بدأت أميركا - ترامب، انطلاقاً من فنزويلا، تطبيق أهم بنود استراتيجيتها الأمنية الجديدة، تحديداً في أميركا اللاتينية حيث تلقت الدول كافةً هجوم "دلتا فورس" على العاصمة كراكاس بمثابة رسالة تهديد لها، وبالأخصّ اعتقالها الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس (المتهمَين معاً بارتكاب جرائم، وكانا من أهم القريبين إلى الرئيس السابق هوغو شافيز). تصرّف الجيش الأميركي بصفته "سلطة إنفاذ القانون"، متسلّحاً بـ"حكم قضائي أميركي"، أما الإمكانات العسكرية الجوية والبحرية التي راح يحشدها منذ آب/أغسطس الماضي فكانت كافية لخوض حرب واسعة. لم يرِد ترامب حرباً، بل عملية سريعة وخاطفة تحقق الهدف المحدّد: إزاحة مادورو تفتح الطريق إلى تغيير كبير في فنزويلا.
كان الاختراق الاستخباري أفضى الى تقديرٍ بأن الأزمة الشاملة التي عصفت بالبلاد لأعوام طويلة جعلت من استمرار مادورو في الحكم عقبة أمام أي حلّ، وبالتالي فإن غيابه ولو "بعملية خارجية" يُحرج المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية لكنه يدفعها إلى بلورة "الحكم البديل"، بالتعاون مع الولايات المتحدة أو رضوخاً لإرادتها. نقلت "نيويورك تايمز" عن مصادر أن "جاسوساً أميركياً داخل الحكومة الفنزويلية" ساعد في تنفيذ العملية، فيما اتفقت تحليلات الذكاء الاصطناعي على أن "خيانة داخلية" لعبت دوراً في تأمين عنصر "المفاجأة المطلقة".
لكن هندسة الحكم واستقراره ما بعد مادورو سيكونان مهمة أكثر تعقيداً داخلياً مما أوحى به ترامب وأعوانه في المؤتمر الصحافي بعد نجاح العملية، إذ إن "نظام مادورو"- باعتباره امتداداً لنظام شافيز- كان جامعاً لشبكة واسعة من المستفيدين وأصحاب المصالح، متجذّراً في كل مؤسسات الدولة، ومدفوعاً بمنسوب كبير من العداء المؤدلج للولايات المتحدة، واليسار المتعاطف مع روسيا والصين، فضلاً عن إيران، التي تلقت جميعها رسالة أميركية قاسية. ولم يتأخر ترامب في توضيحها بقوله: "مع استراتيجيتنا الجديدة للأمن القومي لن يكون النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي موضع تساؤل مرة أخرى".
كان واضحاً أن فنزويلا على أجندة ترامب، لكنّ أحداً، حتى ترامب نفسه، لم يتخيّل هذا السيناريو الذي وصفه بأنه مثل "مسلسل تلفزيوني". وعلى رغم أن دول العالم كانت شبه مجمعة على أن الأزمة الفنزويلية طالت وصارت عبئاً على العلاقات الدولية، إلا أنها كانت منقسمة بشأن ما يجب عمله لإنهائها، فالانقسام الكبير في الداخل مع الانهيار المالي والاقتصادي زادا الأزمة استعصاءً، والحصار الأميركي مع العقوبات ضاعفا الصعوبات أمام تدخل أي دولة رئيسية لحلحلتها. ومع أن موسكو وبكين وغيرهما لا تنسى أن فنزويلا واقعة في ما تُسمّى "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة، إلا أنها ربما تتوقّع الآن أن "عقيدة ترامب" تسعى إلى ما بعد فنزويلا لتوسيع تلك الحديقة، ولم يعد مجدياً التذكير بميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية التي تفرض احترام سيادة الدول. فالنظام الدولي فقد كل هيبته، وبمساهمة الجميع.
أوضحت الأفكار الأميركية الأولية لإدارة الحكم في كراكاس و"بيع النفط" الفنزويلي أن واشنطن عادت رسمياً وبقوّة إلى سياسة "تغيير الأنظمة" التي كانت أعلنت التخلّي عنها وتتفادى الآن تسميتها باسمها تفادياً لجدل "شرعية" العمل العسكري ضد فنزويلا. مع ذلك، وبحثاً عن شيء من "الشرعية"، بُرّرت هذه العودة بـ"جلب مادورو إلى العدالة" تنفيذاً لـ"حكم قضائي أميركي" مستندٍ إلى هدفين في الاستراتيجية الأميركية: محاربة المخدرات وكارتيلاتها لأنها تحولّت إلى "إرهاب" يهدّد أميركا، ومكافحة الهجرة الجماعية.
استهلّ ترامب السنة الجديدة بعمل عسكري مبهر، مكرراً تجربة العراق ومتحدّياً كل المفاهيم المتعارف عليها دولياً. وإذ يريد أن يحوّله سريعاً إلى إنجاز قضائي فإن عدالته لن تكتمل إلا إذا أصبحت نجاحاً سياسياً ينعكس على الدولة المستهدفة وشعبها. لفت العديد من المحللين، بمن فيهم الأميركيون، إلى أن غزوة "منزل الصنوبر" لاعتقال مادورو تشبه تخطيطاً وتنفيذاً عمليات "الموساد" الإسرائيلية (كان بنيامين نتنياهو المسؤول الوحيد الذي هنّأ ترامب). لكن يُفترض ألا يكون التشابه التقني- الأمني سياسياً أيضاً. فالهدف الإسرائيلي يكون دائماً إحباط أي "أفق سياسي" مع الفلسطينيين. أما في حال ترامب وإدارته فإن الجدوى من العملية العسكرية ليست في إدامة الأزمة، بل في تخطّي الأصعب والتوصّل إلى انتظام سياسي في كراكاس، وبأسرع وقت.
شاءت الصدفة أن يكون 3 كانون الثاني/يناير يوم اعتقال نيكولاس مادورو (2026) ومانويل نورييغا (1990) ، ولا يخفي ترامب أن لديه مطامع في بنما، كما في فنزويلا، بالإضافة إلى أهداف تبدو الآن صعبة (كندا، غرينلاند الدنمارك...) وأخرى أكثر سهولة (ثروات أوكرانيا مقابل "ضمان سلامتها"، و"ريفييرا- غزّة") ... هذا هو النظام الدولي "الجديد" بنسخته الترامبية في النصف الغربي من العالم، وكأنه يعلن أنه غير معني بالنصف الآخر. وهكذا وصلت الرسالة إلى روسيا في ما يتعلق بمكاسبها الأوكرانية (الأوروبية) وإلى الصين بالنسبة إلى طموحاتها التايوانية.
(الوطن السعودية)

