لِلأَسْبـابِ هَـذِه، ظَـلَّ يَـسَـعُ كُـلَّ مُـدافِـعٍ عَـنْ نِـظـامِ الدّيـموقْـراطِيَّـةِ التَّـمْـثـيليَّـةِ السّـائِـدِ فِي قِـسْـمٍ مِـنَ العـالَـمِ أَنْ يَـعْـثُـرَ فِي دِفـاعِـهِ عَـنْـهُ عَمَّـا يُـسَـوِّغُ تَـأْيـيـدَهُ أَوْ مُشايَـعَـتَـهُ وَالانْتِـصـارَ لَـهُ مِـنْ بَـيِّــنـاتٍ عَلى ذَلِكَ وَشَـواهِـد؛ وَمَـا تِـلْكَ العَـلامـاتُ الَّتي أَشَـرْنـا إِلَيْـهـا أَعْـلاهُ سِـوى نَـموذَجٍ لِـمـا يَمْـلِـكُ المُـدافِـعُ ذاكَ أَنْ يَـحْـتَـجَّ بِـهِ لإِثْـبـاتِ دَعْـواه.
في المُقـابِـل، ظَـلَّ يَـتَـعَـسَّـرُ عَلى كُـلِّ صاحِـبِ رَأْيٍ نَـقْـدِيٍّ فِي هَـذا النِّـظـامِ وَفِي أَساطيرِهِ السِّـياسِيَّـةِ أَنْ يَـجْـتَـرِئَ عَلى الطَّـعْـنِ عَلَيْـهِ أَوْ عَلى نَـقْـدِهِ مَـعَ تَـوَاتُـرِ تَـدَفُّـقِ تِلْكَ العَـلامـاتِ السِّـياسِيَّـةِ فيـه. وَالحَـقُّ أَنَّ انْـتِـظـامَ هـاتيكَ العَـلامـاتِ فـيـهِ - وَعَلى مـا يوحي بِـهِ ذاكَ الانْـتِـظـامُ مِـنِ اسْتِقـامَـةٍ فِي النِّـظـامِ وَاسْـتِـقْـرارٍ فـيـهِ - لَا يَـكْـفي دَليلًا عَلى قُـوَّتِـهِ في مُجْتَـمَـعـاتِـه، بَـلْ وَلَيْسَ يُـعْـتَـدُّ بِـهِ مِـعْـيـارًا لِوَزْنِ ثِـقْـلِـه؛ فَـرُبَّ عَـلامـاتٍ تَـكـون، في حَقيقَـةِ أَمْـرِهـا، إِلى القُـشـورِ وَالطِّـلاءِ أَقْـرَب، بِحَيْـثُ تُـخْـفي وَراءَهـا تَـآكُـلَ المَبْـنـى وَهَشـاشَـةَ الأَسـاسـات: وَنَـحْـنُ إِلى هَـذا الافْـتِـراضِ أَمْـيَـلُ في النَّـظَـرِ إِلى هَـذِهِ العَـلامـاتِ السِّـياسِيَّـةِ المُـرادِ تَـلْمـيـعُـهـا وَتَـفْـخيمُـهـا.
ما الذي يبقى من قيمة لعملية التداول السياسي على السلطة إن كان يدور في نطاق مساحة اجتماعية طبقيّة ضيِّقة
يَـتَـعَـلَّـقُ الأَمْـرُ فـي هَـذِهِ العَـلامـاتِ بِطُـقـوسٍ خـارِجِـيَّـةٍ وَآلِـيّـاتٍ لِلدّيـموقْـراطِيَّـةِ وَلَيْسَ بِالدّيـموقْـراطِيَّـةِ مِـنْ جِهَـةِ مُحْـتَـواهـا وَالمَبْـدَأ المُؤَسِّـسِ لَـهـا. إِذا كـانَ النِّـظـامُ الدّيـموقْراطِيّ، مِـنْ حَيْـثُ أَسـاسُـهُ وَمَضْـمونُـه، هُـوَ النِّـظـامُ الَّذي يُمـارِسُ فـيـهِ الشَّـعْـبُ سِـيادَتَـهُ عَلى نَـفْـسِـهِ وَحُـكْـمَ نَـفْـسِـهِ بِـنَـفْـسِـه، مِـنْ طَـريقِ مَـنْ يُـفَـوِّضُـهُمْ بِإِدارَةِ السُّـلْطَـةِ بِـاسْـمِـهِ وَنِـيـابَـةً عَـنْـه، فَـإِنَّ أَرْأَسَ الشُّـروطِ اللّازِبَـةِ لِـقِيـامِ مِـثْـلِ هَـذا النِّـظـامِ وَانْـتِـظـامِ حـالِـهِ أَنْ لا يَـقَـعَ اسْتيـلاءٌ عَلَى سُلْطَـةِ الشَّـعْـبِ مِـنْ قِـبَـلِ نُـخَـبٍ بِـعَـيْـنِـهـا تَـحْـتَـكِـرُ المُشارَكَـةَ وَالتَّـمْثـيـلَ السِّـياسِـيَّـيْـنِ مِـنْ دونِ سِـواهـا مِـنَ النُّـخَـبِ السِّـياسِيَّـةِ الأُخْـرى.
لَـكِـن، أَلَيْـسَ هَـذا الاسْتيـلاءُ مـا يَحْـصُـل، اليَـوْم، في الأَعَـمِّ الأَغْـلَـبِ مِـنْ أَنْـظِمَـةِ الدّيـموقْـراطِيَّـةِ التَّـمْثـيـلِـيَّـةِ في الغَـرْب، كَمـا في بَـعْـضٍ مِـنَ الجَـنوبِ يَسيـرُ عَلى مِـطْـمـارِ ذَلِكَ الغَـرْب؟ طَـبَـقَـةٌ اجْـتِـمـاعِـيَّـةٌ واحِـدَةٌ تَـسْـتَـأْثِـرُ بِالسُّـلْطَـةِ - بَـعْـدَ الثَّـرْوَةِ - في بُـلْـدانِ الدّيـموقْـراطِيَّـةِ اللّيـبـيرالِيَّـةِ التَّـمْثـيـلِـيَّـةِ لَا تُـزاحِـمُـهـا في ذَلِكَ أُخْـرى؛ وَالطَّـبَـقَـةُ تِـلْكَ هِـيَ البورْجُوازِيَّـة. اليَـمـينُ مِنْـهـا، وَ"اليَـسـارُ" مِنْـهـا، وَالوَسَـطُ وَمـا عَلَى يَـمـينِـهِ وَشِمـالِـه! وَحْـدَهـا لَا شَـريـكَ لَـهـا في الأَمْـر: مَا خَـلا في بَـعْـضٍ يَـسيـرٍ مِـنَ البُـلْـدانِ (= جَـنوبُ أوروبا) أَمْـكَـنَ فيـهـا لِلْبورْجُوازِيَّـةِ الصَّـغيـرَةِ أَنْ تُـشـارِكَ فِي المُؤَسَّسـاتِ وَالسُّـلْطَـةِ مِـنْ خِلالِ أَحْـزابِـهـا الاشْـتِـراكِـيَّـةِ وَالشُّـيوعِـيَّـة. وَلَـقَـدْ كـانَ ذَلِكَ مُـمْـكِـنًـا في حِـقْـبَـةِ نَـموذَجِ دَوْلَـةِ الرِّعـايَـةِ الاجْـتِـمـاعِـيَّـة، بَيْـنَ نِـهـايَـةِ الحَـرْبِ العـالَـمِـيَّـةِ الثّـانِـيَّـةِ وَمُـنْـتَـصَـفِ عَـقْـدِ الثَّـمانينِـيّـاتِ مِنَ القَـرْنِ العِشْـرين. أَمّـا اليَـوْمَ فَـما بـاتَ يَـسَـعُ مِـثْـلَ هَـذِهِ الطَّـبَقَـةِ الوُسْطـى أَنْ تُـقَـدِّمَ سِـوى أَحْـزابِ اليَـمـينِ العُـنْـصُـريِّ وَالنّـازِيِّ المُتَـطَـرِّف، فـيما لَـمْ يَـعُـدْ لَـدى طَبَـقـاتِ المُجْتَـمَـعِ الأُخْـرى (غَـيْـرِ البورْجُوازِيَّـةِ) سِـوى أَنْ تَـخْـرُجَ مِـنَ الحَقْـلِ السِّـياسيِّ وَأَنْ تَـكْـتَـفِـيَ بِالنِّـضالِ مِـنْ أَجْـلِ حُـقـوقِـهَـا الاجْـتِـمـاعِـيّـةِ مِـنْ داخِـلِ النِّـقـابـاتِ وَالمُنَـظَّـمـاتِ المَـدَنِـيَّـة!.
لا شيء يبقى من الديموقراطية المزعومة سـوى الاستيلاء على السلطة باسم الشعب وسرقة الثروة منه
حـيـنَ تَـكـونُ الدّيـموقْـراطِيَّـةُ اللّـيـبـيرالِيَّـةُ التَّـمْثـيـلِـيَّـةُ نِـظامًـا لِحُـكْـمِ قِـلَّـةٍ بِـاسْـمِ الكَـثْـرَة؛ حُـكْـمِ طَـبَـقَـةٍ واحِـدَةٍ بِـاسْـمِ الشَّـعْـب، مـا الذي يَـبْـقى مِـنْ قيمةٍ إِذَن، لاسْـتِقـامَـةِ أَمْـرِ طُـقـوسِ الدّيـموقْـراطِيَّـةِ وَانْـتِـظـامِ عَـلامـاتِـهـا وَمَـواعيـدِهـا وَتَـرَدُّدِ أَصْـدائِـهَـا فِي المُنـاقَـشـاتِ العـامَّـةِ وَالصُّـحُـفِ وَمَـحَـطّـاتِ التِّـلْـفِـزْيونِ وَمِـنَـصّـاتِ التَّـواصُـل؟ ثُـمَّ مـا الَّذي يَبْـقى مِـنْ قـيـمَـةٍ لِـعَـمَـلِـيَّـةِ التَّـداوُلِ السِّـياسيِّ عَلى السُّـلْطَـةِ بَـيْـنَ يَـمـينٍ وَوَسَـطٍ وَيَـمـينِ وَسَـطٍ وَيَسـارِ وَسَـطٍ إِنْ كـانَ "التَّـداوُلُ" يَـدورُ فِي نِـطـاقِ مِـسـاحَـةٍ اجْـتِـمـاعِـيَّـةٍ طَـبَـقِـيَّـةٍ ضَـيِّـقَـةٍ وَتَـتَـنـاسَـلُ نُـخَـبُـهُ المُتَـعـاقِـبَـةُ مِـنْ بَـعْـضِهـا فَـيَـأْتي اللّاحِقُ مِـنْـهـا نُسْخَـةً أُخْـرى مِـنَ السّـابِـقِ وَهَـكَـذا دَوالَيْـك، لِـتَـدْخُـلَ عَـمَـلِـيَّـةُ الإِدارَةِ الدّيـموقْـراطِيَّـةِ في حَـلْقَـةٍ مُفْـرَغَـة؟ لا شَيْءَ يَـبْـقى مِـنْ هَـذِهِ الدّيـموقْـراطِيَّـةِ المَـزْعومَـةِ سِـوى أُمِّ الحَـقـائِـق: سَـرِقَـةُ السُّـلْطَـةِ مِـنْ صاحِـبِ السُّـلْطَـة (الشَّـعْـب) وَالاسْـتيـلاءُ عَـلَيْـهـا بِـاسْـمِـهِ وَاحْـتِـكـارُهـا الاحْـتِـكـارَ المُطْـلَـق: نَـظيـرَ سَـرِقَـةِ الثَّـرْوَةِ مِـنْـهُ وَالاسْـتِـحْـواذِ عَلَى فـائِـضِ قـيـمَـةِ عَـمَـلِ المُـنْـتِـجـيـن!.
(خاص "عروبة 22")

