها بِاسْتيرادِ النَّماذِجِ الجاهِزَة. فَالحَدَاثَةُ لَيْسَت وَصْفَةً جاهِزَةً تُسْتَورَد، وَإِنَّما تُخْلَقُ مِن رَحِمِ المَجالِ التَّداوُليِّ الخاصِّ بِكُلِّ ثَقافَة، لأَنَّ المُجْتَمَعاتِ لَيْسَت قافِلَةً يَسيرُ كُلُّ حَيَوانٍ مِنْهَا على أَثَرٍ سابِق، مِثْلَمَا أَلْمَحَ إِلى ذَلِكَ آلان توران.
كَانَ يُسْتَحْسَنُ فَتْحُ بابِ مُداوَلاتٍ واسِعٍ بِمُشارَكَةِ مُخْتَلَفِ الفاعِلينَ وَالمُهْتَمّينَ بِالقِطاعِ التَّعْليميِّ بِخُصوصِ الحاجَةِ القُصْوى إِلى تَطْويرِ التَّشْريعاتِ وَالقَوانينِ المُنَظِّمَةِ لِلمُؤَسَّساتِ الجامِعِيَّة، بِما يَفتَحُ آفاقًا لِلتَّمْويلِ الذّاتيِّ في إِطارِ تَعْليمٍ تَشارُكِيٍّ يُسْهِمُ فيهِ الجَميع، وَلا تَرْتَهِنُ الدَّوْلَةُ في تَحَمُّلِ أَعبائِهِ وَحْدَها، بَدَلَ مُواصَلَةِ اجْتِرارِ أُسْطُوانَةِ التَّبْريراتِ المَشْروخَةِ حَوْلَ ضَعْفِ الإِمْكانياتِ المادِّيَّةِ وَالحاجَةِ إِلى تَمْويلاتِ البُنوكِ الدَّوْلِيَّةِ وَالمُنَظَّماتِ الفْرَنْكوفونِيَّة.
لاعتماد استراتيجية طويلة الأمد تشمل المنظومة التعليمية والتربوية من المهد إلى اللّحد
لَعَلَّ مِنَ الإِشكالِيّاتِ الأَساسِيَّةِ الَّتي يَتَعَيَّنُ طَرْحُهَا اليَوْمَ التَّسَاؤُلُ عن وَظيفَةِ الجامِعَةِ في ظِلِّ التَّحَوُّلاتِ السّوسْيوثَقافِيَّةِ وَالتِّكْنولوجِيَّةِ المُتَسارِعَة. إِذ كَيْفَ يُمْكِنُ تَحْريرُ العُقولِ في عَصْرِ التَّفاهَةِ وَالذَّكاءِ الاِصْطِناعِيّ؟ وَإِلى مَتى سَيَسْتَمِرُّ التَّهَرُّبُ مِنَ الإِصْدَاعِ بِحَقيقَةِ تَضاؤُلِ عَلاقَةِ التَّخَرُّجِ مِنَ الجامِعَةِ بِالحُصولِ على التَّوظيفِ الحُكوميِّ وَسوقِ الشُّغْلِ عُمومًا؟.
بِقَدْرِ ما يَعْكِسُ الحَديثُ عن تَأْهيلِ الإِجازاتِ وَتَوْحيدِها رُؤْيَةً أَداتِيَّةً في الإِصْلاحِ وَالتَّطوير، فَإِنَّهُ لا يُعَدُّ حَلًّا جَذْرِيًّا لِلاِرْتِقاءِ بِالزّادِ المَعْرِفيِّ الضَّحْلِ لِعُمومِ الطُّلّاب. إِذ يَسْتَدْعي الأَمْرُ اعْتِمادَ اسْتْراتيجِيَّةٍ طَويلَةِ الأَمَدِ تَشْمَلُ المَنْظومَةَ التَّعْليمِيَّةَ وَالتَّرْبَوِيَّةَ مِنَ المَهْدِ إِلى اللَّحْد. لِذا يَتَوَجَّبُ الحَذَرُ مِن اسْتِمْرارِ نَهْجِ المُكابَرَةِ وَالعِنادِ في اعْتِمَادِ المُقارَباتِ الخاطِئَةِ نَفْسِها الَّتي أَفْضَت إِلى هَزّاتٍ اِجْتِماعِيَّةٍ وَسِياسِيَّةٍ عَمَّقَت شُروخاتِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، فَأَضْحَتْ مُسْتَبَاحَةً إِقْليمِيًّا وَدَوْلِيًّا.
(خاص "عروبة 22")

