مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ مائَتَيْ عامٍ أَصْبَحَ التّاريخُ عِلْمًا، وَلا شَكَّ في أَنَّ العَرَبَ في العَصْرِ الكْلاسيكِيِّ كانوا قَدْ أَخْرَجوا التّاريخَ مِنَ الأُسْطورَةِ وَالخُرافات، وَذلِكَ بِفَضْلِ عِلْمِ الحَديثِ بِحَيْثُ إِنَّ كُلَّ خَبَرٍ لا بُدَّ مِنْ إِسْنادِهِ إِلى مَصْدَرٍ مَوْثوق. وَهكَذا نَجِدُ أَنَّ كُتُبَ المُؤَرِّخينَ الكِبارِ مِثْلَ الطَّبَرِيِّ وَالمَسْعودِيِّ وَابْنِ خَلْدونَ إِنَّما أَوْرَدوا الأَخْبارَ بِإِسْنادِها إِلى مَصادِرِها.
لَمْ يَمْنَعْ ذلِكَ مِنْ إيرادِ مُعْطَياتٍ وَرِواياتٍ غَيْرِ مُدَقَّقَةٍ خُصوصًا الخاضِعَةَ لِلأَهْواءِ وَالتَّحَيُّزاتِ السِّياسِيَّة، وَكَذلِكَ حينَ يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِالشُّعوبِ الأُخْرى، فَنَجِدُ في كُتُبِ البُلْدان، مِثْلَ تَقْويمِ البُلْدانِ لِأَبي الفِداء، وَمُعْجَمِ البُلْدانِ لِياقوتَ الحَمَوِيِّ وَالمَسالِكِ وَالمَمالِكِ لِابْنِ خرْداذبَة، مُعْطَياتٍ غَيْرَ مُدَقَّقَةٍ مَأْخوذَةً عَنْ مَصادِرَ يونانِيَّةٍ تُقَسِّمُ العالَمَ إلى سَبْعَةِ أَقاليم.
الباحثون في محيطنا الإسلامي استخدموا الأبحاث العلمية من أجل التأكيد على الهويات القومية والحضارية
وَمُنْذُ ما يَزيدُ عَلى مائَتَيْ سَنَةٍ أَصْبَحَ التّاريخُ خاضِعًا لِمَناهِجِ البَحْثِ العِلْمِيِّ وَالنَّقْدِيّ، وَقَدِ اتَّسَعَ ذلِكَ بَعْدَ الاكْتِشافاتِ الأَثَرِيَّة، وَمِثالٌ عَلى ذلِكَ الاكْتِشافاتُ في مِصْرَ الفِرْعَوْنِيَّةِ وَالعِراقِ البابِلِيِّ وَلُبْنانَ الفينيقِيِّ إِلخ... التي كانَتْ تَمْلَأُ فَراغَ المُعْطَياتِ وَالمَعْلومات. فَأَصْبَحَ لَدَيْنا سَرْدِيَّةٌ تَنْمو مَعَ البَحْثِ وَالاكْتِشافِ وَالتَّمْحيصِ حَوْلَ تاريخِ مِصْرَ القَديمَةِ وَبِلادِ الرّافِدَيْنِ فَضْلًا عَنِ التّاريخِ الرّومانِيِّ وَاليونانِيّ.
وَبِقَدْرِ ما كانَ هَدَفُ عِلْمِ التّاريخ، إِزالَةَ ما هُوَ مُتَخَيَّل، فَإِنَّ الباحِثينَ في مُحيطِنا الإِسْلامِيِّ الذي نَعيشُ فيهِ اسْتَخْدَموا الأَبْحاثَ العِلْمِيَّةَ مِنْ أَجْلِ التَّأْكيدِ عَلى الهُوِيّاتِ القَوْمِيَّةِ وَالحَضارِيَّة، وَهكَذا اسْتُعيدَتْ أَمْجادُ العَرَبِ وَالفُرْسِ وَالأَتْراكِ وَمِصْرَ الفِرْعَوْنِيَّةِ وَلُبْنانَ الفينيقِيِّ لِتَأْكيدِ هُوِيّاتٍ مُعاصِرَةٍ وَإيجادِ جُذورٍ تاريخِيَّةٍ لَها. وَمِثالٌ صَريحٌ عَلى ذلِك، النَّزْعَةُ الفِرْعَوْنِيَّةُ التي تَعْلو وَتَهْبِطُ حَسَبَ الظُّروفِ السِّياسِيَّة، عِلمًا أَنَّ أَحَدًا مِنَ المِصْرِيّينَ لَمْ يَكُنْ يَدَّعي قَبْلَ اكْتِشافِ حَجَرِ رَشيدٍ وَفَكِّ رُموزِهِ عامَ 1822، بَل قَبْلَ اكْتِشافِ مَقْبِرَةِ توتَ عَنْخَ آمونَ عامَ 1922، أَنَّهُ فِرْعَوْنِيّ. فَنَجِدُ العَديدَ مِنَ الكُتّابِ المِصْرِيّينَ الذينَ أَذْهَلَتْهُمْ هذِهِ الاكْتِشافاتُ التي اعْتَقَدوا أَنَّها إِثْباتٌ لِأَصالَةِ الهُوِيَّةِ المِصْرِيَّةِ وَجُذورِها الضّارِبَةِ في التّاريخ، مَعَ إِغْفالِ كُلِّ ما طَرَأَ عَلى مِصْرَ مِنْ دِياناتٍ وَسُلالاتٍ وَأَنْظِمَةٍ وَثَقافاتٍ مُتَعاقِبَة.
التاريخ يُستخدم لتوريثنا حروبًا لا تنتهي
وَقَدْ رَأَيْنا ظاهِرَةً مُماثِلَةً مَعَ الاكْتِشافاتِ الفينيقِيَّةِ التي اسْتُخْدِمَتْ لِتَعْزيزِ فَرادَةِ لُبْنانَ في مُحيطِهِ وَإِعْطائِهِ هُوِيَّةً خاصَّةً بِه. وَفي عامِ 1971، أَقامَ شاهُ إيرانَ احْتِفالًا بِمُناسَبَةِ مُرورِ 2500 عامٍ عَلى تَأْسيسِ الإِمْبَراطورِيَّةِ الفارِسِيَّة، في مَدينَةِ بِرْسيبوليس عاصِمَةِ الإِمْبَراطورِيَّةِ الأَخْمينِيَّة. عِلْمًا أَنَّ رِضا بَهْلَوي مِنْ أُصولٍ كُرْدِيَّة.
هذَا الِاسْتِخْدامُ لِمُعْطَياتٍ تاريخِيَّةٍ مِنْ أَجْلِ تَعْزيزِ وِجْهَةٍ ما، إِنَّما يُسْتَخْدَمُ ضِدَّ إيدْيولوجِيَّةٍ أَوْ واقِعٍ قائِمٍ أَوِ افْتِراضِيّ. فَالتَّأْكيدُ عَلى هُوِيَّةِ مِصْرَ الفِرْعَوْنِيَّةِ جاءَ في فَتْرَةِ الانْفِصالِ عَنِ الدَّوْلَةِ العُثْمانِيَّةِ التي كانَتْ لا تَزالُ لَها الوِصايَةُ عَلى مِصْرَ حَتّى نِهايَةِ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَرَ وَبِدايَةِ القَرْنِ العِشْرين، وَتَأْكيدِ مِصْرِيَّةِ مِصْرَ في وَجْهِ الدَّعْوَةِ العَرَبِيَّة، وَاصْطِناعِ هُوِيَّةٍ فينيقِيَّةٍ في وَجْهِ الدَّعْوَةِ السّورِيَّةِ وَالدَّعْوَةِ العَرَبِيَّة. وَلَمْ يَحْتَفِلْ شاهُ إيرانَ بِالدَّوْلَةِ الأَخْمينِيَّةِ الفارِسِيَّةِ إِلَّا في مُواجَهَةِ تَيّارٍ إِسْلامِيٍّ مُتَشَدِّد. وَاليَوْمَ نَجِدُ في شَمالِ أَفْريقْيا اصْطِناعَ هُوِيَّةٍ أَمازيغِيَّةٍ لِنَفْيِ عُروبَةِ المَغْرِب.
الهوية الثقافية خاضعة للنمو والتطور وإلا أصبحت عنوانًا للانغلاق والتأخر
عادَةً ما يَكونُ التّاريخُ مادَّةً لِلتَّلاعُب. فَبَعْدَ أَنْ عَمِلَ مُصْطَفى كَمال أَتاتورْك عَلى إِبْرازِ هُوِيَّةٍ تُرْكِيَّةٍ وَنَفْيِ التّاريخِ العُثْمانِيِّ الطَّوِيل، نَجِدُ أَنَّ حِزْبَ العَدالَةِ وَالتَّنْمِيَةِ جَهِدَ مُنْذُ وُصولِهِ إِلى السُّلْطَةِ لِتَأْكيدِ هُوِيَّةِ تُرْكْيا الإِسْلامِيَّة. وَقَبْلَ ذلِكَ فَإِنَّ الجُمْهورِيَّةَ الإِسْلامِيَّةَ في إيرانَ أَرادَتْ أَنْ تَدْمِجَ القَوْمِيَّةَ الفارِسِيَّةَ بِالإِسْلامِ الشّيعِيّ، وَمُؤَخَّرًا بَدَأْنا نَسْمَعُ تَمْجيدًا لِلدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ في سورْيا.
كُلُّ ذلِكَ لَيْسَ سِوى تعْبيرٍ عَنْ إِخْفاقاتِ بِناءِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ عَلى أُسُسِ المُواطَنَةِ وَالتَّنْمِيَة، وَالحُقوقِ المُتَساوِيَة، وَبَدَلَ أَنْ يَكونَ عِلْمُ التّاريخِ أَساسًا لِتَحْريرِ الحاضِرِ مِنَ الماضي، فَإِنَّهُ يُسْتَخْدَمُ لِتَأْكيدِ أَوْهامٍ وَتَوْريثِنا حُروبًا لا تَنْتَهي.
فَلنَنْظُرْ إِلى واقِعِنا الذي هُوَ تَراكُمٌ اسْتَقَرَّ خِلالَ أَلْفِ عامٍ عَلى الثَّقافَةِ وَاللُّغَةِ العَرَبِيَّتَيْن. فَما يَجْمَعُنا هُوَ ثَقافَةٌ مُنَوَّعَةٌ لا تُنْكِرُ التَّفاعُلَ خِلالَ الزَّمَنِ مَعَ الثَّقافاتِ الأُخْرى. وَلا تَحْجُبُ عَنّا الواقِعَ الذي نَعيشُهُ وَلا تَمْنَعُنا مِنَ التَّطَلُّعِ إِلى المُسْتَقْبَل. فالهُوِيَّةُ الثَّقافِيَّةُ خاضِعَةٌ لِلنُّمُوِّ وَالتَّطَوُّرِ وَالتَّغَيُّر، وَإِلَّا أَصْبَحَتْ عُنْوانًا لِلِانْغِلاقِ وَالتَّأَخُّر.
(خاص "عروبة 22")

