خِلالَ السَّنَواتِ الأَخيرَة، تَوالَتِ التَّحْذيراتُ الصّادِرَةُ عَنْ فاعِلينَ مَرْكَزِيّينَ في القَرارِ الاقْتِصاديِّ والتِّكْنولوجيِّ العالَمِيّ، مُفادُها أَنَّ أَنْماطَ العَمَلِ التَّقْليدِيَّةَ مُقْبِلَةٌ على الزَّوال، وَأَنَّ الوَظيفَةَ بِصيغَتِها الكْلاسيكِيَّةِ لَمْ تَعُدْ تَمْلِكُ أُفُقًا زَمَنِيًّا طَويلًا.
في هَذا السِّياق، تَأْتي تَصْريحاتُ إيلون ماسْك، التي حَدَّدَ فيها الأُفُقَ الزَّمَنِيَّ لِاخْتِفاءِ جُزْءٍ كَبيرٍ مِنَ الوَظائِفِ في حُدودِ عَقْدَيْنِ مِنَ الزَّمَن، بِاعْتِبارِ أَنَّ الذَّكاءَ الاصْطِناعِيَّ والرّوبوتاتِ سَيُعَوِّضانِ البَشَرَ في مُعْظَمِ الأَنْشِطَةِ الإِنْتاجِيَّةِ والخِدْماتِيَّة، لِتُغَذِّيَ حالَةَ القَلَقِ الجَماعِيّ، وَتَفْتَحَ البابَ أَمامَ تَساؤُلاتٍ عَميقَة: هَل نَحْنُ أَمامَ تَهْديدٍ حَقيقِيٍّ أَمْ أَمامَ تَضْخيمٍ إِعْلامِيّ؟ وَهَل تَمْلِكُ الدُّوَل، خاصَّةً في العالَمِ العَرَبِيّ، القُدْرَةَ على التَّكَيُّفِ مَعَ هَذِهِ التَّحَوُّلات؟ أَمْ أَنَّنا نُعيدُ إِنْتاجَ سينارْيو التَّأَخُّرِ التّاريخيِّ الذي رافَقَ الثَّوْرَةَ الصِّناعِيَّة، ثُمَّ التِّكْنولوجِيَّة، وَقَبْلَها الزِّراعِيَّةَ والتِّجارِيَّة؟ الأَخْطَرُ في هَذا النِّقاشِ لَيْسَ فَقَطِ البُعْدَ الاقْتِصادِيَّ أَوِ التِّكْنولوجِيّ، بَل ما يَتَرَتَّبُ عَنْهُ مِنْ إِسْقاطاتٍ سِياسِيَّةٍ وَجِيوسْتراتيجِيَّة، قَدْ تُعيدُ رَسْمَ مَوازينِ القُوَّةِ عالَمِيًّا، وَتُضْعِفُ أَكْثَرَ مَوْقِعَ الدُّوَلِ التي لَمْ تُطَوِّرْ بَعْدُ أَدَواتِ التَّأْثيرِ في القَرارِ العالَمِيّ.
أغلب الدول العربية لم تستكمل بناء اقتصاد معرفي متين ولا نظام تعليمي قادر على إنتاج المهارات المستقبلية
مِنَ النّاحِيَةِ التّاريخِيَّة، كُلُّ ثَوْرَةٍ تِكْنولوجِيَّةٍ كُبْرى رافَقَتْها مَخاوِفُ مُشَابِهَة. خِلالَ الثَّوْرَةِ الصِّناعِيَّة، سادَ الاعْتِقادُ بِأَنَّ الآلَةَ سَتَقْضي نِهائِيًّا على العَمَلِ البَشَرِيّ، وَهُوَ ما لَمْ يَحْدُث، إِذْ تَمَّ تَعْويضُ وَظائِفَ بِوَظائِفَ أُخْرى، وَظَهَرَتْ قِطاعاتٌ جَديدَةٌ لَمْ تَكُنْ مَوْجودَةً مِنْ قَبْل. غَيْرَ أَنَّ المُقارَنَةَ بَيْنَ الثَّوْرَةِ الصِّناعِيَّةِ والثَّوْرَةِ الرَّقْمِيَّةِ الحالِيَّةِ تَكْشِفُ اخْتِلافًا جَوْهَرِيًّا: فالتِّكْنولوجِيا اليَوْمَ لا تَحُلُّ مَحَلَّ الجَهْدِ العَضَليِّ فَقَط، بَل تُنافِسُ الإِنْسانَ في مَجالاتِ التَّفْكير، والتَّحْليل، واتِّخاذِ القَرار.
الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ، بِخِلافِ الآلاتِ التَّقْليدِيَّة، يَتَعَلَّم، وَيَتَطَوَّر، وَيُعيدُ إِنْتاجَ ذاتِه، وَيَسْتَطيعُ أَداءَ مَهامَّ كانَتْ تُعْتَبَرُ حِكْرًا على العَقْلِ البَشَرِيّ. وَهُوَ ما يَجْعَلُ المَخاوِفَ الحالِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ امْتِدادٍ لِمَخاوِفِ الماضي، بَل تَعْبيرًا عَنْ تَحَوُّلٍ نَوْعِيٍّ في عَلاقَةِ الإِنْسانِ بِالعَمَل. فالسُّؤالُ لَمْ يَعُدْ: هَل سَتَخْتَفي بَعْضُ الوَظائِف؟ بَل: ما الذي سَيَبْقى مِنَ العَمَلِ البَشَريِّ أَصْلًا؟.
وَمَعَ ذَلِك، فَإِنَّ الحَديثَ عَنْ "نِهايَةِ العَمَل" بِصيغَةٍ مُطْلَقَةٍ يَظَلُّ مُبالَغًا فيه. الأَرْجَحُ أَنَّنا أَمامَ إِعادَةِ تَعْريفٍ لِلعَمَل، وانْتِقالٍ مِنْ نَماذِجَ تَقْليدِيَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ إلى نَماذِجَ مَرِنَة، غَيْرِ مُسْتَقِرَّة، تَقومُ على المَهارَة، والابْتِكار، والتَّكَيُّفِ المُسْتَمِرّ. غَيْرَ أَنَّ هَذا التَّحَوُّلَ سَيَكونُ مُكْلِفًا اجْتِماعِيًّا، وَقَدْ يُنْتِجُ فِئاتٍ واسِعَةً مِنَ "اللّامُنْتَمينَ اقْتِصادِيًّا" إِذا لَمْ تُواكَبْ هَذِهِ التَّحَوُّلاتُ بِسِياساتٍ عُمومِيَّةٍ ذَكِيَّة.
الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ أَمامَ اخْتِبارِ الجاهِزِيَّةِ التاريخِيَّة
إِذا كانَ العالَمُ المُتَقَدِّمُ يُناقِشُ اليَوْمَ كَيْفِيَّةَ تَدْبيرِ الانْتِقالِ نَحْوَ اقْتِصادِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، فَإِنَّ السُّؤالَ المَرْكَزِيَّ في العالَمِ العَرَبيِّ هُوَ: هَل نَمْلِكُ أَصْلًا شُروطَ الالتِحاقِ بِهَذا المَسار؟ أَمْ أَنَّنا ما زِلنا نُواجِهُ تَحَدِّياتِ القَرْنِ الماضي؟.
نخاطر بأن نُعيد خطأ سيناريو الثورة الصناعية والثورة الرقمية مع الذكاء الاصطناعي
تُظْهِرُ المُؤَشِّراتُ أَنَّ أَغْلَبَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، بِما فيها المَغْرِب، لَمْ تَسْتَكْمِلْ بَعْدُ بِناءَ اقْتِصادٍ مَعْرِفِيٍّ مَتينٍ وَلا نِظامٍ تَعْليمِيٍّ قادِرٍ على إِنْتاجِ المَهاراتِ المُسْتَقْبَلِيَّة. فَما زالَتِ الجامِعَة، في جُزْءٍ كَبيرٍ مِنْها، تُنْتِجُ خِرّيجينَ مُهَيَّئينَ لِوَظائِفَ تَقْليدِيَّةٍ في قِطاعٍ عُمومِيٍّ مُتَضَخِّمٍ أَوْ قِطاعٍ خاصٍّ هَشّ، في وَقْتٍ تَتَّجِهُ فيهِ الاقْتِصاداتُ المُتَقَدِّمَةُ نَحْوَ تَقْليصِ الوَظيفَة، وَتَعْميمِ الرَّقْمَنَة، وَتَشْجيعِ المُبادَرَةِ الفَرْدِيَّة. هَذا التَّأَخُّرُ البُنْيَوِيُّ يُعيدُ إلى الأَذْهانِ سينارْيو الثَّوْرَةِ الصِّناعِيَّة، حَيْثُ التَحَقَ العالَمُ العَرَبِيُّ مُتَأَخِّرًا، كَمُسْتَهْلِكٍ لِلتِّكْنولوجْيا لا كَمُنْتِجٍ لَها، ثُمَّ تَكَرَّرَ الأَمْرُ مَعَ الثَّوْرَةِ الرَّقْمِيَّة. اليَوْمَ، نُخاطِرُ بِأَنْ نُعيدَ الخَطَأَ ذاتَهُ مَعَ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، فَنُصْبِحَ مُجَرَّدَ سوقٍ لِلمُنْتَجاتِ والخِدْماتِ الذَّكِيَّة، مِنْ دونِ قُدْرَةٍ على التَّحَكُّمِ فيها أَوْ تَوْجيهِها.
مِنَ التَّحَوُّلِ التِّكْنولوجيِّ إلى الزِّلْزالِ السِّياسيّ
لا يُمْكِنُ اخْتِزَالُ تَأْثيراتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ في بُعْدِها الاقْتِصاديِّ فَقَط. فالتَّحَوُّلاتُ الجارِيَةُ تَحْمِلُ في طَيّاتِها تَداعِياتٍ سِياسِيَّةً عَميقَة. فَحينَ تَخْتَفي الوَظيفَةُ كَآلِيَّةٍ لِلإِدْماجِ الاجْتِماعِيّ، وَحينَ تَتَآكَلُ الطَّبَقَةُ الوُسْطى، تَتَعَرَّضُ الدّيموقْراطِيَّةُ نَفْسُها لِلاهْتِزاز، وَيُصْبِحُ الاسْتِقْرارُ السِّياسِيُّ مُهَدَّدًا. ما نَشْهَدُهُ اليَوْمَ مِنْ تَشَدُّدٍ في سِياساتِ الهِجْرَة، وَصُعودٍ لِلنَّزَعاتِ الشَّعْبَوِيَّة، وَتَسْريحاتٍ جَماعِيَّةٍ في كُبْرَياتِ الشَّرِكاتِ في الغَرْب، لَيْسَ مَعْزولًا عَنْ هَذِهِ التَّحَوُّلات. القَراراتُ التي اتَّخَذَتْها إِدارَةُ الرَّئيسِ الأَميرْكيِّ دونالد ترامب، سَواءً بِتَقْليصِ الوَظائِفِ أَوْ تَشْديدِ الهِجْرَة، تَعْكِسُ إِدْراكًا مُبَكِّرًا بِأَنَّ المُنافَسَةَ على الشُّغْلِ والمَوارِدِ سَتَشْتَد، وَأَنَّ الدُّوَلَ سَتَنْغَلِقُ أَكْثَرَ على نَفْسِها. الأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ تَنامي نُفوذِ الشَّرِكاتِ التِّكْنولوجِيَّةِ العِمْلاقَةِ (GAFAM)، التي باتَتْ تَتَحَكَّمُ في البَيانات، والاتِّصال، والمَعْرِفَة، بَلْ وَفي تَوَجُّهاتِ الرَّأْيِ العام. وَهُوَ ما يَطْرَحُ سُؤالًا مُقْلِقًا: هَل نَحْنُ بِصَدَدِ الانْتِقالِ نَحْوَ شَكْلٍ جَديدٍ مِنَ "الحُكْمِ العالَمِيّ"، تَقودُهُ الشَّرِكاتُ بَدَلَ الدُّوَل؟ وَإِذا كانَ الأَمْرُ كَذَلِك، فَأَيْنَ مَوْقِعُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ في هَذا النِّظام؟ وَهَل تَمْلِكُ القُدْرَةَ على المُقاوَمَةِ أَوِ التَّفاوُض؟.
يتعاظم خطر الانزلاق العربي نحو تبعية عميقة متعددة الأبعاد
إِنَّ التَّسارُعَ الرّاهِن، وَغَيْرَ المَسْبوق، في التَّحَوُّلاتِ الجِيو-تِكْنولوجِيَّة، وَما يُصاحِبُهُ مِنِ احْتِدامِ التَّنافُسِ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ والصّينِ حَوْلَ مَفاتيحِ السَّيْطَرَةِ الرَّقْمِيَّة، والذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، وَسَلاسِلِ القيمَةِ المُسْتَقْبَلِيَّة، في مُقابِلِ قَلَقٍ اسْتراتيجِيٍّ أوروبِيٍّ يَسْعى، بِقَدْرٍ مِنَ الارْتِباك، إلى بَلْوَرَةِ مَوْقِعٍ مُسْتَقِلٍّ بَيْنَ قُوَّتَيْنِ عِمْلاقَتَيْن، قَدْ أَفْضى إلى إِعادَةِ تَشْكيلِ بُنْيَةِ النِّظامِ الدَّوْليِّ على نَحْوٍ جَعَلَ العالَمَ العَرَبِيَّ في مَوْقِعِ الحَلْقَةِ الأَضْعَفِ ضِمْنَ هَذا المَسارِ المُتَحَوِّل. فَلَمْ تَعُدِ الهَشاشَةُ العَرَبِيَّةُ تُخْتَزَلُ في مَظاهِرِ التَّأَخُّرِ التَّنْمَويِّ أَوِ الفَجْوَةِ التِّكْنولوجِيَّةِ القابِلَةِ لِلاحْتِواء، بَل غَدَتْ هَشاشَةً بُنْيَوِيَّةً تَمَسُّ جَوْهَرَ القُدْرَةِ على التَّأْثيرِ في دَوائِرِ صُنْعِ القَرارِ العالَمِيّ، وَعلى صَوْنِ المَصالِحِ الاقْتِصادِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ في سِياقٍ دَوْلِيٍّ يُعادُ فيهِ تَعْريفُ القُوَّةِ بَعيدًا عَنْ مُقَوِّماتِها التَّقْليدِيَّة.
وَمَعَ اسْتِمْرارِ غِيابِ رُؤْيَةٍ عَرَبِيَّةٍ جَماعِيَّة، وَضَعْفِ الاسْتِثْمارِ الاسْتراتيجيِّ في المَعْرِفَةِ والتِّكْنولوجْيا، وَتَشَتُّتِ الخِياراتِ الجِيوسِياسِيَّة، يَتَعاظَمُ خَطَرُ الانْزِلاقِ نَحْوَ تَبَعِيَّةٍ عَميقَةٍ وَمُتَعَدِّدَةِ الأَبْعاد، لا يَقْتَصِرُ فيها التَّهْميشُ على المَجالِ الاقْتِصَادِيّ، بَل يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ تَراجُعَ الحُضورِ السِّياسِيّ، وانْكِماشَ هامِشِ السِّيادَة، وَتَحَوُّلَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ إلى فَضاءاتٍ لِلاسْتِهْلاكِ أَوْ ساحاتٍ لِتَقاطُعِ النُّفوذِ في صِراعاتٍ تُدارُ خارِجَها، مِنْ دونِ امْتِلاكِ أَدَواتِ التّأْثيرِ في مَساراتِها أَوِ القُدْرَةِ على تَوْجيهِ مَآلاتِها.
(خاص "عروبة 22")

