النفط ومستقبل الطاقة

اسْتِمْرارُ هَيْمَنَةِ النَّفْطِ وَالغاز!

أَعْلَنَتْ مُنَظَّمَةُ الدُّوَلِ المُصَدِّرَةِ لِلنَّفْطِ "أُوبِك"، أَنَّ وِكالةَ الطّاقَةِ الدَّوْلِيَّةَ أَجْرَتْ مُصالَحَةً مَعَ الواقِعِ بَعْدَ تَراجُعِها عَنْ تَوَقُّعاتِها لِعامِ 2023 الَّتي أَعْلَنَتْ فيها عَنْ بِدايَةِ نِهايَةِ عَصْرِ الوُقودِ الأَحْفورِي. يَأْتي مَوْقِفُ "أُوبِك" في بَيانٍ رَسْمِيّ، بَعْدَ صُدورِ تَقْريرِ وِكالةِ الطّاقَةِ الدَّوْلِيَّةِ الأَخير، تَوَقُّعاتُ الطّاقَةِ العالَمِيَّةِ 2025، الَّذي أَظْهَرَ اعْتِرافًا غَيْرَ مَسْبوقٍ بِالدَّوْرِ المُسْتَمِرِّ وَالمُهَيْمِنِ لِلنَّفْطِ وَالغاز. وَشَدَّدَتْ "أُوبِك" على أَنَّ التَّوَقُّعاتِ السّابِقَةَ الَّتي رَوَّجَتْ لِذُرْوَةٍ وَشيكَةٍ لِلطَّلَبِ كانَتْ مَدْفوعَةً بِـ"التَّفْكيرِ بِالتَّمَنّي" (Wishful Thinking) بَدَلًا مِنَ البَياناتِ الواقِعِيَّة، مُؤَكِّدَةً على رِسالَتِها المُسْتَمِرَّةِ بِضَرورَةِ الاسْتِثْمارِ في جَميعِ مَصادِرِ الطّاقَةِ لِضَمانِ الأَمْنِ وَالاسْتِقْرارِ العالَمِيَّيْن - التَّقْريرُ الاقْتِصادِيُّ العَرَبِيُّ المُوَحَّدُ 2025.

اسْتِمْرارُ هَيْمَنَةِ النَّفْطِ وَالغاز!

إِنَّ التَّحَوُّلَ مُفاجِئٌ وَغَيْرُ مُتَوَقَّع، إِذْ أَظْهَرَ أَحْدَثُ تَقاريرِ وِكالةِ الطّاقَةِ الدَّوْلِيَّةِ تَوَقُّعاتِ الطّاقَةِ العالَمِيَّة، وَتَحْديدًا في سينارْيو السِِّياساتِ الحالِي، اعْتِرافًا بِنَقيضِ ما صَرَّحَتْ بِهِ سابِقًا، بِحَيْثُ يَنُصُّ السّينارْيو عَلى أَنَّ الطَّلَبَ عَلى النَّفْطِ وَالغازِ لا يَصِلُ إِلى الذُّرْوَةِ حَتّى عامِ 2050، وَأَنَّ النَّفْطَ يَظَلُّ الوُقودَ المُهَيْمِنَ طَوالَ هَذِهِ الفَتْرَة.

هناك حاجة للاستثمار في حقول النفط والغاز لدعم أمن الطاقة العالمي

إِنَّ هَذا التَّقْريرَ الصّادِرَ عَنْ وِكالةِ الطّاقَةِ الدَّوْلِيَّة، يُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلى الحاجَةِ إِلى جَميعِ مَصادِرِ الطّاقَةِ، وَهُوَ ما يُمَثِّلُ مِحْوَرَ التَّرْكيزِ الأَساسِيِّ لِأَبْحاثِ وَتَوَقُّعاتِ وَرَسائِلِ "أُوبِك" في السَّنَواتِ الأَخيرَة. وَأَشارَ البَيانُ تَحْديدًا إِلى سينارْيو الوكالةِ الجَديدِ لِتَسْريعِ خِدْماتِ الطَّهْيِ وَالكَهْرَباءِ النَّظيفَة، الَّذي يُوَفِّرُ خَريطَةَ طَريقٍ لِتَحْقيقِ الوُصولِ الشّامِلِ إِلى الكَهْرَباءِ وَالطَّهْيِ النَّظيف، حَيْثُ يُشيرُ هَذا السّينارْيو إِلى أَهَمِّيَّةِ مُنْتَجٍ نَفْطِيٍّ حَيَوِيٍّ هُوَ الغازُ النَّفْطِيُّ المُسال، وَيَنُصُّ عَلى أَنَّ الغازَ النَّفْطِيَّ المُسالَ يَدْعَمُ مُعْظَمَ سُبُلِ الوُصولِ الجَديدَةِ إِلى الطَّهْيِ النَّظيف، مِمّا يَزيدُ مِنِ اسْتِخْدامِهِ إِلى حَوالَيْ 3.4 مَلايينِ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا في قِطاعِ الطَّهْيِ السَّكَنِيِّ بِحُلولِ عامِ 2040.

وَبِالنِّسْبَةِ لِلنَّفْطِ عَلى وَجْهِ الخُصوص، فَإِنَّ حَديثَ وِكالةِ الطّاقَةِ الدَّوْلِيَّةِ عَنْ ذُرْوَةِ الطَّلَبِ العالَمِيِّ قَبْلَ نِهايَةِ هَذا العَقْدِ كانَ مَصْحوبًا أَيْضًا بِدَعْوَةٍ لِوَقْفِ الاسْتِثْماراتِ الجَديدَةِ في النَّفْط، وَهُوَ ما عَدَّتْهُ أُوبِك، "تَفْكِيرًا بِالتَّمَنِّي" كانَ يَقودُ قِصَّةَ اسْتِثْمارِ الوِكالةِ في النَّفْط.

صناعة الطاقة بحاجة إلى تحليل قوي يستند إِلى البيانات

لِحُسْنِ الحَظّ، شَهِدَ عامُ 2025 انْعِطافاتٍ واضِحَةً في هَذا المَوْقِف، فَقَدْ أَشارَ المُديرُ التَّنْفيذِيُّ لِوِكالةِ الطّاقَةِ الدَّوْلِيَّةِ في مُؤْتَمَرِ "سيراويك" (CERAWeek) في مارِس/آذار 2025، إِلى وُجودِ حاجَةٍ لِلِاسْتِثْمارِ في حُقولِ النَّفْطِ وَالغازِ لِدَعْمِ أَمْنِ الطّاقَةِ العالَمِيّ، ما يُعادِلُ الإِنْتاجَ المُشْتَرَكَ لِلْبَرازيلِ وَالنُّرْويجِ مِنْ ميزانِ السّوقِ العالَمِيَّةِ كُلَّ عامٍ، وَهَذا يَعْني أَنَّ الصِّناعَةَ يَجِبُ أَنْ تَعْمَلَ أَسْرَعَ بِكَثيرٍ لِمُجَرَّدِ البَقاءِ عَلى وَضْعِها.

إِنَّ عَدَمَ ضَخِّ اسْتِثْماراتٍ جَديدَةٍ في النَّفْط، وَالتَّرْويجَ لِسينارْيواتٍ مِثْلَ سينارْيو صافي الانْبِعاثاتِ الصِّفْرِيَّةِ بِحُلولِ 2050، الَّذي وَصَفَتْهُ بِأَنَّهُ سينارْيو مِعْيارِيٌّ وَلَيْسَ اسْتِكْشافِيًّا، يَبْني مَسارًا عَكْسِيًّا لِتَحْقيقِ نَتائِجَ مُحَدَّدَةٍ عَلى حِسابِ السِِّينارْيواتِ الأُخْرى، وَإِنَّ هَذا التَّرْويجَ غَيْرُ مُفيدٍ لِرَسْمِ مَساراتٍ واقِعِيَّةٍ لِمُسْتَقْبَلِ الطّاقَة، خُصوصًا لِضَمانِ تَوْفيرِ الِاسْتِثْماراتِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ الضَّرورِيَّة، لَيْسَ فَقَطْ في الإِنْتاجِ لِتَلْبِيَةِ طَلَبِ المُسْتَهْلِكين، وَلَكِنْ أَيْضًا في التِّقْنِيّاتِ الحَيَوِيَّة، مِثْلَ احْتِجازِ الكَرْبونِ وَاسْتِخْدامِهِ وَتَخْزينِهِ وَ"التِقاطِ الهَواء المُباشِر" (Direct Air Capture DAC)، المَطْلُوبِ لِلْمُساعَدَةِ في خَفْضِ الانْبِعاثات.

وَمِنَ المُهِمِّ الإِشارَةُ إِلى أَنَّ صِناعَةَ الطّاقَةِ بِحاجَةٍ إِلى تَحْليلٍ قَوِيٍّ يَسْتَنِدُ إِلى البَيانات، نَحْنُ بِحاجَةٍ إِلى حَقائِق، لا تَخَيُّلات، نَحْنُ بِحاجَةٍ إِلى نَزاهَةٍ، لا إيدْيولوجْيا، عَلى أَمَلٍ في أَنْ يُمَثِّلَ تَقْريرُ الوِكالةِ الأَخيرُ عَوْدَةً إِلى التَّحْليلِ القائِمِ عَلى حَقائِقِ الطّاقَة، وَأَنْ نَكونَ قَدْ تَجاوَزْنا ذُرْوَةَ المَفْهومِ المُضَلِّلِ لِلذُّرْوَةِ النَّفْطِيَّة.

مصادر الطاقة الرئيسية تعتمد على بعضها بعضًا

إِنَّ الوُقودَ الأَحْفورِيَّ مادَّةٌ طَبيعِيَّةٌ تَتَكَوَّنُ مِنْ بَقايا كائِناتٍ قَديمَةٍ مَدْفونَةٍ عَلى مَدى مَلايينِ السَّنَوات، وَاعْتَمَدَتِ البَشَرِيَّةُ لِعُقودٍ عِدَّةٍ عَلى الوُقودِ الأَحْفورِيِّ الَّذي يَتَمَيَّزُ بِخَصائِص، مِنْ حَيْثُ سُهولَةُ نَقْلِها وَتَخْزينِها، فَهُوَ يُشَكِّلُ 82% مِنْ إِجْمالِيِّ إِمْداداتِ الطّاقَةِ في العالَم، لَكِنَّهُ تَسَبَّبَ في تَغَيُّراتٍ مُناخِيَّةٍ حادَّةٍ على الأَرْض. كَما يُعَدُّ الفَحْمُ أَكْثَرَ أَنْواعِ الوُقودِ الأَحْفورِيِّ اسْتِخْدامًا، وَمِنْ أَشْهَرِ أَنْواعِ الوُقودِ الأَحْفورِيِّ البِتْرول، وَمِنْ أَنْواعِ الوُقودِ الأَحْفورِيِّ الأُخْرى الجِفْتُ وَفَحْمُ الكوك، وَهُما مِنْ أَنْواعِهِ الصَّلْبَة، وَالجِفْتُ يُسْتَخْدَمُ في التَّدْفِئَةِ لَكِنَّهُ يُعَدُّ غَيْرَ فَعَّالٍ لِاحْتِراقِهِ البَطيءِ وَبِسَبَبِ كَمِّيَّةِ الدُّخانِ الكَثيرَةِ الَّتي يُنْتِجُها وَحَرارَتِهِ المَحْدودة.

وفي الخِتام، إِنَّ الواقِعَ الحالِيَّ يُظْهِرُ أَنَّ العالَمَ يَسْتَهْلِكُ حالِيًّا كَمِّيّاتٍ أَكْبَرَ مِنَ النَّفْط، وَالفَحْم، وَالغاز، وفي الواقِع، جَميعَ مَصادِرِ الطّاقَة، أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضى، وَهُوَ ما يَظْهَرُ في التَّوَقُّعاتِ قَصيرةِ المَدى لِكُلٍّ مِنْ "أُوبِك" وَالوِكالَة. وَكَما دَعَتْ "أُوبِك" في مُناسَباتٍ كَثيرَة، فَإِنَّ تاريخَ الطّاقَةِ كانَ دائِمًا يَتَعَلَّقُ بِالإِضافات، إِذْ إِنَّ مَصادِرَ الطّاقَةِ الرَّئيسِيَّةَ لَمْ تَخْتَفِ أَوْ تُتْرَك، بَلْ تُواصِلُ تَكْمِلَةَ بَعْضِها بَعْضًا، بَلْ وَتعتَمِدُ عَلى بَعْضِها بَعْضًا، فَمَثَلًا سَتَكونُ مَصادِرُ الطّاقَةِ المُتَجَدِّدَةِ جُزْءًا مُهِمًّا وَمُتَوَسِّعًا مِنْ مَشْهَدِ الطّاقَةِ المُسْتَقْبَلِيّ.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن