مُنْذُ تَوْقيعِ مُذَكَّرَةِ التَّفاهُمِ بَيْنَ إِثْيوبْيا وَكِيانِ أَرْضِ الصّومالِ في مَطْلَعِ عامِ 2024، دَخَلَتِ الأَزْمَةُ مَرْحَلَةً جَديدَة. فَقَدِ اعْتَبَرَتِ الحُكومَةُ الفيدْرالِيَّةُ في الصّومالِ الاتِّفاقَ انْتِهاكًا مُباشِرًا لِوَحْدَةِ أَراضيها وَسِيادَتِها، بَيْنَما دافَعَتْ أَديس أَبابا عَنْ حَقِّها في البَحْثِ عَنْ مَنْفَذٍ بَحْرِيٍّ يُخَفِّفُ اعْتِمادَها الكامِلَ على ميناءِ جيبوتي. غَيْرَ أَنَّ المَسْأَلَةَ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ تَرْتيباتٍ لوجيستِيَّة، بَل تَحَوَّلَتْ إلى اخْتِبارٍ لِمُعادَلاتِ الرَّدْعِ الإِقْليمِيّ، وَلِقُدْرَةِ العَرَبِ على مَنْعِ انْزِلاقِ القَرْنِ الأَفْريقِيِّ إلى ساحَةِ تَنافُسٍ مَفْتوحٍ بَيْنَ مَشارِيعَ جِيوسِياسِيَّةٍ مُتَعارِضَة.
داخِلِيًّا تَتَعامَلُ النُّخَبُ الصّومالِيَّةُ مَعَ هَذِهِ التَّطَوُّراتِ بِوَصْفِها لَحْظَةً مِفْصَلِيَّة، تَذْهَبُ إلى أَنَّ أَيَّ قَبولٍ ضِمْنِيٍّ بِإِعادَةِ تَعْريفِ الوَضْعِ القانونِيِّ لأَرْضِ الصّومالِ عَبْرَ اتِّفاقٍ ثُنائِيٍّ مَعَ إِثْيوبْيا سَيَخْلُقُ سابِقَةً تُهَدِّدُ وَحْدَةَ الدَّوْلَةِ الْفيدْرالِيَّةِ بِرُمَّتِها. وَيَذْهَبُ بَعْضُ هَذِهِ التَّقْديراتِ إلى أَنَّ أَديس أَبابا لا تَسْعى فَقَطْ إلى مَنْفَذٍ بَحْرِيٍّ، بَل إلى مَوْطِئِ قَدَمٍ عَسْكَرِيٍّ - أَمْنِيٍّ يُتيحُ لَها إِعادَةَ هَنْدَسَةِ التَّوازُناتِ في خَليجِ عَدَنَ وَالبَحْرِ الأَحْمَر.
قدرة الصومال على الصمود بمفرده تبقى محدودة
أَمّا دَوْلِيًّا فَيَتِمُّ النَّظَرُ إلى الأَزْمَةِ بِوَصْفِها انْعِكاسًا لِصُعودِ القَوْمِيَّةِ الجُغْرافِيَّةِ في إِثْيوبْيا، أَيّ تَوْظيفِ مَسْأَلَةِ المَنْفَذِ البَحْرِيِّ لِتَعْزيزِ الشَّرْعِيَّةِ الدّاخِلِيَّةِ في ظِلِّ تَحَدِّياتٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَأَمْنِيَّةٍ مُتَفاقِمَة. وَتُشيرُ التَّقْديراتُ إلى أَنَّ حُكومَةَ آبي أَحْمَد تَسْتَخْدِمُ خِطابَ الحَقِّ التّاريخِيِّ في البَحْرِ كَأَداةِ تَعْبِئَةٍ داخِلِيَّة، لَكِنَّها في الوَقْتِ ذاتِهِ تُراهِنُ على أَنَّ المُجْتَمَعَ الدَّوْلِيَّ لَنْ يَذْهَبَ بَعيدًا في مُعارَضَةِ تَرْتيباتٍ تُقَدَّمُ بِوَصْفِها اقْتِصادِيَّةً وَتَنْمَوِيَّة.
لَكِنَّ السُّؤالَ الجَوْهَرِيَّ هُنا لا يَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِتَشْخيصِ النَّوايا الإِثْيوبِيَّة، بَل بِكَيْفِيَّةِ اسْتِجابَةِ الصّومال، وَبِالدَّوْرِ الذي يُمْكِنُ أَنْ يَلعَبَهُ العَرَبُ في هَذِهِ اللَّحْظَةِ الحَرِجَة.
الصّومال، على الرَّغْمِ مِنْ هَشاشَتِهِ المُؤَسَّسِيَّة، لَمْ يَقِفْ مَكْتوفَ الأَيْدي. فَقَدْ تَحَرَّكَتِ الدّيبْلوماسِيَّةُ الصّومالِيَّةُ بِسُرْعَةٍ لِحَشْدِ دَعْمٍ إِقْليمِيٍّ وَدَوْلِيٍّ لِمَوْقِفِها، مُؤَكِّدَةً أَنَّ أَيَّ تَرْتيباتٍ بَحْرِيَّةٍ يَجِبُ أَنْ تَمُرَّ عَبْرَ الحُكومَةِ الفيدْرالِيَّةِ المُعْتَرَفِ بِها دَوْلِيًّا. كَما سَعَتْ مُقْديشو إلى تَعْزيزِ شَراكاتِها الأَمْنِيَّةِ مَعَ أَطْرافٍ عَرَبِيَّة، في مُحاوَلَةٍ لِبِناءِ شَبَكَةِ رَدْعٍ سِياسِيٍّ وَأَمْنِيٍّ تَحولُ دونَ فَرْضِ أَمْرٍ واقِع.
غَيْرَ أَنَّ قُدْرَةَ الصّومالِ على الصُّمودِ بِمُفْرَدِهِ تَبْقى مَحْدودَة. فالاقْتِصادُ لا يَزالُ هَشًّا، وَالجَيْشُ في طَوْرِ إِعادَةِ البِناء، وَالتَّهْديداتُ الدّاخِلِيَّةُ مِنْ "حَرَكَةِ الشَّباب" لَمْ تَخْتَفِ بِالكامِل. وَهُنا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ الدَّوْرِ العَرَبِيّ، لَيْسَ بِوَصْفِهِ خِيارًا تَضامُنِيًّا فَحَسْب، بَل بِاعْتِبارِهِ ضَرورَةً اسْتْراتيجِيَّةً لِحِمايَةِ المَجالِ الحَيَوِيِّ العَرَبِيِّ في البَحْرِ الأَحْمَر.
في هَذا السِّياق، المطلوبُ أنْ يَكونَ الدَّعْمُ العَرَبِيُّ على أَرْبَعَةِ مُسْتَوَياتٍ مُتَرابِطَة:
أَوَّلًا، المُسْتَوى السِّياسِيُّ وَالدّيبْلوماسِيّ: تَحْتاجُ مُقْديشو إلى مِظَلَّةٍ عَرَبِيَّةٍ واضِحَةٍ تُؤَكِّدُ على وَحْدَةِ أَراضيها وَتَرْفُضُ أَيَّ تَرْتيباتٍ أُحادِيَّةِ الجانِبِ تَمَسُّ سِيادَتَها. يُمْكِنُ لِجامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ أَنْ تَلْعَبَ دَوْرًا أَكْثَرَ فاعِلِيَّةً عَبْرَ التَّنْسيقِ مَعَ الاتِّحادِ الأَفْريقِيِّ لِضَمانِ أَنْ يَتِمَّ أَيُّ نِقاشٍ حَوْلَ حُقوقِ الدُّوَلِ الحَبيسَةِ في إِطارٍ يَحْتَرِمُ سِيادَةَ الدُّوَلِ السّاحِلِيَّة.
الحل العربي ليس إقصاءً لإثيوبيا بل إعادة تأطير لطموحاتها ضمن ترتيبات قانونية وتوافقية
ثَانِيًا، المُسْتَوى الاِقْتِصادِيّ: أَحَدُ دَوافِعِ إِثْيوبْيا الأَساسِيَّةِ هُوَ البَحْثُ عَنْ مَنْفَذٍ يُتيحُ لَها تَقْليلَ تَكاليفِ النَّقْلِ وَتَعْزيزَ صادِراتِها. وَيُمْكِنُ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ المُطِلَّةِ على البَحْرِ الأَحْمَر، بِالتَّنْسيقِ مَعَ الصّومال، تَطْويرَ مَوَانِئَ صومالِيَّةٍ مِثْلَ بَرْبَرَةَ وَمُقْديشو وَكيسْمايو، بِحَيْثُ تَتَحَوَّلُ إلى مَراكِزَ لوجيسْتِيَّةٍ إِقْليمِيَّةٍ تَسْتَفيدُ مِنْها إِثْيوبْيا عَبْرَ اتِّفاقاتٍ ثُلاثِيَّةٍ تَحْتَرِمُ السِّيادَةَ الصّومالِيَّة. بِهَذا المَعْنى، يُصْبِحُ الحَلُّ العَرَبِيُّ لَيْسَ إِقْصاءً لإِثْيوبْيا، بَل إِعادَةَ تَأْطيرٍ لِطُموحاتِها ضِمْنَ تَرْتيباتٍ قانونيةٍ وَتَوافُقِيَّة.
ثَالِثًا، المُسْتَوى الأَمْنِيّ: يَتَطَلَّبُ اسْتِقْرارُ الصّومالِ دَعْمًا مُسْتَدامًا لإِعادَةِ بِناءِ قُوّاتِهِ المُسَلَّحَةِ وَخَفْرِ سَواحِلِه. فالسِّيادَةُ البَحْرِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نُصوصٍ قانونية، بَل هي قُدْرَةٌ فِعْلِيَّةٌ على مُراقَبَةِ المِياهِ الإِقْليمِيَّةِ وَمَنْعِ أَيِّ وُجودٍ عَسْكَرِيٍّ غَيْرِ مُتَّفَقٍ عَلَيْه. وَيُمْكِنُ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّة، خاصَّةً تِلْكَ التي تَمْتَلِكُ خِبْراتٍ بَحْرِيَّةً مُتَقَدِّمَة، أَنْ تُسْهِمَ في بَرامِجِ تَدْريبٍ وَتَجْهيزٍ تُعَزِّزُ قُدْرَةَ الصّومالِ على حِمايَةِ سَواحِلِه.
رابِعًا، المُسْتَوى التَّنْمَوِيُّ - المُجْتَمَعِيّ: المَطْلوبُ اسْتِثْماراتٌ عَرَبِيَّةٌ في البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ وَالتَّعْليمِ وَالطّاقَة.
وَهَكَذا فَإِنَّ دَعْمَ الصّومالِ لا يَعْني بِالضَّرورَةِ مُعاداةَ إِثْيوبْيا، بَل يُمْكِنُ أَنْ يُشَكِّلَ رافِعَةً لإِعادَةِ دَمْجِ أَديس أَبابا في تَرْتيباتٍ إِقْليمِيَّةٍ أَكْثَرَ تَوازُنًا. فَإِثْيوبْيا، بِحَجْمِها الدّيموغْرافِيِّ وَالاقْتِصادِيّ، سَتَظَلُّ لاعِبًا رَئِيسِيًّا في القَرْنِ الأَفْريقِيّ. لَكِنَّ طُموحاتِها البَحْرِيَّةَ يَجِبُ أَنْ تُدارَ عَبْرَ أَدَواتِ القانونِ الدَّوْلِيِّ وَالتَّوافُقِ الإِقْليمِيّ، لا عَبْرَ اتِّفاقاتٍ أُحادِيَّةٍ تُضْعِفُ دَوْلَةً هَشَّة...
إذا لم يتحرّك العرب فقد يجدون أنفسهم أمام واقع جديد يُعيد تعريف القرن الأفريقي والبحر الأحمر كمنطقة تهديد مُزمن
إِذا تُرِكَتِ الطُّموحَاتُ الإِثْيوبِيَّةُ مِنْ دونِ إِطارٍ قانوني وَتَوافُقِيّ، وَإِذا تُرِكَ الصّومالُ مِنْ دونِ دَعْمٍ عَرَبِيٍّ حاسِم، فَإِنَّ القَرْنَ الأَفْريقِيَّ قَدْ يَتَحَوَّلُ إلى مَسْرَحٍ لِتَنافُسٍ مَفْتوحٍ بَيْنَ قُوًى إِقْليمِيَّةٍ وَدَوْلِيَّة، بِما يَحْمِلُهُ ذَلِكَ مِنْ مَخاطِرِ عَسْكَرَةٍ إِضافِيَّةٍ لِلمَوانِئِ وَالسَّواحِل. وَفي ظِلِّ هَشاشَةِ سَلاسِلِ الإِمْدادِ العالَمِيَّة، سَيَكونُ الثَّمَنُ أَعْلى بِكَثيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ نِزاعٍ حُدودِيّ...
إَنَّ المَنْفَذَ البَحْرِيَّ الإِثْيوبِيَّ لا يَتَعَلَّقُ بِمَنْفَذٍ بَحْرِيٍّ لِدَوْلَةٍ حَبيسَة، بَل بِمُسْتَقْبَلِ تَوازُناتٍ إِقْليمِيَّةٍ دَقيقَة، وَبِسَلامَةِ مَمَرّاتٍ مائِيَّةٍ تُشَكِّلُ شِرْيانَ الاقْتِصادِ العالَمِيّ. وَإِذا لَمْ يَتَحَرَّكِ العَرَبُ لِدَعْمِ الصّومالِ في هَذِهِ اللَّحْظَةِ الفارِقَة، فَقَدْ يَجِدونَ أَنْفُسَهُمْ أَمامَ واقِعٍ جَديدٍ يُعيدُ تَعْريفَ القَرْنِ الأَفْريقِيِّ وَالبَحْرِ الأَحْمَرِ كَمِنْطَقَةِ تَهْديدٍ مُزْمِن، لا كَساحَةِ تَعاوُنٍ وَاسْتِقْرار.
(خاص "عروبة 22")

