يُمْكِنُ القَوْلُ مِنْ دونِ أَدْنى مُبالَغَةٍ إِنَّ الاتِّفاقَ لَمْ يُنَفَّذْ أصْلًا، أَوْ إِذَا شِئْنا المَوْضوعِيَّةَ المُطْلَقَةَ فَإِنَّ تَنْفيذَهُ لَمْ يَكْتَمِل، وَهَذَا الحُكْمُ يَنْطَبِقُ على المَرْحَلَةِ الأولى التي تَمَّ تَجاوُزُها بِادِّعاءِ البَدْءِ في الثّانِيَة، فَوَقْفُ إِطْلاقِ النّارِ لَمْ يَتَحَقَّقْ إِلّا مِنْ قِبَلِ المُقاوَمَةِ وَكُلُّ ما حَدَثَ هُوَ تَخْفيضُ مُسْتَوى العُنْفِ مِنْ دونِ تَغْييرِ طَبيعَتِه، إِذِ اسْتَمَرَّتْ إِسْرائيلُ في القَتْلِ بِحُجَجٍ واهِيَةٍ لا يوجَدُ أَدْنى دَليلٍ عَلَيْها، وَمَفادُها وُجودُ تَهْديداتٍ مِنَ المُقاوَمَة.
غياب أدنى إشارة إلى أي انسحاب للقوات الإسرائيلية في مقابل التركيز المطلق على نزع سلاح المقاومة
كَما اسْتَأْنَفَتِ إسرائيلُ النَّسْفَ وَالتَّدْمير، وَبِالذّاتِ في المَناطِقِ التي تَحْتَلُّها، وَأَزاحَتْ قُوّاتُها ما يُسَمّى بِالخَطِّ الأَصْفَرِ إلى الخَلْف، بِحَيْثُ زادَتِ المَساحَةُ التي تُسَيْطِرُ عَلَيْها مِنْ %53 مِنْ مَساحَةِ غَزَّة إلى %60 تَقْريبًا، وَلَمْ تَلْتَزِمْ بِمَعاييرِ إِدْخالِ المُساعَداتِ كمًّا وكَيْفًا، وَالأَخْطَرُ أَنَّها رَبَطَتْ فَتْحَ مَعْبَرِ رَفَحَ بِالعُثورِ على آخِرِ جُثَّةٍ لِأَسْراها، وَكانَ واردًا أَلّا يَتِمَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الدَّمارِ المُرَوِّعِ الذي أَحْدَثَتْهُ عَمَلِياتُ القَصْفِ الإِسْرائيلِيَّةِ المُمَنْهَجَة، فَلَمّا بَطَلَتِ الحُجَّةُ بِالعُثورِ على الجُثْمانِ اضْطُرَّتْ إِسْرائيلُ لِفَتْحِ المَعْبَر. وَتَخَيَّلَ نِتِنْياهُو أَنَّ بِمَقْدورِهِ أَنْ يَفْتَحَهُ في اتِّجاهِ الخُروجِ مِنْ غَزَّة فَقَط، لَكِنَّ مِصْرَ تَصَدَّتْ لَهُ فَأُجْبِرَ على أَنْ يَفْتَحَهُ في الاتِّجاهَيْن، لَكِنَّهُ كَالْعادَةِ أَصَرَّ على أَنْ يَبْدُوَ صاحِبَ اليَدِ العُلْيا، فَقَلَّلَ كثيرًا مِنْ أَعْدادِ العائِدين، وَمارَسَتْ قُوّاتُهُ تُجاهَهُمْ أَبْشَعَ مُمارَساتِ التَّفْتيشِ وَالتَّحْقيق، وَلَعَلَّهُ يَأْمَلُ أَنْ تُؤَدِّيَ إلى تَرْهيبِ الفِلَسْطينِيّينَ وَإِجْهاضِ حُلْمِهِمْ بِالْعَوْدَة. لَكِنَّهُ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ العُقودِ لا يَفْهَمُ طَبيعَةَ هَذَا الشَّعْبِ المُتَمَسِّكِ بِأَرْضِهِ بِإِصْرارٍ لا يَلين، بَعْدَ أَنْ لَدَغَتْهُ العَقارِبُ الصُّهْيونِيَّةُ مَرَّةً في 1948، فَوَعى الدَّرْسَ تَمامًا وَتَحَمَّلَ ما لا يُطيقُهُ بَشَرٌ مِنْ أَجْلِ التَّمَسُّكِ بِأَرْضِه.
وَيُلاحَظُ أَخيرًا مُنْذُ بَدَأَ الحَديثُ عَنِ المَرْحَلَةِ الثّانِيَةِ غِيابُ أَدْنى إِشارَةٍ إلى أَيِّ انْسِحابٍ لِلقُوّاتِ الإِسْرائيلِيَّةِ في مُقابِلِ التَّرْكيزِ المُطْلَقِ على نَزْعِ سِلاحِ المُقاوَمَةِ طَوْعًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَسْلِمْ لِذَلِكَ سَوْفَ يَتِمُّ النَّزْعُ قَسْرًا لا بِتَهْديداتٍ إِسْرائيلِيَّةٍ فَحَسْبُ وَإِنَّما أَميرْكِيَّةٍ كَذَلِك.
حرص نتنياهو على استمرار القتل والتدمير وعلى أن ترتبط عودة الفلسطينيين إلى غزة بأقصى المحاولات لإذلالهم
وَقَدْ تَعَمَّدْتُ ذِكْرَ هَذِهِ التَّفاصيلِ لاسْتِخْلاصِ الدُّروسِ مِنْها، وَأَهَمُّها أَنَّهُ على الرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ تَوازُنِ قَرارِ مَجْلِسِ الأَمْنِ رَقْمِ 2803 فَإِنَّ تَنْفيذَهُ كَذَلِكَ قَدِ اتَّسَمَ حَتّى الآنَ بِعَدَمِ التَّوازُن، فَوَقْفُ إِطْلاقِ النّارِ وَتَدَفُّقُ المُساعَداتِ اللَّذانِ كانا المُبَرِّرَ الأَساسِيَّ لِقَبولِ الفِلَسْطينِيّينَ وَالعَرَبِ لِلقَرارِ لَمْ يَتَحَقَّقا كَما سَبَقَتِ الإِشارَة. وَفَتْحُ مَعْبَرِ رَفَحَ الذي لَمْ يَتِمَّ إِلّا بِشَقِّ الأَنْفُسِ ارْتَبَطَ بِشُروطٍ وَمُمارَساتٍ إِسْرائيلِيَّةٍ مُهينَةٍ لِلفِلَسْطينِيّينَ وَصَلَتْ إلى حَدِّ الضَّغْطِ على بَعْضِهِمْ لِتَجْنيدِهِمْ كعُمَلاءِ لِلِاحْتِلال، وَالدَّلالَةُ الواضِحَةُ مِنْ سُلوكِ إِسْرائيلَ أَنَّ نِتِنْياهو يَعْلَمُ جَيِّدًا أَنَّ القَرارَ 2803 على الرَّغْمِ مِنِ انْحِيازِهِ الواضِحِ لإِسْرائيلَ لا يُحَقِّقُ لَهُ النَّصْرَ المُطْلَقَ الذي ادَّعى أَنَّهُ حَقَّقَه، وَيَكْفي أَنَّ القَرارَ قَدْ قَوَّضَ احْتِكارَ إِسْرائيلَ لِمَلَفِّ غَزَّة، وَلِذَلِكَ فَهُوَ يُريدُ أَلّا تَشوبَ عَمَلِيَّةَ تَنْفيذِهِ شائِبَةٌ يُفْهَمُ مِنْها أَنَّ نَصْرَ إِسْرائيلَ المُطْلَقَ لَمْ يَتَحَقَّق، فَحَرَصَ كَما سَبَقَتِ الإِشارَةُ على اسْتِمْرارِ القَتْلِ وَالتَّدْمير، وَعلى أَنْ تَرْتَبِطَ عَوْدَةُ الفِلَسْطينِيّينَ إلى غَزَّةَ بَعْدَ أَنْ أُجْبِرَ على فَتْحِ مَعْبَرِ رَفَحَ في الاتِّجاهَيْنِ بِأَقْصى المُحاوَلاتِ لإِذْلالِهِم.
تنفيذ الاتفاق سيكون مُتحيّزًا لإسرائيل إن اكتمل
المُشْكِلَةُ أَنَّ "صانِعَ السّلامِ" الأَميرْكِيَّ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فَرْضِ وِجْهَةِ نَظَرِهِ على إِسْرائيلَ في أَيِّ خِلافٍ نَشَأَ بَيْنَهُما، كَما حَدَثَ بِالنِّسْبَةِ لِلمُقْتَرَحِ الأَميرْكِيِّ الخاصِّ بِخُروجِ مُقاتِلي المُقاوَمَةِ بِأَمانٍ مِنْ أَنْفاقِ رَفَحَ شَرْطَ تَسْليمِ أَسْلِحَتِهِم، فَقَدْ فَرَضَ نِتِنْياهو رُؤْيَتَهُ بِأَنَّ الخِيارَ الوَحيدَ أَمامَهُمْ هُوَ الاسْتِسْلامُ أَوِ المَوْتُ في الأَنْفاق، هَذا إِذا اسْتَبْعَدْنا شُبْهَةَ التَّواطُؤِ وَلَوْ في بَعْضِ الحالات.
الخُلاصَةُ الواضِحَةُ لِخِبْرَةِ 4 شُهورٍ مِنْ تَنْفيذِ اتِّفاقِ غَزَّةَ أَنَّ هَذا التَّنْفيذَ سَيَكونُ مُعيبًا مُتَحَيِّزًا لإِسْرائيلَ إِنِ اكْتَمَل، ذَلِكَ أَنَّ ثَمَّةَ مُؤَشِّراتٍ قَوِيَّةً على أَنَّها سَوْفَ تَفْعَلُ المُسْتَحيلَ لِفَرْضِ شُروطٍ تَعْجيزِيَّةٍ على المُقاوَمَة، بِحَيْثُ تَتَذَرَّعُ بِعَدَمِ قَبولِها هَذِهِ الشُّروط، وَتَنْقَضُّ على الاتِّفاقِ بِالْكامِل، خاصَّةً إِذَا تَأَكَّدَتْ مِنْ أَنَّ جاهِزِيَّةَ المُقاوَمَةِ لَمْ تَعُدْ تُمَكِّنُها مِنْ تَكْرارِ أَدائِها في السَّنَتَيْنِ الأولَيَيْنِ مِنَ المُواجَهَة، وَهِيَ خُلاصَةٌ يَجِبُ أَنْ نَتَحَسَّبَ لَها تَمامًا، لِأَنَّ مَعْناها لا قَدَّرَ اللهُ أَنَّ الثَّمَرَةَ التي سَيَجْنيها الشَّعْبُ الفِلَسْطينِيُّ مِنَ التَّضْحِياتِ الهائِلَةِ التي قَدَّمَها هُوَ وَمُقاوَمَتُهُ لَنْ تَكونَ مُتَناسِبَةً بِحالٍ مَعَ هَذِهِ التَّضْحِيات!.
(خاص "عروبة 22")

