يَفْتَحُ الكِتابُ بابًا دَقيقًا على عَلاقَةِ اليَهودِيَّةِ بِالأَرْضِ كَما صاغَتْها نُصوصُها وَتَقاليدُها عَبْرَ قُرون. تظْهَرُ الأَرْضُ في هَذا السِّياقِ مَعْنًى روحِيًا وَوَعْدًا أَخْلاقِيًّا يَرْتَبِطُ بِالسُّلوكِ وَالالْتِزامِ الدّينِيّ، وَيَتَشَكَّلُ في ظِلِّ تَجْرِبَةٍ تاريخِيَّةٍ طَويلَةٍ عاشَتْ خارِجَ إِطارِ الدَّوْلَةِ وَمُؤَسَّساتِها، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الأَرْضَ في الوِجْدانِ اليَهودِيِّ أُفُقٌ رَمْزِيٌّ يَشْحَنُ الهُوِيَّةَ بِمَعْنًى أَخْلاقِيٍّ يَتَجاوَزُ السِّياسَةَ اليَوْمِيَّة.
نقطة انعطاف كبرى غيّرت صورة الأرض من معنى أخلاقي جامع إلى عنوان صراع
وَمِنْ هَذا التَّمْييزِ تَتَبَلْوَرُ الفِكْرَةُ المِحْوَرِيَّةُ في الكِتاب، وَهِيَ أَنَّ نَقْلَ الرَّمْزِ الدّينيِّ مِنْ مَجالِهِ التَّعَبُّديِّ إلى فَضاءِ المَشْروعِ السِّياسيِّ الحَديثِ أَحْدَثَ تَحَوُّلًا عَميقًا في مَعْنى الأَرْضِ وَفي تَعْريفِ الهُوِيَّةِ نَفْسِها. فَقَدِ انْتَقَلَ المَفْهومُ مِنْ وَعْدٍ مَشْروطٍ بِالقِيَمِ إلى مُمارَسَةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِالقُوَّة، وَمِنِ انْتِظارٍ لِزَمَنٍ مُقَدَّسٍ إلى فِعْلٍ تاريخِيٍّ يَسْعى إلى تَحْقيقِهِ بِأَدَواتِ الدَّوْلَة. وَفي هَذا التَّحَوُّلِ يَرى رابْكين نُقْطَةَ انْعِطافٍ كُبْرى أَعادَتْ صِياغَةَ العَلاقَةِ بَيْنَ الدّينِ وَالسِّياسَة، وَغَيَّرَتْ صورَةَ الأَرْضِ مِنْ مَعْنًى أَخْلاقِيٍّ جامِعٍ إلى عُنْوانٍ لِصِراعٍ مُعاصِر.
اليَهودِيَّةُ وَتَعَدُّدُ المَعاني
يَنْطَلِقُ رابْكين مِنْ ضَرورَةِ تَوْضيحِ مَسْأَلَةٍ كَثيرًا ما يَكْتَنِفُها الالْتِباسُ في النِّقاشِ العَرَبيِّ وَالدَّوْلِيّ. فَاليَهودُ لا يُشَكِّلونَ جَماعَةً مُتَجانِسَةً إِثْنِيًّا أَوْ إيدْيولوجِيًّا، وَاليَهودِيَّةُ نَفْسُها تَقْليدٌ دينِيٌّ عَرَفَ انْقِساماتٍ لاهوتِيَّةً وَمَدارِسَ مُتَنافِسَةً عَبْرَ القُرون. هَذا التَّعَدُّدُ غابَ طَويلًا خَلْفَ صُوَرٍ نَمَطِيَّةٍ غَذَّتْها إيدْيولوجِيّاتٌ مُعادِيَةٌ لِلْيَهود، تَجاهَلَتِ الفُروقَ الدّاخِلِيَّةَ وَدَفَعَتْ نَحْوَ تَعْميماتٍ تَخْتَزِلُ التَّنَوُّعَ في هُوِيَّةٍ صَلْبَةٍ واحِدَة.
يُعيدُ الكِتابُ الاعْتِبارَ إلى اليَهودِيَّةِ الحاخامِيَّةِ التي سادَتْ قُرونًا طَويلَةً في الشَّتات، ثُمَّ تَفَرَّعَتْ في العَصْرِ الحَديثِ إلى الأُرْثوذُكْسِيَّةِ وَالإِصْلاحِيَّةِ وَالمُحافِظَةِ تَحْتَ تَأْثيرِ التَّنْويرِ الأوروبّيِّ وَحَرَكاتِ الانْعِتاقِ بَعْدَ الثَّوْرَةِ الفَرَنْسِيَّة. وَداخِلَ هَذا المَشْهَدِ تَتَوَزَّعُ مَواقِفُ مُتَبايِنَةٌ مِنَ الصِّهْيونِيَّةِ وَالدَّوْلَة، تَتَراوَحُ ما بَيْنَ التَّأْييدِ الكامِلِ وَالنَّقْدِ الحادِّ وَالرَّفْضِ العَقَدِيِّ الصَّريح، كَما لَدى بَعْضِ الجَماعاتِ الحَريدِيَّةِ مِثْلَ ناطوري كارْتا (Neturei Karta)، التي تَرى في قِيامِ الدَّوْلَةِ تَدَخُّلًا بَشَرِيًا في مَسارِ الخَلاصِ الدّينِيّ.
الأَرْضُ بَيْنَ الرَّمْزِ وَالسِّيادَة
يُخَصِّصُ رابْكين مَساحَةً مَرْكَزِيَّةً لِلْعَلاقَةِ بَيْنَ اليَهودِيَّةِ وَالأَرْضِ في نُصوصِها الكْلاسيكِيَّة. فَالأَرْضُ في الوِجْدانِ الدّينيِّ تَحْمِلُ مَعْنًى روحِيًا وَوَعْدًا أَخْلاقِيًّا يَرْتَبِطُ بِالسُّلوكِ وَالاِلْتِزامِ بِالشَّريعَة. وَقَدْ تَشَكَّلَ هَذا التَّصَوُّرُ خِلالَ قُرونٍ مِنَ العَيْشِ خارِجَ إِطارِ الدَّوْلَة، حَيْثُ ظَلَّ مَفْهومُ الخَلاصِ جُزْءًا مِنْ خُطَّةٍ إِلَهِيَّةٍ تَنْتَظِرُ تَحَقُّقَها في زَمَنٍ مُقَدَّسٍ.
لحظة تأسيسية أعادت تعريف الهوية اليهودية وربطتها بمفهوم القوة
وَمَعَ صعودِ القَوْمِيَّةِ الأوروبِّيَّةِ في القَرْنِ التّاسِعَ عَشَر، تَحَوَّلَ هَذا الرَّمْزُ إلى مَشْروعِ سِيادَةٍ وَحُدودٍ وَمُؤَسَّساتٍ عَسْكَرِيَّة. وَانْتَقَلَتِ الفِكْرَةُ مِنْ أُفُقٍ أَخْلاقِيٍّ مَفْتوحٍ إلى إِطارٍ سِياسِيٍّ يَسْعى إلى تَحْقيقِ ذاتِهِ عَبْرَ أَدَواتِ الدَّوْلَةِ الحَدِيثَة. وَيَرى رابْكين في هَذا التَّحَوُّلِ لَحْظَةً تَأْسيسِيَّةً أَعادَتْ تَعْريفَ الهُوِيَّةِ اليَهودِيَّةِ وَرَبَطَتْها بِمَفْهومِ القُوَّة، كَما رَبَطَتِ الذّاكِرَةَ الدّينِيَّةَ بِسَرْدِيَّةٍ قَوْمِيَّةٍ تَسْعى إلى التَّجَسُّدِ الجُغْرافِيّ.
الصُّهْيونِيَّةُ كَقَطيعَةٍ تاريخِيَّة
يُعالِجُ الكِتابُ نَشْأَةَ الصُّهْيونِيَّةِ داخِلَ المُناخِ الأوروبّيِّ الذي جَعَلَ القَوْمِيَّةَ مِعْيارًا لِلْهُوِيَّةِ السِّياسِيَّة. وَقَدْ نَظَرَ مُؤَسِّسو الحَرَكَةِ إلى مَشْروعِهِمْ بِوَصْفِهِ اسْتِجابَةً حَديثَةً لِأَزْمَةِ يَهودِ أوروبّا، وَخَطْوَةً تَفْصِلُ بَيْنَ الماضي الدّينيِّ وَالهُوِيَّةِ القَوْمِيَّةِ الجَديدَة. وَهَكَذا أُعيدَ تَشْكيلُ اليَهوديِّ في صورَةِ مُواطِنٍ لِدَوْلَةٍ مُسْتَقْبَلِيَّة، وَتَحَوَّلَتِ العَوْدَةُ إلى الأَرْضِ إلى عَوْدَةٍ إلى التّارِيخِ عَبْرَ الدَّوْلَة.
يَفْحَصُ رابْكين الطّابَعَ الكولونْيالِيَّ لِلْمَشْروعِ الصُّهْيونِيّ، وَيَعْرِضُ مَسارَ الاِسْتيطانِ مُنْذُ أَواخِرِ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَر، حينَ اسْتَقَرَّ مُهاجِرونَ أوروبِيّونَ في مِنْطَقَةٍ مَأْهولَةٍ بِتَنَوُّعٍ دينِيٍّ وَإِثْنِيّ. وَتَطَوَّرَتِ الفِكْرَةُ لاحِقًا إلى نَموذَجٍ اسْتيطانِيٍّ أَكْثَرَ تَنْظيمًا قامَ على الفَصْلِ وَبِناءِ مُسْتَوْطَناتٍ حَصْرِيَّة، تَحْتَ شِعاراتٍ مِثْلَ "الاحْتِلالِ مِنْ خِلالِ العَمَل" وَ"الانْفِصال". وَقَدْ أَسْهَمَ هَذا المَسارُ في تَرْسيخِ بُنْيَةِ صِراعٍ مُمْتَدَّة، وَوَضَعَ إِسْرائيلَ في مَوْقِعٍ مُلْتَبِسٍ بَيْنَ انْدِماجٍ غَرْبِيٍّ وَعُزْلَةٍ إِقْليمِيَّة.

دَوْلَةٌ في حالَةِ طَوارِئَ دائِمَة
يَتَوَقَّفُ الكِتابُ عِنْدَ البُنْيَةِ السِّياسِيَّةِ التي نَشَأَتْ مَعَ قِيامِ الدَّوْلَة، حَيْثُ يَحْتَلُّ مَفْهومُ الأَمْنِ مَوْقِعًا مَرْكَزِيًّا يُعيدُ تَنْظيمَ المَجالَيْنِ السِّياسيِّ وَالأَخْلاقِيّ. وَتَتَحَوَّلُ حالَةُ الطَّوارِئِ إلى إِطارٍ دائِمٍ لِلْحُكْم، وَيَغْدو الخَوْفُ عُنْصُرًا مُؤَسِّسًا في تَشْكيلِ الهُوِيَّةِ الجَماعِيَّة. وَفي هَذا السِّياق، تَتَعَزَّزُ صورَةُ دَوْلَةٍ تَتَحَرَّكُ حُدودُها وَفْقَ مَنْطِقِ القُوَّة، وَتَحْتَفِظُ بِهامِشٍ مَفْتوحٍ لِإِعادَةِ تَعْريفِ المَجالِ الجُغْرافِيّ.
وَيَرْبِطُ رابْكين بَيْنَ هَذِهِ البُنْيَةِ وَبَيْنَ تَصَوُّرِ الدَّوْلَةِ لِنَفْسِها بِاعْتِبارِها دَوْلَةً لِلْيَهودِ في العالَم، ما يَمْنَحُها بُعْدًا عابِرًا لِلْحُدودِ السِّياسِيَّة. وَيَنْتُجُ عَنْ ذَلِكَ تَوَتُّرٌ في عَلاقَةِ الجالِياتِ اليَهودِيَّةِ بِالدَّوْلَة، حَيْثُ يُنْتَظَرُ مِنْها دَعْمٌ رَمْزِيٌّ وَإِعْلامِيٌّ مُتَواصِل، بَيْنَما تَبْقى صِناعَةُ القَرارِ مَحْصورَةً في الإِطارِ الدّاخِلِيّ.
الذّاكِرَةُ وَالشَّرْعِيَّةُ
يُفْرِدُ الكِتابُ فَصْلًا لِتَحْليلِ تَوْظيفِ "الهولوكوسْت" في تَشْكيلِ شَرْعِيَّةٍ سِياسِيَّةٍ مُعاصِرَة. وَتَعْمَلُ الذّاكِرَةُ هُنا عُنْصُرًا مَرْكَزِيًا في بِناءِ الهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّة، وَتَتَحَوَّلُ إلى مَرْجِعِيَّةٍ أَخْلاقِيَّةٍ قَوِيَّةٍ في النِّقاشِ الدَّوْلِيّ.
وَيُعيدُ هَذا الاِسْتِخْدامُ صِياغَةَ العَلاقَةِ بَيْنَ الماضِي وَالحَاضِرِ، وَيَمْنَحُ الدَّوْلَةَ مَوْقِعًا خاصًّا في المِخْيالِِ الغَرْبِيّ، مَعَ اسْتِمْرارِ جَدَلٍ واسِعٍ حَوْلَ أَثَرِ ذَلِكَ في إِغْلاقِ مَساحَاتِ النَّقْد.
ديموقْراطِيَّةٌ انْتِقائِيَّةٌ وَهُوِيَّةٌ عِرْقِيَّة
يَتَناوَلُ رابْكين طَبيعَةَ النِّظامِ السِّياسيِّ في إِسْرائيل، وَيَصِفُهُ نِظامًا ديموقْراطِيًّا في بُنْيَتِهِ المُؤَسَّسِيَّة، مَعَ طابَعٍ انْتِقائِيٍ يَتَّصِلُ بِمَبادِئِهِ المُؤَسِّسَة. يَمْنَحُ قانونُ العَوْدَةِ أَيَّ يَهودِيٍّ حَقَّ الهِجْرَةِ وَالحُصولِ على المُواطَنَة، في حينِ يَبْقى سُكَّانٌ عاشوا في البِلادِ أَجْيالًا خارِجَ هَذا الامْتِياز. وَتُعَزِّزُ صَهْيَنَةُ الأَرْضِ وَسِياساتُ الفَصْلِ تَصَوُّرَ الدَّوْلَةِ إِطارًا إِثْنوقْراطِيًّا، تَتَقَدَّمُ فيهِ الهُوِيَّةُ القَوْمِيَّةُ على المُواطَنَةِ المَدَنِيَّة.
تحرير النقاش من معادلة تختزل اليهودية في الصهيونية وتختزل اليهود في الدولة
تَكْمُنُ قُوَّةُ الكِتابِ في قُدْرَتِهِ على تَحْريرِ النِّقاشِ مِنْ مُعادَلَةٍ تَخْتَزِلُ اليَهودِيَّةَ في الصُّهْيونِيَّة، وَتَخْتَزِلُ اليَهودَ في الدَّوْلَة. يَعْرِضُ رابْكين تاريخًا مِنَ المُعارَضَةِ الدّينِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ داخِلَ التَّقْليدِ اليَهودِيّ، وَيَكْشِفُ أَنَّ تَحْويلَ اليَهودِيَّةِ إلى قَوْمِيَّةٍ حَديثَةٍ كانَ خِيارًا تاريخِيًّا مِنْ بَيْنِ خِياراتٍ مُتَعَدِّدَة.
وَفي نِهايَةِ المَطافِ يَضَعُ كِتابُ "مَعْنى إِسْرائيل" القارِئَ أَمامَ سُؤالٍ مَفْتوحٍ حَوْلَ العَلاقَةِ بَيْنَ الدّينِ وَالقَوْمِيَّة، وَحَوْلَ حُدودِ تَحْويلِ الرُّموزِ الرّوحِيَّةِ إلى مَشاريعَ سِيادِيَّة. وَيُعيدُ الكِتابُ اليَهودِيَّةَ إلى فَضاءِ التَّعَدُّد، وَيَضَعُ الدَّوْلَةَ تَحْتَ مِجْهَرِ الفِكْرَة، وَيَقْتَرِحُ أَنَّ فَهْمَ الصِّراعِ يَبْدَأُ بِفَهْمِ المَعْنى الذي أُعْطِيَ لِلْهُوِيَّةِ حينَ دَخَلَتْ مَيْدانَ السِّياسَة.
(خاص "عروبة 22")

